Take a fresh look at your lifestyle.

التوجيه الدلالي.. في آية الولاية

0 300

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)

                  إن استنتاج الدلالة في أيِّ نص ليست من السهولة بمكان، إذ يصحبها بحث وتنقيب عن أوجه المعنى وصوره، وهذا يستلزم عملاً تحليلياً لمكونات النص الأدبي لبيان وظيفة كل ألفاظه وجمله، ودراسة السياق المؤثر في توجيه الدلالة، ويكون ذلك من خلال المستويات اللغوية المعروفة، في الصوت والصرف والنحو، وغيرها من أدوات البحث العلمي، فقد تجد نصاً أدبياً موجز الألفاظ، غير أنه مشحون بشحنة دلالية واسعة المعاني وعميقة في أداء المعنى، من خلال التشابك بين هذه المستويات في عمق النص، فضلاً عن المقام الاجتماعي(1)،

والنص القرآني الكريم بمضامينه وسعة تراكيبه ومتانة أسلوبه قد جمع كل المستويات المعروفة والتي تجعله منفرداً عما عرفته العرب رغم تقدمها في البيان وعلو كعبها في البلاغة.
إن آية الولاية، هي واحدة من روائع القرآن الكريم، ببيانها العظيم ودلالتها الموحية بأسلوبها الذي أضاء به قلوب أهل الإيمان، وأعمى بصائر أهل الكفر والنفاق، فقد قال سبحانه وتعالى فيها: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(2).

فلأجل الوصول إلى أوسع مضامين الدلالة لابد من دراسة تلك المستويات التي أشرت إليها آنفاً في هذا النص المبارك، لبيان جلالته وإعجازه، الذي حارت به العقول ووقفت مبهورة أمامه بمفرداته وجمله.
لقد تجلى المستوى الصوتي في هذه الآية المباركة بتشكيلة صوتية توزعت على مقاطع قصيرة وطويلة مغلقة ومفتوحة مع مقطعين مديدين، وكما يأتي:

ء ِ ن/ ن َ / م ً ، و َ / ل ِ ي/ ي ُ /
ك ُ / م ُ ل، ل ً / ﻫ ُ / و َ / ر َ /
س ُ ُ / ل ُ / ﻫ ُ ، و َ ل/ ل َ / ذ ٍ /
ن َ ، ء ً / م َ / نُ مديد ُل، ل َ / ذ ٍ /
ن َ ، ي ُ / ق ٍ / م ُ ُ / ن َ ص، ص َ /
ل ً / ت َ ، و َ / ي ُ ء/ ت ُ ُ / ن َ ز،
ز َ / ك ً / ت َ ، وﻫ ُ م، ر ً / ك ِ /
عُ مديد ُن.
وقراءة أولية لهذه المقاطع نجد أن عددها يبلغ أربعة وأربعين مقطعاً صوتياً، كان نصيب المقاطع القصيرة منها النصف، فيما كان عدد المقاطع الصوتية الطويلة المفتوحة اثني عشر مقطعاً، والمقاطع الطويلة المغلقة ثمانية مقاطع، فيما وقع في منتصف هذه المقاطع مقطعٌ مديدٌ واحدٌ، والثاني في آخرها، فضلاً عن ذلك نلاحظ فيها توازناً صوتياً من خلال توزيع المقاطع وتداخلها مع بعضها البعض، بشكل يوحي للمتلقي بسلاسة إيقاعها وهدوء نغماتها، ذلك لأن المقام في هذه الآية الكريمة مقام إبلاغ لأمر مهم،

فلابد من وجود توازن في التقاط الأنفاس، بلا إسراع، فيضيع المطلوب ويحدث التراخي وتقل أهمية وقع الحدث في نفوس السامعين، فوزع المقاطع القصيرة ذات المدد الزمنية القصيرة بين المقاطع الطويلة ليحدث التوازن في المدد الزمنية، ليكون محل راحة عند استقبال هذا الخبر المهم الذي تنتظره الأمة، وهو محل اهتمام الله تعالى ورسوله، وهو مسألة إبلاغ الولاية.

