Take a fresh look at your lifestyle.

شرعنة الإصلاح .. في الثورة الحسينية

0 186

             الحسين (عليه السلام) وأطوار النشأة المحمدية:

             الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)، كنيته أبو عبد الله، حفيد رسول الإسلام محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، ومن أهل بيته(عليهم السلام)، أبوه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين، أمه فاطمة بنت محمد بن عبد الله والحسين(عليه السلام) ثالث الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، إخوته كثيرون وأشهرهم الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)،

            وتزوج الحسين(عليه السلام) من شهربانو بنت يزدجرد فأنجبت له علياً زين العابدين(عليه السلام)، وتزوج ليلى بنت عروة بن مسعود الثقفية فأنجبت له علياً الأكبر(عليه السلام)، والرباب بنت امرئ القيس فأنجبت له سكينة وعبد الله الرضيع (عليهما السلام)، وأم اسحق بنت طلحة فأنجبت له فاطمة بنت الحسين(عليهما السلام).

            وشملته الرعاية المحمدية ست سنوات (حسين مني وأنا من حسين)(1) ثم انتقل إلى مدرسة والده العظيم علي بن أبي
طالب(عليه السلام) مقتدياً بنهجه مدّة ثلاثين سنة في حفظ الدين وإدارة شؤون الأمة ومشاركة والده في حروب الجمل وصفين والنهروان. وبعد ذلك عايش أخاه الحسن(عليه السلام) وأحداث إمامته بما فيها صلحه مع معاوية، وكان جندياً مطيعاً لأخيه منقاداً له في جميع مواقفه التي اتخذها في مدّة إمامته التي استغرقت (10 سنوات).

 

  مع الحسين(عليه السلام) في المدينة:

            في المدينة المنوّرة كان الإمام الحسين (عليه السلام) يراقب المخطط الأموي الإرهابي الذي عمل معاوية على تنفيذه، بدءاً من إشاعة الإرهاب والتصفية الجسدية لأتباع علي(عليه السلام) أمثال حجر بن عدي ورشيد الهجري وعمرو بن الحمق الخزاعي.. مروراً بإغداق الأموال من أجل شراء الضمائر والذمم وافتراء الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) للنيل من علي وأهل بيته (عليهم السلام)، وإثارة الأحقاد القبلية والقومية للعمل على تمزيق أواصر الأمة وإلهائها عن قضاياها المصيرية.

         وانتهاءً باغتيال الإمام الحسن(عليه السلام) تمهيداً لتتويج يزيد ملكاً على الأمة من بعده واتخاذ الخلافة طابعاً وراثياً ملكياً. وقد تمّ كل ذلك فعلاً بمرأى الإمام الحسين(عليه السلام) ومسمعه. فكان لابد من اتخاذ موقف الرفض والمواجهة لاستنهاض الأمة وحملها على مجابهة المشروع الأموي الجاهلي الذي بلغ الذروة بتولي يزيد للسلطة وحمل الناس على مبايعته بالقوة عقب وفاة معاوية سنة 60 للهجرة.

         تحرّك الإمام الحسين(عليه السلام) من المدينة إلى مكة التي كانت أكبر قاعدة دينية في الإسلام ومحلاً لتجمع الشخصيات الإسلامية الكبيرة. وذلك في سنة 60 للهجرة. وكان بصحبته عامة من كان بالمدينة من أهل بيته(عليهم السلام) إلاّ أخاه محمد بن الحنفية. وحدّد بذلك موقفه الرافض للبيعة:

           (إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله)(2) والهدف من تحركه هذا: (وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(صلى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)(3).

 

  مع الحسين (عليه السلام) في الكوفة:

          لما وصلت هذه الأخبار إلى الخليفة الأموي الجديد الذي قام على الفور بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير بتهمة تساهله مع الاضطرابات التي تهدد الدولة الأموية، وقام الخليفة يزيد بتنصيب والٍ آخر كان أكثر حزمًا اسمه عبيد الله بن زياد، قام بتهديد رؤساء العشائر والقبائل في منطقة الكوفة بإعطائهم خيارين، إما بسحب دعمهم للحسين(عليه السلام) أو انتظار قدوم جيش الدولة الأموية ليبيدهم على بكرة أبيهم.

          وكان تهديد الوالي الجديد فعّالاً فبدأ الناس يتفرّقون عن مبعوث الحسين (عليه السلام)، مسلم بن عقيل (عليه السلام) شيئًا فشيئًا لينتهي الأمر بقتله، واختلفت المصادر في طريقة قتله، فبعضها تحدث عن إلقائه من أعلى قصر الإمارة، وبعضها الآخر عن سحبه في الأسواق، وأخرى عن ضرب عنقه، وقيل إنه صُلب، وبغض النظر عن هذه الروايات فإن هناك إجماعًا على مقتله وعدم معرفة الحسين(عليه السلام) بمقتله عند خروجه من مكة إلى الكوفة بناء على الرسالة القديمة التي استلمها قبل تغيير موازين القوة في الكوفة، وقد علم بمقتل مسلم بن عقيل(عليه السلام) عندما كان في منطقة زرود في الطريق إلى العراق.

