Take a fresh look at your lifestyle.

مسجد الحمراء.. مقام النبي يونس (عليه السلام)… قصة الترابط والبقاء

0 443

              امتازت المدينة الإسلامية عن غيرها من المدن بأهمية وجود المساجد فيها حيث أخذ البعد الديني حيزاً مهماً من فكر مخططي المدن من المسلمين لذا نجد في كل حي من الأحياء مسجداً ينسب للقبيلة التي تنزل ذلك الحي وبالتالي نجد عدداً من المساجد يتناسب مع عدد السكان ولكن هل كل المساجد كانت تُبنى لوجه الله تعالى؟ أم إن هناك مساجداً تبنى لغايات ظاهرها الطابع الديني والتقربي وباطنها متعدد الأسباب لا يمكن تحديدها وهذا الأمر ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) حين أشار إلى مساجد الكوفة فقال عن بعضها هذه مباركة وعن بعضها الآخر وهذه ملعونة مصداقاً لقوله تعالى: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ..) التوبة/108، فالأولى أُسست على التقوى والأخرى أُسست للرياء والسمعة.

            من بين المساجد المباركة التي ذكرها (عليه السلام) مسجد الحمراء الذي يقع على نهر الفرات، أدركناه ببنائه التراثي القديم ولم يكن معروفاً بمسجد الحمراء بل بمقام النبي يونس (عليه السلام) حيث تتوافد عليه الناس خصوصاً من يقصد شط الكوفة للترويح والنزهة فيدخل هذا المسجد ليصلي ويدعو الله تعالى فيه ويرى صورة رسمها فنان بريشته يظهر فيها النبي يونس(عليه السلام) وقد قذفه الحوت.

           وقد شهد مسجد الحمراء حملة إعمار واسعة بدأت قبل عدة سنين وبين عمل وتوقف سار بنمط متغير، ولكن اليوم نراه وقد انتصبت منارتاه وارتفعت قبتاه وبانت من معالمه أجزاءً كثيرةً، فقررنا زيارة موقع العمل وليكن محطة نسجل فيها ما نستطيع تسجيله من تاريخه ومراحل تشييده.

  مسجد الحمراء في التاريخ:

مسجد الحمراء كما يبدو منذ قرن مشرفاً على نهر الفرات

             تشير المصادر التاريخية التي ذكرت خطط الكوفة وتقسيمها الجغرافي إلى أن الحمراء وهم جماعة من الموالين الأعاجم هبطت الكوفة أيام تمصير الكوفة فاختطت مكانها في السبخة وهي منطقة مطلة على نهر الفرات، وقال بعض المؤرخين:

            وخططهم عند السبخة في الأطراف الشرقية من الكوفة بالقرب من شاطئ الفرات(1)، ثم اتخذت هذه الجماعة مسجداً فيصلون فيه الفرائض ويتعاهدونه دائما.

           والعرب تطلق اسم الحمراء عادة على العجم الذين يتميزون بلون بشرة بيضاء مشوبة باحمرار واضح في الوجه نتيجة لسكناهم في مناطق جبلية ذات طبيعة صافية وبيئة مناسبة تجعل سكانها ذوي وجوه مميزة بهذه الصفات(2).

            لعل أول من أشار إلى مسجد الحمراء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث ورد عنه قوله: (ومسجد الحمراء، وهو مسجد يونس بن متّى ولتفجرن فيه عين تظهر بالسبخة وما حولها)(3). وفي قول آخر له (عليه السلام) قال فيه: (مسجد الحمراء وهو في موضع بستان لا تذهب الليالي والأيام حتى تنبع عنه عين تنطف ماء حواليه وفيه قبر أخي يونس بن متّى)(4)، وفي القولين المتقدمين نلاحظ ما يلي:

    1. تأكيد موضع المسجد من قبل الإمام (عليه اليلام) وفي الحديث الثاني كونه يقع في بستان وهو كذلك، فموقع المسجد القريب من نهر الفرات يعد موقعاً زراعياً تكثر فيه البساتين، وللعهد القريب منّا كانت تحوطه البساتين إلا أن الزحف البشري أحاط بالموقع فأصبح عبارة عن شريط سكاني يتكون من بيوت ومحلات ومساجد صغيرة، وقد تحول اليوم في بعض أجزائه إلى كورنيش تكثر فيه الاستراحات والمطاعم.