هناك أيضاً مقطعان مديدان أحدهما توسط الآية، والآخر حلَّ في آخرها، وهذان المقطعان يمتازان بطول مددهما الزمنية عما في المقطع القصير أو الطويل بنوعيه، إذ أن المقطع المديد الأول يبدأ مع أول الكلام في وصف (الذين آمنوا) بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) وهذا يوحي إلى أهمية الموصوف بأخذ نفس طويل ومميز، مشيراً إلى من يوصف بهذا الوصف. فيما جاء المقطع المديد الآخر في نهاية الآية بقوله تعالى: (راكعون) فكأنه يشير مرة أخرى إلى الموصوف بإطالة النفس مرة أخرى، بما يخالف ما سارت عليه الألفاظ الأخرى في الآية ذاتها.

ثم أنك تجد أغلب الأصوات المؤلفة للألفاظ، أنها متوسطة الشدة، فيما انحدرت فيها الأصوات الرخوة والشديدة، وهذا يوحي إلى السلاسة في الأداء وعدم الشدة أو الميوعة في الألفاظ، بما لا يتفق مع مقام الإبلاغ، إذ إن الأصوات المتوسطة لم ينغلق عند النطق بها أي من أعضاء الصوت ثم تنفتح فجأة فيحدث الانفجار، ولا هي مفتوحة فتخرج الأصوات رخية مائعة، بل كانت أكثر المخارج قد تضيق مجرى الصوت فيها بيد أنه سمح بمرور الهواء،

فخرجت سلسة بلا عوائق أو تهور، وهذا مما ناسب الجو العام في الإخبار عن أمرِ الولاية، ثم أن اغلبها كان ذا جهر، فيما انحدرت صفة الهمس فيها، وهذا يومئ إلى أن أمر الولاية واضحٌ جلي من خلال الجهر والله اعلم.

هذه إشارات أولية وإضاءة سلطها الصوت اللغوي التي اكتنفت ألفاظ النص المبارك على من يكون الولي من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان ذلك من خلال ما تظاهر به بعض الناس وتأويلهم لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) عندما ذهبوا فيه مذاهب شتى وهو بين جلي. فهذا التوجيه الصوتي يمثل شرطاً مهماً من شروط اكتمال المعنى الدلالي الأكبر على حد ما يذهب إليه الدكتور تمام حسان(3).

أما المستوى الآخر، فهو المستوى الصرفي، فقد وجه من طرف آخر الدلالة التي تضمنها المعنى من خلال بنية بعض ألفاظ الآية المباركة، فقد يسأل سائلٌ، لماذا اجتمع في النص الكريم لفظان: (الولي) والفعل (يتول)، فقال في صدر الآية المباركة: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ثم أعقبها في صدر الآية الثانية قوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمْ الْغَالِبُونَ)(4)،

وكان القياس أن يقول: (ومن ولي الله ورسوله…) إذ أن أصل الولي من الفعل (وَليَ) بيد أنه جاء بالفعل (يتولّ) وهو من الخماسي (تولّىَ) على صيغة (تفعَّل) ومصدرها (تفَعُّل) كتعلَّمَ تعلُّماً وتقدَّم تقدُّماً، وهذه الصيغة تفيد (التدرّج والتكلف مثل تجسَّسَ وتحسَّس وتبصَّر وتدرّج وتمشى وغيرها، فإنّ في تجسّس وتحسّس وبقية الأفعال تدرجاً وتكلفاً، ألا ترى أن في (تبصَّر) من التدرّج وإعادة النظر والتكلف ما ليس في (بَصَرَ وفي (تمشّى) من التدرج ما ليس في (مشىَ))(5) وهذا التدرج يناسب الذي جاء في هذه الآية المباركة كما سيتضح ذلك فيما بعد.

ثم أن (مَنْ) بمعنى الذي وهو اسم موصول إذ إنها وصلت بما بعدها لأنها لا تستقل بنفسها وهي محتاجة إلى صلاتها كاحتياج الحروف إلى غيرها، وصلتها قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ …) كذلك أن (مَنْ) وأخواتها (ما، الألف واللام) تكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وتستعمل للعاقل، وقد تستعمل في غيره(6)،

بيد أن دلالتها في سياق هذه الآية تعني الجمع أي بمعنى الذين وذلك أنه لما جاء بالفعل (يتول) وختم الآية بقوله: (فأن حزب الله هم الغالبون) قد جمع بين المتناسبين، إذ أن زيادة المبنى تعني زيادة في المعنى، وان دلالة (وَمَنْ يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمْ الْغَالِبُونَ) أي الذين يتخذون الله ورسوله والذين آمنوا، ففي هذا شعور بوجود تجمع وتحزب لجماعة على أمر قد اتفق عليه، وهو مناسب لفكرة الحزب الذي أصله (القوم يجتمعون لأمر حزبهم)(7)