 

   مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء:

           استمر الإمام الحسين(عليه السلام) وأنصاره بالمسير حتى وصلوا صحراء كانت تسمى الطف، (وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى. فبعث إلى الإمام الحسين(عليه السلام) عما جاء به فقال الحسين(عليه السلام):

          (كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهوني فأنا أنصرف عنكم). وكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد يخبره الخبر، فردّ ابن زياد بكتاب إلى عمر بن سعد جاء فيه: (أما بعد.. فقد بلغني كتابك وفهمته، فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه…)، وأردفه بكتاب آخر: (أن حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء…))(4).

          وما كان من أبيّ الضيم إلا رفض ما عرضوه عليه في أول بيانه قبل خروجه من المدينة: (… ومثلي لا يبايع مثله...).
ومع رفض الإمام الحسين(عليه السلام) للتسليم، بدأ رماة الجيش الأموي يمطرون الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه بوابل من السهام، وأصيب الكثير من أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) ثم اشتد القتال ودارت رحى الحرب وغطى الغبار أرجاء الميدان واستمر القتال ساعة من النهار،

          ولما انجلت الغبرة كان هناك خمسون صريعًا من أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، واستمرت رحى الحرب تدور في ميدان كربلاء وأصحاب الحسين (عليه السلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر، واستمر الهجوم والزحف نحو من بقي مع الحسين(عليه السلام)، وأحاطوا بهم من جهات متعددة وتم حرق الخيام فراح من بقي من أصحاب الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) ينازلون جيش عمر بن سعد ويتساقطون الواحد تلو الآخر: ولده علي الأكبر(عليه السلام)، أخوته، عبد الله، عثمان، جعفر، محمد، أبناء أخيه الحسن أبو بكر القاسم، الحسن المثنى، ابن أخته زينب، عون بن عبد الله بن جعفر الطيار، آل عقيل: عبد الله بن مسلم، عبد الرحمن بن عقيل، جعفر بن عقيل، محمد بن مسلم بن عقيل، عبد الله بن عقيل..

            بدأت اللحظات الأخيرة من المعركة عندما ركب الإمام الحسين(عليه السلام) جواده يتقدمه أخوه العباس بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) حامل اللواء، ولكن العباس وقع صريعًا ولم يبقَ في الميدان سوى الامام الحسين (عليه السلام) الذي أصيب بسهم فاستقر السهم في نحره، وراحت ضربات الرماح والسيوف تمطر جسد الحسين (عليه السلام) وحسب رواية مؤكدة فإن شمر بن ذي جوشن قام بذبح الإمام الحسين (عليه السلام) وفصل رأسه عن جسده، وكان ذلك في يوم الجمعة من عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة وله من العمر 56 سنة.

            ولم ينج من القتل إلا الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)، فحفظ نسل أبيه من بعده.

        وكانت نتيجة المعركة ومقتل الحسين(عليه السلام) على هذا النحو مأساة مروعة أدمت قلوب المسلمين وهزت مشاعرهم في كل مكان، وحركت عواطفهم نحو آل البيت(عليهم السلام)، وكانت سببًا في قيام ثورات عديدة ضد الأمويين.

 

  تحلـيــل:

            هناك عامل رئيسي لما حصل في كربلاء، وهو خذلان الناس للحسين (عليه السلام) وقلة الناصر والمعين. لو كان مع الحسين(عليه السلام) أنصار وأعوان وجنود حاضرون للشهادة بين يديه، لما قُتِل، لما ذُبح طفله الرضيع، ولما سُبيت نساؤه وأخواته وبناته، ولما أُحرقت خيامه. ولو كان للحسين(عليه السلام) أعوان وأنصار هل هناك شيء ما يقال؟! هذه كل القصة.

          مشكلة الناس مع الحسين لم تكن نقص الوعي السياسي ولا مشكلة خبرة أبداً. مشكلة الناس مع الحسين حتى الذين قاتلوه وقتلوه وحاربوه وحاصروه كانوا يعرفون من هو، وكانوا يخيرون أنفسهم بين الجنة والنار، واحد اثنان ثلاثة، أعداد قليلة جداً اختارت الجنة على النار، كالحرّ بن يزيد الرياحي فلحق بالإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)، واستشهد بين يديه، وكثيرون آثروا دنياهم على الحسين (عليه السلام). لماذا تركوه؟ هذا خاف على بيته، وذا خاف على ابنه من القتل إذا لحق بالحسين (عليه السلام)، وذاك خاف على أمواله، وذلك خاف على وجاهته، وغيرهم خاف على منصبه،

          هناك أناس خافوا، وهناك أناس طمعوا بزينة هذه الدنيا، مناصب وجاه ومال وذهب وفضة والدرهم والدينار الذي وعدهم به عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية، هذا هو العامل الأساسي، المسألة الرئيسية التي أدت إلى أحداث كربلاء أن مجموعة قليلة من الناس زهدت في هذه الدنيا فنصرت الحسين(عليه السلام)، وأن مجموعة كبيرة وهائلة من الناس أحبَّت الدنيا ولم تزهد بها وتعلَّقت بها فقتلت الحسين(عليه السلام) فخسرت الدنيا وخسرت الآخرة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.