    2. يبيّن الإمام (عليه السلام) عن إخباره بالمغيبات فالإمام (عليه السلام) يؤكد ظهور عين ماء تنظف المنطقة المحيطة بالمسجد ولعل الأيام المقبلة كفيلة بتحقيق هذا الحدث.

    3. في الحديث الأول نلاحظ كلمة السبخة والمراد من السبخة، والظاهر والله العالم أن جزءاً من المنطقة المطلة على الفرات كانت أرضاً سبخة لا تنبت فيها الزروع عدا بعض الأشجار لأنها أرض مالحة، شديدة الملوحة لذا سميت بالسبخة، وهذا لا يتعارض مع الحديث المتقدم حيث يقول الإمام (عليه السلام) إن موضع المسجد في بستان فقد يكون بستاناً فيه أشجار وليس به ما يُزرع.

             وقد يفسّر ذلك إعطاء هذه الأرض لغير العرب وبهذا الموقع المهم على نهر الفرات لأنها أرض لا يستفاد منها، كما شهدت السبخة أحداثاً كثيرة في العهد الأموي خصوصاً منها حادثة استشهاد عبد الله بن عفيف الأزدي و حادثة ظهور زيد بن علي (عليه السلام) واستشهاده وغيرها من الحوادث.

    4. أما بخصوص كون المسجد موضع قبر النبي يونس (عليه السلام) فسنبين ذلك بمحله إن شاء الله.

منارة مسجد الحمراء التي أزيلت في الثمانينيات من القرن المنصرم

 

  علاقة النبي يونس (عليه السلام) مع مسجد الحمراء:

            لقد كثر كلام المؤرخين حول علاقة النبي يونس (عليه السلام) بمسجد الحمراء فمنهم من يذهب لكونه مرقده ومنهم من يؤكد مروره فيه وصلاته به قبل أن يؤسس، حيث أسس العجم (الحمراء) مسجدهم على أساس وجود مسجد النبي يونس(عليه السلام) مما أضاف ذلك مزية هامة لمسجدهم.وقبل هذا وذاك لنبين شيئاً يسيراً من سيرة النبي يونس(عليه السلام).

             فهو يونس بن مَتّى من ولد بنيامين بن يعقوب كان يسكن بفلسطين موطن آبائه وأجداده، وكان قبل نبوته من عُبّاد بني إسرائيل والظاهر أنه (عليه السلام) تعرض لكثير من المخاطر لتدينه وورعه وتقواه فهرب بدينه ـ كما تقول الرواية ـ(5) فنزل شاطئ دجلة فبعثه الله نبياً إلى أهل نينوى من أرض الموصل.

            وقد أكد هذا القول النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في خبر عداس حيث جلس النبي (صلى الله عليه وآله) يستريح في ظل شجرة بالطائف بعد أن كذبه أهلها ورموه بالحجارة والحصى فأقبل غلام نصراني كان مملوكاً لعتبة وشيبة يقال له عداس، وبيده طبق فيه عنب فلما همّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بالأكل قال (صلى الله عليه وآله): بسم الله، فتعجب عداس وقال: إن أهل هذه البلدة لا يقولون هذه الكلمة، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فمن أي البلاد أنت، وما دينك، فقال: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال (صلى الله عليه وآله): أمن قرية الرجل الصالح يونس بن مَتّى قال: وما يدريك من يونس بن مَتّى فقال (صلى الله عليه وآله): كان نبياً وأنا نبي فأكب عداس يقبّل يديه ورجليه ورأسه…)(6).

               ولما دعا يونس قومه ـ أهل نينوى ـ للدخول إلى دينه أبطؤوا عليه ولم يؤمن به سوى اثنين هما روبيل وتنوخا بعد أن قضى ثلاثة وثلاثين عاماً بينهم، فدعا عليهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، وخرج عنهم فرأى قومه دخاناً ومقدمات العذاب فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله وردوا المظالم حتى ردوا حجارة مغصوبة كانوا بنوا بها، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه ولم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب.