فهم جماعة متضامنة على مبادئ اتفقوا عليها واقروها فيما بينهم وهذا يعني أن التولي كان لأمر قد اجتمعوا عليه، ثم إن الفعل (ولي) في سياقه ربما يقصر في أداء المعنى، فعدل سبحانه إلى (يتول) فزاد في مبناه ليزيد في المعنى الذي تضمّنه، فبعد أن كان سياق الآية الأولى هو الموالاة والإتباع فأن في الآية الثانية توسعت الدلالة إلى الاجتماع على أمر قد اتفق عليه كان اكبر وأعظم والله اعلم.

أما على المستوى النحوي، فإن ابتداء الجملة بالاسم المرفوع (الولي) له دلالة تختلف فيما لو كانت (إنّ) عاملة، فقد كُفَّ عملها باتصالها بـ(ما) النافية فيما كان حكم (الولي) الرفع لا النصب والفرق بين النصب والرفع، إنك إذا رفعتها فكأنّك أثبتَّ شيئاً قد ثبت عندك واستقر فيها ذلك المعنى، وإذا نصبت كنت ترجوه في حال حديثك وتعمل على إثباته(8)

وهذا مما يكسب الجملة قوة في الأداء واثبات الولاية على وجه اليقين كما ورد في الآية المباركة، وكذلك من فائدة الابتداء بالاسم، (فالاسم أقوى من الفعل لأنّه يمكن أن يستغنى بالاسم عن الفعل في الفائدة ولا يمكن أن يستغنى بالفعل، والبيان عن الشيء أقوى من البيان عنه في الجملة)(9)، وهذا إن عبر فهو يعبر عن قوة الإرادة، ثم أنه تعالى قد بدأ النص بـ(إنما) وهي تفيد التخصيص أي وجوب اختصاص من ذكروا بعدها بالولاية، إذ إنّ (دخول (ما) على (إنّ) يفيد ما يفيده النفي والإثبات، نحو (إِنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ)(10) و(إِنَّمَا إِلَهُكُمْ الله)(11)

و(إنما العزة للكاثر) أي: ما الله إلا إله واحد، ما إلهكم إلا الله وما العزة إلا للكاثر، فهي لإثبات الشيء للشيء ونفي ما عداه وبذلك يفيد الحصر)(12)، وهذا مما يدل على حصر الولاية في الله تعالى والرسول محمد(صلى الله عليه وآله) والذين آمنوا وهذا المعنى قد أجمع عليه جمهور النحاة، إذ قال السيوطي(ت911هـ): (على أنها للحصر، فقيل بالمنطوق، وقيل بالمفهوم)(13)، ويعني الحصر كذلك (القصر لأنه تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص، ويقال: إثبات الحكم المذكور ونفيه عما عداه)(14).

فابتداء النص بها قد أفاد فائدة حصر الولاية بهم لا بغيرهم، وهذا مما عمل على التخصيص والحصر للدلالة، وعدم اتساعها إلى من عداهم.
ثم إن (إنما) تتألف من (إن) المتصلة بـ(ما) الزائدة (وقد نتج عن هذه الملازمة بين أجزائها تغيّر في الوظيفة التي كانت (إنّ) تؤديها منفردة لأن الكلمتين إذا ركبتا وكان لكل منهما معنى على حدة أصبح لها بعد التركيب معنى جديد وحكم جديد، وقد تغيرت دلالتها على التوكيد من كونه توكيداً عادياً إلى كونه توكيداً قاصراً أو حاصراً، أو بعبارة أوضح: من كونه توكيداً مخففاً إلى كونه توكيداً مشدداً كقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ)(15))(16).