مرقد النبي يونس(عليه السلام) في منطقة تل توبة في الموصل


            أما يونس فقد خرج من قومه بصحبة واحد من صاحبيه اللذين آمنا به فجاء إلى منطقة يقال لها (آيلة)، وهي مدينة على ساحل بحر القلزم ـ البحر الأحمرـ مما يلي الشام(7) فركب السفينة فلم تجرِ، فقال أهلها: فيكم آبق أي هارب من قومه فاقترعوا على رمي الآبق في البحر فوقعت القرعة على يونس فرموا به فالتقمه الحوت، وعلى رواية إنه رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، فنادى فيها ( أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) ولسنا بصدد عرض سيرة النبي يونس (عليه السلام) بقدر ما يتعلق الأمر بتعليل وجود مقامه أو مرقده في الكوفة وإلا فكتب التفاسير وقصص الأنبياء مملوءة بذكره(عليه السلام).

 

             من خلال مسيرة يونس منذ خروجه من دار رسالته (الموصل) وحتى وروده البحر الأحمر نجد ما يلي:

    1. أن يونس(عليه السلام) كان قاصداً أن يعود لأهله في فلسطين وعن طريق البحر بعد أن يئس من قومه.

    2. مرور يونس(عليه السلام) على هذا المكان ـ أي المقام الموجود اليوم على شط الكوفة ـ وإقامته فيه.

    3. والظن الأكبر أن يونس(عليه السلام) توجه من الكوفة إلى البيت الحرام حيث ينقل الحديث: (مر يونس(عليه السلام) بصفائح الروحاء وهو يقول لبيك كشاف الكرب العظام لبيك)(8) وهذا المقطع هو جزء من التلبية التي يؤديها الحاج عادة عند وروده مكة المكرمة.

مدخل مشهد النبي يونس(عليه السلام) في الكوفة وتبدو فيها القبة

             بقي يونس (عليه السلام) في جوف الحوت ثلاثة أيام على رواية وسبعة أيام على رواية أخرى يُسبّحُ الله ويطلب منه جل وعلا المغفرة، فجال به الحوت البحار السبع حيث التقمه وكما قلنا من البحر الأحمر (كان قديماً يُدعى ببحر القلزم) ثم إلى البحر الأبيض المتوسط ـ بحر مصر ـ ثم بحر طبرستان ـ البحر الأسود ـ وما تبعه من بحار حتى ألقاه على ساحل دجلة الغوراء، ودجلة الغوراء دجلة البصرة حيث الخليج العربي(9).

            عاد يونس إلى قومه وبقي فيهم إلى أن وافته المنية فدفن في الموصل، ويقال للمنطقة التي تحوي جثمانه تل توبة وهي معروفة ليومنا هذا، ومن يؤيد كون مدفن النبي يونس(عليه السلام) في الموصل الشيخ حسين النوري حيث يقول: (وفي مقابل الموصل في شرقي دجلة مدينة نينوى، كانت قديماً من أعظم المدن، أرسل الله أهلها يونس بن متّى(عليه السلام) وفيها قبره وله قبة عالية وبناء مشيد تشرفت بزيارته سنة 1280هـ. أما القبر الذي يقع قرب مسجد الكوفة فما عثرت لصحته على مأخذ يعتمد عليه والله العالم)(10).

مرقد النبي يونس(عليه السلام) في قرية حلحول (بالقرب من الخليل في فلسطين)

           والبعض يرى هذا الموقع مقامه وليس قبره، حيث ارتحل النبي يونس(عليه السلام) آخر عمره إلى بلاده فلسطين فمات هناك ودفن في قرية يقال لها (حلحول) يقول ابن العربي: (قصدت قبره مراراً لا أحصيها بقرية جلجون (حلحول) في مسيري من المسجد الأقصى إلى قبر الخليل وبت به وتقربت إلى الله بمحبته ودرسنا كثيراً من العلم عنده)(11) وإن صح قول ابن العربي فيكون المزار في الموصل مقامه أيضاً لا مرقده والله أعلم.

           إذن فالمزار المتحد مع مسجد الحمراء ليس قبراً لنبي الله يونس(عليه السلام) وإنما هو مقامه وقد أكد ذلك من كتب عن تاريخ الكوفة ومنهم السيد حسون البراقي حيث قال: (ومسجد الحمراء، وهو مسجد يونس بن متّى(عليه السلام) وليس هو قبره(12).

            ويساند هذا القول الباحث الأستاذ كامل سلمان الجبوري حيث يقول: (هو مسجد النبي يونس بن متّى وليس بقبره، ثم يضيف: وهو مسجد أثري يعود تأسيسه وتاريخه إلى تأسيس الكوفة القديمة)(13).

             وللمزار أعماله التعبدية حيث نقل البراقي: (إذا وردت شريعة الكوفة فاغتسل وصل عند المسجد الذي بقرب القنطرة الجديدة من الجانب الشرقي، فإنه موضع شريف روي إن أمير المؤمنين(عليه السلام) صلّى فيه ثم توجه إلى زيارة يونس بن متّى، واقصد مشهده وقف على الباب واستأذن عليه وقل…، قال البراقي: لا يبعد أن يكون موضع القنطرة الجديدة من الجانب الشرقي هو الآن قريب من معبر الجسر المعروف بعبرة البازول، محاذٍ للبستان الراجع إلى آل السيد رضا الرفيعي، من سدنة الحرم العلوي وإلى القصر الذي بُني فيها)(14).

             والنص أعلاه أول من رواه الشيخ المفيد ، ثم السيد ابن طاووس ثم الشهيد صاحب كتاب المزار، معنى ذلك ان عمارة المسجد والمشهد (مقام النبي يونس (عليه السلام) تعود إلى عهد الشيخ المفيد 336هـ ــ413هـ، فهي من العمارات القديمة وقد تكون ماثلة للعيان قبل أيام الشيخ المفيد بزمن طويل، كما صرح ابن كثير في كتابه البداية والنهاية قائلاً: (في حوادث سنة 479هـ بنا الأمير جنفل قتلغ مدرسة على الحنفية بمشهد يونس بالكوفة)(15).

مراحل تطور بناء المسجد والمقام:

منظر عام لمسجد الحمراء ومشهد النبي يونس(عليه السلام) كما هو في التصاميم المعمارية

             قال الباحث الأستاذ محمد سعيد الطريحي: (والمسجد الحالي قائم على أنقاض بنائه القديم وكان مندثراً إلى عهد قريب إلا أنه كان واضح المعالم والحدود)(16)

           ولكن الباحث الأستاذ كامل سلمان الجبوري بيّن: (اندثر هذا المسجد وضاع أثره وغمرته المياه فلم يبق منه سوى بضع أحجار وصخور وسط جزرة في شاطئ الكوفة كما شوهدت في بدء تأسيس الكوفة الحديثة، ثم بدأ الناس يدفنون بعض المناطق من النهر ويشيدون عليها بيوتاً من القصب والسعف إلى أن شمله الطم عام 1314هـ فقام جماعة من جيرانه وصفوا عليه (جمّالي) من القصب و السعف والطين وفي عام 1312هـ انبرى المحسن المغفور له (آخنده علي) وشيد له غرفة من الآجر وصحن كبير على نفقته الخاصة ومن ذلك الوقت تسلم سدانة المسجد آل السيد إدريس الموسويون ولاتزال السدانة بأيديهم)(17).

              وقد زار المسيو لويس ما سنيون المكان فكتب في كتابه خطط الكوفة : (يمتد هذا الجامع على مساحة مستطيلة يبلغ طولها (35م) وعرضها (30م))(18).