هذا التشديد في التوكيد لا يكون إلا لغاية أرادها سبحانه، فولاية الله ورسوله مفروغ منها ولا يناقش فيها، بيد أن الاختلاف وقع في (الذين آمنوا)، فعملية التشديد في التوكيد ما كان إلا للحصر وقصر هذا المفهوم في هذه الجملة، وهذا مما يدل على وجود خصوصية في (الذين آمنوا)، وكذلك معروف أن (واو العطف) (لمطلق الجمع عند البصريين فإذا قلت: (جاء زيدٌ وعمرو، دلّ ذلك على اجتماعهما في نسبة المجيء إليهما… ويعطف بها: اللاحق والسابق والمصاحب، ومذهب الكوفيين أنها للترتيب)(17)،

وكلا المذهبين يؤديان إلى الدلالة ذاتها في كون الولي موجوداً وحاضراً، وكذلك نستشعر منهما أن (الذين آمنوا) الموصوف بـ(يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) كونه حاضراً أيضاً، وذلك من خلال جملة الحال (وهم راكعون)، إذ إن اجتماع أولياء الأمر من خلال العطف بالواو يوحي بوجودهم حالاً لا على سبيل الإخبار المحتمل للصدق أو الكذب، بل أن وجودهم على سبيل الإخبار والإنشاء المؤكد لهم، والحال ـ كما نعلم ـ ما هو إلاّ (انقلاب المعنى في صفة النكرة عما كان عليه للزيادة في الفائدة)(18)،

فكون وجود (وهم راكعون) ما كان إلا لإزالة الإبهام الذي يقع بسبب إن من يعدّ أن (الذين آمنوا) عموم من آمن، إذ إن المسوغ لوروده هو امتناع الوصفية، إثبات حالة الموصوف في تلك الحالة لا غير، وهذا مما يبعث في النفس الطمأنينة في أن شخص (الذين آمنوا)، قائمٌ في المسجد أثناء نزول الآية المباركة ومشخص.

ثم أن الله تعالى قد وصف بالصيغة الفعلية ولم يصف بـ(الصيغة الاسمية) (المؤمنون)، وأن القياس يدعو إلى ذلك بدليل ذكر لفظ الجلالة (الله) و(الرسول)، وهما اسمان، فالقياس المستحسن في اللغة أن يعطف الاسم (المؤمنون)، بيد أن ذكره لهم بـ(الذين آمنوا) كان لمزية ونكتة مهمة، هي أن الصيغة الفعلية دالة على حدوث فيما تكون الصيغة الاسمية دالة على الثبات، أي ان عملية الركوع والتصدق كانت قد وقعت حالاً وليس على سبيل الثبات، أي أن هناك عملية تغيير وتبدل في شأن (الذين آمنوا) في تلك الأثناء،

فكانت عملية التصدق حادثة في ذلك الآن وليس على سبيل الثبات الدائم، ولذلك جاء قوله تعالى: (وهم راكعون) مصداقاً لذلك الحدوث، لأنها صيغة اسم الفاعل من الفعل (ركع)، وهذه الصيغة لها ما يميزها من غيرها من الصيغ الأخرى وذلك لأنها جمعت بين سمات كل من الاسم والفعل معاً، ولهذا كان ذلك موضوعاً لخلاف النحويين، فالبصريون يصنفونه في قسم الأسماء، بينما يصنفه الكوفيون في باب الأفعال، فيقسمون الفعل على ماضٍ ومضارع ودائم، ويعنون بالدائم صيغة اسم الفاعل.

إن الطبيعة المزدوجة لاسم الفاعل تعطيه من القدرة في التعبير عن المضامين ما لا يكون لغيره، وتمنحه من المرونة في العدول إلى صيغ أخرى للتعبير عن مضامين أبلغ، فدلالته بين الفعلية والاسمية تثوّر فيه إمكان التطور والعدول، إذ صار مشتركاً بين الدلالة على الثبوت من جهة النظر إليه أسماً، مقابل الفعل الدال على التجدد(19).

لذلك كان اسم الفاعل (راكعون) قد جمع بين ثبات الدلالة على شخص معين من جهة وحالة التجدد من كونه حالاً وهيئة لفعل قد وقع في ذلك الآن، ثم أن (اسم الفاعل ما دل على الفاعل، والفاعل ما دلّ على الفعل)(20).

وهكذا نجد أن النص الكريم قد حدد كل معالم الدلالات وقيدها بما يتفق مع السياق العام للآية المباركة في تعيين شخص (الذين آمنوا) من خلال المستويات الوظيفية تلك، وحدده تحديداً يتجه في كل مضامينه إلى شخص بعينه، ولأجل اضفاء الضوء الكاشف عنه، لابد أن نكشف عن المقام الذي نزلت فيه الآية المباركة، والمناسبة التي جاءت فيها وذلك من خلال حديث يرويه أبو ذر الغفاري(رضي الله عنه)

عندما جاء إلى عبد الله بن عباس(رضي الله عنه)،
إذ أقبل أبو ذر متعمماً بعمامته فسأله ابن عباس قائلاً: (سألتك بالله من أنت، فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة الربذي، أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا، يقول: عليٌّ قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله،

أما أني صليت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوماً من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطهِ احد شيئاً فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليٌّ راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري،

فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أشد به ظهري، قال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال: يا محمد أقرأ قال: ما أقرأ، قال: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)(21).