            نعود للطريحي حيث يواصل كلامه فيقول: (ومحرابه الأصلي ما يزال تحت محرابه الحالي المشيد سنة 1312 إذ جدد بناء المسجد في هذه السنة وممن أرخ تجديد بناء المسجد الشاعر السيد جعفر الحلي بقوله:

     الحمد لله الذي من فضله              قد جددت آثار مسجد يونس

     يا طالب الأعمال قد أرخته           أحيا جميل مآثر القدماءِ

     بأجلّ تأسيس وخير بناءِ               (اعمل فهذا مسجد الحمراء)

 

           والتاريخ يشير إلى سنة 1315هـ، لا إلى سنة 1312هـ. ونقش هذا التاريخ على القاشاني المثبت في أعلى باب المسجد الشمالية الوحيدة، وعند تجديد المسجد أدخل المسجد الأصلي بحدوده البناء الجديد وجعل لبابه القديمة رسماً تحت درج سطح المسجد الذي يتاخم سور المسجد المشرف على الفرات ثم أضيف إليه مما يلي الشرق مقداراً واسعاً كان بركة ماء فألقي فيها التراب وطم الأرض الجديدة وصار مأوى للزائرين والمسافرين في السفن إبّان ذلك القرن حيث شهدت الكوفة الحديثة نشاطاً تجارياً منقطع النظير جعلها من أهم مراكز التجارة في الفرات الأوسط.

            وفي سنة 1342هـ شيدت للمسجد منارة اسطوانية يرقى إليها بسلمين حلزونيين، الأول من قاعدتها إلى سلتها والثاني من السلة إلى مقدمها، والسلة محاطة بمقرنصات جميلة الهيئة وزينت القاعدة والوسط بنقوش على القاشاني الملون، وقد بناها المعمار جواد البغدادي الكردي (نزيل الكوفة آنذاك) مع جمع من العمال المحليين من أهل الكوفة، والمتبرع بنفقات بنائها الحاج عبد الكريم الديوان احد تجار البصرة.

               حدثني بعض من اشتغل ببنائها أن عبد الكريم الديوان بات ليلة في بيت بجوار الفرات ولم يسمع أذان الفجر حيث لا توجد منارة بمسجد النبي يونس(عليه السلام)، وعند الصباح أمر ببناء المنارة وأنفق على عمارتها من ماله.

              وأرّخ الانتهاء منها الشاعر الحاج مجيد الحلي بأبيات شعر كتبت على القاشاني المثبت على الطرف الغربي من المنارة، والأبيات هي:

     رفعوا للأذان في مسجد الحمرا              ذاك عبــد الكــريم منــه بنـــاء

     حبــــذا للصــــــلاة داعٍ فمـــنه              وعليـــه النــــداء إن أرّخـــوا:

     منـاراً على الســها يســتطيــل               فتســـامى لــه مقـــــام جليــل

     لأداء الفـروع قامــت أصــول               (فالنــداء التكبيــر والتهليـــل)

                                              1342هـ

               

              اللقاء مع سادن المسجد والمشهد السيد ناهض عبد الرزاق العوادي:

  حدثنا السيد قائلاً:

             أنا السيد ناهض بن السيد عبد الرزاق بن السيد كاظم بن السيد جودة بن السيد إدريس بن السيد محمد بن السيد صياد العوادي، كان جدي السيد إدريس رئيساً لبلدية الكوفة إبّان أواخر حكم الدولة العثمانية عام 1910 ثم أصبح سادناً لمسجد الحمراء ومشهد النبي يونس بعد أن كانت سدانته بيد امرأة كبيرة في السن، فلما توفيت تولى جدي المذكور زمام السدانة ولما توفي سنة 1917 أصبح ولده السيد جودة سادناً، ثم خلفه جدي السيد كاظم، ثم أصبحت السدانة دورية في ذرية السيد إدريس وكنت سادنًا.

            تولى هذه المهمة علماً أن هذا الجامع كان له دور في التهيئة لثورة 1920 الثورة العراقية الكبرى على عهد السيد جودة.

 

السيد إدريس العوادي أول سادن لمسجد الحمراء ومشهد النبي يونس(عليه السلام

            كان المرقد سابقاً وكما حدثنا أجدادنا بناية صغيرة عائمة على جزرة وسطية في نهر الفرات إذ كان النهر أوسع عرضاً من اليوم وأعمق، وربما كان أكثر اتساعاً من الآن، وهذا ما يؤيد فكرة إلقاء الحوت للنبي يونس على ضفاف نهر الفرات بالكوفة، لأن النهر كان واسعاً جداً ومن الممكن أن تلج في مساره الحيتان الضخمة رغم عدم وجود مصادر تاريخية قديمة تؤيد فكرة إلقاء الحوت ليونس(عليه السلام) في هذا المكان ورغم تتبعنا الشديد اللهم إلا ما ذكرته بعض المصادر المتأخرة التي بنت كلامها دون أساس تاريخي يمكن الاعتماد عليه، وغاية الأمر مراسيل شفوية من هذا وذاك.

    ويستمر السيد ناهض بالحديث قائلاً:

               كان بيت جدي ملاصقا للمسجد والمشهد، وكان عبارة عن بيتين أحدهما كان وقفاً للإمام الحسين(عليه السلام)، تبلغ مساحته حوالي (50) مترًا مربعًا عائد للعلوية نشمية بنت السيد محمود العوادي زوجة السيد إدريس، وهنا تداخل معنا في الحديث السيد صاحب العوادي قائلاً:

             (كانت جدتنا التي عمرت فوق المائة تصر على وجود قبر عبد الله بن عفيف الأزدي الذي وقف بوجه عبيد الله بن زياد واستشهد إثر مواجهته مع أزلام عبيد الله في هذا المكان) ويساندها في الرأي السيد حسون البراقي، حيث يقول: (وأما عبد الله بن عفيف الأزدي فإنه دفن بالسبخة وقبره قريب من مقام يونس(عليه السلام))(19) ويشير لذلك أيضاً حرز الدين فيقول: (قبره بالكوفة في السبخة حيث كانت داره فيها وليس لقبره أثر)(20)

             أما الدار الثانية فتبلغ مساحتها حوالي (450) مترًا مربعًا فهي سكن الأسرة وقد اشتراها السيد الخوئي لكي يضمها إلى المسجد والمشهد فوهبنا أيضا دار الوقف لتدخل ضمن المسجد.

        ويتابع السيد ناهض الحديث:

            (كان الشارع الحالي الذي يطل عليه المقام ذا ممر واحد بحيث تمر خلاله سيارة واحدة، ولما أصبحت الحاجة ملحة لتوسيعه وإضافة ممر آخر تم تهديم جزء من المقام وإدخاله ضمن الشارع، وكان الجزء المهدم عبارة عن أواوين محكمة البناء تم بناؤها بطريقة هندسية رائعة تضفي عليه روعة العمارة الإسلامية وكانت هذه الأواوين مأهولة بمن ليس له مأوى أو من انقطع به السبيل، كما كان بعضها مبيتاً لمن يأتي لزيارة مسجد الكوفة أو الإمام علي (عليه السلام) في النجف عن طريق النهر حيث يصل عادة هؤلاء في الليل فينزلون هذه الأواوين لقضاء ليلتهم ولراحتهم ليواصلوا المسير صباحاً،

          ولست أنسى شخصًا يدعى العم ياسين، فقد عمّر طويلاً وكان قد جاء إلى الكوفة ونزل في المقام وظل إلى أن بلغ المائة ومن ثم توفي (رحمه الله) وغيره ممن لا نعرف لهم بلدًا أو أسرة نزلوا في هذه الأواوين إلى أن توفوا.

           بحكم عملي كسادن في المسجد والمشهد كنت أرى كثيراً من الزوار يأتون من أصقاع مختلفة لزيارة هذا المكان، وكان الكثير من العلماء وبحكم وجود بيوت لهم تطل على نهر الفرات يأتون المسجد، فهو مقام الإمام علي(عليه السلام) وموضع بيت مال المسلمين في زمانه، حيث كان خازن البيت حينها علي بن أبي رافع إضافة لقدسية هذا المسجد، وهنا أيضا وضّح السيد صاحب العوادي قائلاً:

          (أدركت السيد أبا الحسن الموسوي يأتي ويصلي في هذا المسجد، وكنا نأتي نقبل يديه الشريفتين فيناولنا من تحت السجادة فلسين ، وكثيراً ما كان شيخ المؤرخين أغا بزرك الطهراني يأتي المسجد فيؤم الناس في صلاة الجماعة، ولا أنسى أنه قد كانت هناك مروحة كبيرة تسحب باليد يقف شخصان يدفعا بها للترويح عن الشيخ أثناء أداء صلاته في أيام الصيف).