وقد روى هذا السبب في نزول الآية المباركة جميع أتباع أهل البيتِ(عليهم السلام) وكذلك روته مصادر السنة والجماعة حتى بلغت أكثر من ستين مصدراً(22)، منهم أبو إسحاق الثعلبي(ت337هـ) في تفسيره، والطبري(ت311هـ) في جامعه، والزمخشري (ت538هـ) في كشافه، إذ قال: (وإنها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه، كأن كان مرجاً في خنصره فلم يتكلف لخلعهِ كثير عمل تفسد بمثله صلاته)(23).

إذاً نجد أن كثيراً من علماء أهل السنة والجماعة قد اتفقت كلمتهم على نزولها في أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ(عليه السلام)، فيما شذّ صاحب دقائق التفسير عن هذا بقوله: (وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أن هذه الآية نزلت في عليّ لما تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب باجتماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بين من وجوه كثيرة منها أنّ قوله (اللذين) صيغة جمع وعليٌّ واحد، منها أن الواو ليست واو حال، إذ لو كانت كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع، فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة، ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة في حال الركوع ليست واجباً أو مستحبّاً باتفاق علماء الملة)(24)،

فيما اتجه ابن كثير (ت774هـ) إلى تضعيف سند الرواة الذين رووا حديث آية الولاية فيتجاهلها ثم ينسب سبب نزولها إلى عبادة بن الصامت، إذ يقول: (وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامتْ(رضي الله عنه) حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين)(25)، وهو قبل ذلك ذهب إلى أن قوله تعالى: (وهم راكعون) ليست حالاً بقوله: (فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله ويؤتون الزكاة) أي حال ركوعهم ولو كان هذا لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح وليس لأمر، كذلك عند أحدٍ من العلماء ممّن نعلمه من أئمة الفتوى)(26).

إن كلام هذين ومن شذّ من سواهما مخالف لجمهور علماء السنة فضلاً عن الخاصة من الأمامية، إذ ذكرت معظم التفاسير أن هذه الآية المباركة نزلت في الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فقد جاء عن أبي عبيد قوله: (بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب)، ثم يستدل منها على أن دلالة المولى والولي واحدة مستشهداً بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) في خطبة حجة الوداع بقوله: (وهذا يبين لك قول النبي(صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه، فالمولى والولي واحد والدليل على هذا قوله جلّ وعزّ (الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(27))(28)،

وكذلك الثعالبي في تفسيره يذكر اتفاق الأئمة على ذلك بقوله: (ولكن اتفق مع ذلك أن علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) أعطى خاتمه وهو راكع)(29)، وذكر ذلك أيضاً الطبري في جامعه(30) والقرطبي برواية ابن عباس(31) والبيضاوي في تفسيره(32)، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم(33)، واخرج السيوطي (ت911هـ) سبب النزول من أسانيد كثيرة وقال: (واخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) للسائل: من أعطاك هذا الخاتم، قال: ذاك الراكع، فأنزل الله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(34) وغيرها من التفاسير المعتبره من العامة والخاصة، فلتعلم بعد هذا من هو المفتري.

ثم إن من مزايا لغة العرب في القرآن الكريم أن يعبر عن المفرد بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)(35) أي (يريد جماعة الكافرين)(36) وكذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)(37) فهنا (يريد النبي(صلى الله عليه وآله) وحده)(38).

ومنه كذلك جمع يراد به واحد، كقوله تعالى: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ)(39) وقوله سبحانه: (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)(40)، قال ابن قتيبة (ت276هـ): (وهو واحد، يدل على ذلك قوله: (أرجع إليهم)(41))(42) وذكر الزمخشري (ت794هـ) في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ)(43) إذ قال: (والمراد بهم ابن مسعود الثقفي وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الواحد لأنه إذا قال الواحد قولاً وله إتباع يقولون مثل قوله)(44).

ثم أن الواو في قوله تعالى (وهم راكعون) هي واو حال، إذ إنّ سبب النزول ـ وهو يمثل المقام الذي نزلت فيه الآية المباركة ـ يبين كونها للحال وليست لغيرها، فقد ذكر أبو البقاء العكبري (ت616هـ) أنها للحال فقال: (وهم راكعون حال من الضمير في يؤتون)(45)، وهذا ما قال به أبو حيان الأندلسي (ت756هـ) وموضحاً، إذ قال: (الواو للحال أي يؤتون الزكاة وهم خاضعون لا يشتغلون على من يعطونهم إياها أي يؤتونها وهم متلبسون بالصلاة)(46) وكذا هي عند أبي السعود (ت951هـ) إذ يقول: (وهم راكعون، حال من الفعلين…وقيل هي مخصوصة بإيتاء الزكاة)(47) وغير هؤلاء ممن ذكرها حالاً.

هذه كلها دلالات تبين بطلان المبطلين وافتراء المفترين، ممَّن عميت بصائرهم، وضمت آذانهم عن سماع الحق وبيانه، فظهرت مخالفة كلامهم لجمهور علمائهم، وبان خطل رأيهم وضعف حجتهم وعمى بصيرتهم في إتباع لهواهم وابتعادهم عن الحق.
والحمد لله أولاً وآخراً، وجعلنا الله سبحانه، ممن تولى الله ورسوله وعلياً أمير المؤمنين وآلهما الأطهار، وصلى الله
على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

نشرت في العدد 19


(1) ظ: اللغة العربية معناها ومبناها، د. تمام حسان: 342، اللغة بين المعيارية والوصفية وتمام حسان:23.
(2) سورة المائدة، الآية55.
(3)ظ: اللغة العربية معناها ومبناها د.تمام حسان:342.
(4) سورة المائدة، الآية56.
(5) التعبير القرآني د. فاضل السامرائي:56.
(6) ظ. شرح ابن عقيل، ابن عقيل:1/147.
(7) الكشاف،الزمخشري: 297، ظ: التبيان في غريب القرآن، الهائم المصري: 1/185.
(8) شرح المفصل للزمخشري، ابن يعيش: 1/122.
(9) الحدود في النحو، الرماني:40.
(10) سورة النساء، الآية 171.
(11) سورة طه، الآية 18.
(12) المغني في النحو، بن الفلاح: 3/217-219.
(13) الاتقان، السيوطي:2/98.
(14) م.ن:2،97.
(15) سورة البقرة، الآية173.
(16) في النحو العربي- نقد وتوجيه، د. مهدي المخزومي:256-257.
(17) شرح ابن عقيل، ابن عقيل:2/226.
(18) الحدود في النحو، الرماني:39.
(19)ظ. الظواهر اللغوية في كتب إعجاز القرآن، عادل عباس النصراوي:76.
(20) شرح المراح في التصريف، العيني:115.
(21) مجمع البيان، الطبرسي: م2/210، ظ: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: 3/549، الكشاف، الزمخشري:297.
(22) الكشاف المنتقى لفضائل علي المرتضى، كاظم الفتلاوي:35-38.
(23) الكشاف، الزمخشري:297.
(24) دقائق التفسير، ابن تيمية:2/206-207.
(25) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير:2/71.
(26) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير:2/71.
(27) سورة البقرة، الآية257.
(28) معاني القرآن، النحاس:2/325.
(29) الجواهر الحسان، الثعالبي:1/471.
(30) جامع التأويل، الطبري:6/287-289.
(31) الجامع لاحكام القرآن، القرطبي:6/221-222.
(32) تفسير البيضاوي، البيضاوي: 2/339-340.
(33) ارشاد العقل السليم، ابو سعود:3/52.
(34) الدر المنثور، السيوطي: 3/104-105.
(35) سورة النبأ، الآية40.
(36) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة:163.
(37) سورة المؤمنون، الآية51.
(38) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة:173.
(39) سورة التوبة، الآية66.
(40) سورة النحل، الآية35.
(41) سورة النحل، الآية37.
(42) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة: 173.
(43) سورة آل عمران، الآية:173.
(44) البرهان في علوم القرآن، الزركشي:3/8.
(45) املاء مامن به الرحمن، العكبري:1/219.
(46) البحر المحيط، ابو حيان:3/705.
(47) ارشاد العقل السليم، ابن مسعود:3/52.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.