        يتابع السيد ناهض الحديث فيقول:

            (كان المسجد والمقام يدخلان في حملة ترميم بين الحين والآخر، ومنذ أربعينيات القرن الماضي، وفي الثمانينيات من القرن المنصرم تَبَنّى السيد الخوئي مشروع تعمير المسجد والمشهد معاً مع إضافة سكن لطلبة الحوزة الدينية في الأعلى وبناء مدرسة للعلوم الحوزوية تحت تلك المساكن، وقد رصد مبلغاً من المال يقدّر بـ(50 مليون دينار) حينها، وقد زارنا المرحوم السيد محمد تقي الخوئي بصحبة الوجيه الحاج معين جدي للتعرف على آليات بدء العمل وقد اصطحب الخرائط الهندسية التي أعدها المهندس فاضل عجينة مبيناً لنا عن أهمية المشروع، وبعد الاتفاق تم بيع بيت أسرتنا لهم وتنازلنا عن بيت الوقف كما ذكرت لكم آنفاً،

            فشرع العمل وبدأ بتهيئة الموقع وردم البناء في العقارات المستملكة و هكذا استمر العمل ضمن آلية بطيئة لحين نهاية الثمانينيات وفجأة توقف كلياً ولما استفسرنا عرفنا أن الحكومة وقّفت العمل بالمشروع وذلك بعد أن علمت أن العمل يتضمن بناء مدرسة دينية ومساكن للطلبة، إضافة لتجديد البناء القائم، فبقي الوضع على ما هو عليه عدا هدم المنارة الأثرية وكان ذلك بتاريخ 4/3/1989 إلى أن توفي السيد الخوئي بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1993 وبقي المسجد والمشهد في حالة من عدم التشييد.

           بعد سقوط النظام البعثي باشر السيد صاحب العوادي بوضع شباك في مشهد النبي يونس حيث كانت تقصده الناس بالرغم من عدم جاهزيته لاستقبال أعداد كبيرة منهم، ولما بدأ الوقف الشيعي أعماله تم تهديم البناء كلياً وإزالة الشباك مع ما به من وثائق ودخل ضمن خطة التعمير مرة أخرى ومازال العمل جارياً لحد الآن.

           بعد سقوط النظام البعثي البائد عام 2003 بدأت حملة إعمار مكثفة للمقام والمسجد من قبل هيئة الأعمار في المحافظة وكانت الخرائط القديمة معتمدة أصلاً فتم إكمال إزالة البناء القديم كلياً ثم القيام بأعمال الأسس، وكانت الفكرة تنصب على بناء مقام النبي يونس منفرداً لوحده وفي خلفه مسجد الحمراء، فكان العمل يمثل المرحلة الأولى من التشييد ثم أصبح العمل بعهدة مديرية الوقف الشيعي،

      وقد حدثنا المهندس المنفذ حيدر صباح الخفاجي مشكوراً عن مراحل التشييد قائلاً:

          (كُلفت بمتابعة أعمال مشروع تشييد مسجد الحمراء ومقام النبي يونس عام 2007 معتمدين على الخرائط المصممة من قبل مركز العمارة العراقية الذي يديره المهندس المعماري القدير مجيد صاحب علاوي، وهي تصاميم حديثة تجمع طابع العمارة الإسلامية مع تداخل فني هندسي عصري سيضفي جمالية أكثر على المنشأ.

 مشهد النبي يونس(عليه السلام) في مرحلة الإنشاء وتبدو القبة والمنارتان في جانبيها

        تبلغ المساحة الإجمالية للمنشأ حوالي 2931 مترًا مربعًا وتتوزع على أربعة مرافق رئيسية: المسجد والمقام ومكتبة الرجال ومكتبة النساء إضافة إلى الخدمات الصحية وغرفة الإدارة وغرفة الخدمات. يطل مقام النبي يونس على الشارع حيث تنتصب قبته الشامخة بارتفاع (5.55م) وبقطر(6.65م)، وعلى جانبي المقام تطل بارتفاع (27.5م) منارتان، وفي قمة كل منارة أربع ساعات لأربع جهات.

         تبلغ مساحة المقام حوالي (119) مترًا مربعًا وهي دائرية الشكل ويمكن الدخول للمقام من تحت المنارتين حيث تمثل إحداهما المدخل بالنسبة للرجال، أما الأخرى فتمثل المدخل للنساء. يفصل بين المقام والمسجد باحة مفتوحة توصل القادم بالباب الرئيسي للمسجد الذي يتقدمه سقف ربع دائري، والمسجد ينقسم إلى قسمين، احدهما للرجال بمساحة تبلغ حوالي (532) مترًا مربعًا أما قسم النساء فتبلغ مساحته حوالي (177) متر مربع، تطوّق أعلى محيط جدار المسجد آيات قرآنية ثلاثية المستويات وقد قام بخطها الخطاط المشهور الأستاذ جاسم النجفي، حيث تكتب بالمستوى الأول آيات من الذكر الحكيم بخط معين ثم المستوى المركزي الأوسط تكتب آيات وبخط مغاير للأول وفي المستوى الأسفل أيضاً تكتب آيات وبخط يختلف عن الخطين السابقين وهي أول محاولة لعمل آيات بهذا الشكل في مساجد العراق.

            ترتفع منارة قبة المسجد لتصل إلى ارتفاع يبلغ (6.5م) وبقطر يبلغ حوالي (10.6م)، أما السقف الداخلي للمسجد فسيكون مغلّفًا بالكاشي الكربلائي ولأول مرة ستكون الزخارف بارزة مجسمة بأبعادها الثلاثة.

            تحيط بالقبة المركزية قباب ثمانية، قطر الواحدة منها (3.5م) تتوزع بصوره دائرية تضفي على السقف جمالية رائعة، حيث تتداخل المستويات والأبعاد لتعطي شكلًا مميزاً كما تم تغليف المسجد بالحجر وهي أول مرة يتم فيها تغليف مسجد بالحجر.
تلحق بالمسجد مكتبتان إحداهما للرجال تبلغ مساحتها حوالي (112) متر مربع وأخرى للنساء تبلغ مساحتها حوالي (35) مترًا مربعًا وقد أخذنا بنظر الاعتبار حاجة طلبتنا لمثل هذه المكتبات، خصوصاً أيام الامتحانات.

         ودعنا المسجد والمقام وحملة الإعمار قائمة على قدم وساق، وأملنا أن نراهما في القريب العاجل وهما يكتظان بالزائرين الذين يتوافدون إلى هذه البقاع المباركة للتقرب إلى الله تعالى.

—————————————————————-

المصادر:
(1) الجبوري، تاريخ الكوفة الحديث، 1/403.
(2) العلي، الكوفة وأهلها في صدر الإسلام، 431.
(3) المشهدي، فضل الكوفة ومساجدها، ص17.
(4) مختصر كتاب البلدان، ص173.
(5) إبن الجوزي، المنتظم، ص388.
(6) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 14/96.
(7) الحموي، معجم البلدان، 1/292.
(8) المجلسي، بحار الأنوار، 14/386.
(9)المصدر السابق، 13/253.
(10) النوري، نفس الرحمن في فضائل سلمان، ص85.
(11) أحكام القرآن، 4/35.
(12) البراقي، تاريخ الكوفة، ص75.
(13) تاريخ الكوفة الحديث، 1/108.
(14) تاريخ الكوفة، ص75.
(15) 12/162.
(16) العتبات المقدسة في الكوفة، ص140.
(17) تاريخ الكوفة الحديث، 1/108.
(18) ص122.
(19) تاريخ الكوفة، ص 102.
(20) مراقد المعارف، 2/13.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.