Take a fresh look at your lifestyle.

ملامح من البعد الاقتصادي في عهد مالك الأشتر

0 416

          كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) المؤسس الأول للدولة الإسلامية وأضع قواعدها في مختلف المجالات التي يحتاجها المجتمع، وكان النبي(صلى الله عليه وآله) بوجوده بين الناس يعزز من تشريع وصياغة وتطبيق النظريات الإسلامية بأبعادها المختلفة لكونه مبعوثًا من الله تعالى وكان بدوره (صلى الله عليه وآله)

            قد أوصى بهذا الدور القيادي إلى الإمام علي(عليه السلام) المختار لهذا التنصيب الإلهي بمقتضى حديث الغدير وغيره من الشواهد والنصوص، فكان الإمام(عليه السلام) هو الحاكم ومسؤول الدولة آنذاك وهو خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله) فهو يمثل مدرسة متكاملة من الناحية الفقهية وغيرها من كل ما يسير عجلة الحياة والحكم،

            لأن قضية الحاكمية إضافة إلى كونها استحقاقًا إلهيًا فهي مسؤولية نابعة من قدرة واكتفاء ذاتية للحاكم وكفاءة لشخصه حتى يستطيع إيجاد الحلول والتطبيق الذي لعله يخضع لظروف معينة تختلف من وقت لآخر. وهذه القدرة والكفاءة هي التي جعلت له مدرسة فقهية وسياسية واجتماعية وحتى اقتصادية نابعة من الكتاب والسنة وكانت موضوعًا لإفادة المفكرين عبر التاريخ وإلى ذلك يشير مصنف مناهج الباحثين في الاقتصاد الإسلامي بقوله:

          (يمثل الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) مدرسة فقهية مستقلة قامت بنقلها بعد ذلك أغلب المدارس الفقهية،

 وقال أيضًا:

        وفقه الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مجالات الحياة، وخطابه للأشتر النخعي حاكم مصر دليل على ذلك، وكذلك خطاباته الأخرى الموجهة إلى الولاة والحكام، وعلي أقضى الناس، والصحابة يشهدون بهذا، ذلك لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ضرب بصدره ذات مرة ودعا له، وكان عمر يتعوذ من قضية ولا أبا الحسن لها، ومشاهده معروفة في القضاء ومشهودة، والمطالع لما كتب العلماء ضمن مؤلفاتهم عن قضاء الإمام علي(عليه السلام) يعرف قيمة فقهه وفهمه)(1).

          ومن هنا يتضح أهمية ما صاغه أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكونه (أقضى) يعني هو أعلم الناس في مختلف العلوم لأن القضاء يستلزم الاطلاع أو المعرفة في بقية العلوم والمعارف المختلفة، وهو كاشف عن قدرة وكفاءة منقطعة النظر من بقية الصحابة، هذه القدرة هي التي أسبغت القيمة لما صدر عنه(عليه السلام) وكان موضعًا للاقتداء.

            وأيضًا بهذا الصدد يقول صاحب المناهج: (إذن فقه الإمام علي(عليه السلام) فقه له أهميته كيف وقد قام ولاة الأمر في عهده بتنفيذ وصاياه في جميع المجالات واستفاد منه الفقه المذهبي بعد ذلك وتأثر به.. أثرًا كبيرًا في المذاهب بصفة عامة ولاسيما فيما يتعلق بالقضاء)(2).

            وأما بالنسبة لعهده(عليه السلام) الذي كتبه لمالك الأشتر عندما كان عاملاً على مصر فهو يحتوي على قواعد وأصول في الحكم وغيره ونحن نقتبس منه بعض المعالم الاقتصادية التي أبرزها الإمام(عليه السلام).

  عهد مالك الأشتر:

           كتب (عليه السلام) كورقة عمل وزود بها صاحبه الجليل مالك الأشتر، وهو مروي في نهج البلاغة(3) رقم (53) من رسائل الإمام علي (عليه السلام) وتعرضت له كتب الأسانيد والرجال، وذكره الشيخ الطوسي في فهرسه ص62.

           واكتسب هذا العهد أهمية كبرى عبر عمر الإسلام المبارك وحظي باهتمام المسلمين ومصلحي الأمة والمفادين بالعدالة والإنسانية، فهو يرسم الخط المستقيم للحكام وولاة الأمور ويشخص أهم المشاكل، ويتحسس برفق مواطن الألم في أوساط المجتمع ويصف لها الدواء الناجح والحل الصائب فهو (كتاب تضمن نصائح غالية ودستورًا ماليًا واقتصاديًا وإداريًا واجتماعيًا..)(4).

            وأما مالك فهو ابن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي كان من فرسان العراق وزعمائها، شخصية نادرة في التاريخ الإسلامي ومن الأبطال البارزين، جمع الفصاحة والشجاعة، وهو من شيعة علي المخلصين، شهد وقعة اليرموك وشترت عينه، أي استرخى جفنها، وقيل: شترت في حروب الردة، سكن الكوفة،

           ولد قبل الإسلام بقليل وتوفي سنة (39هـ) في محاولة اغتيال دسها معاوية وبوفاته قام معاوية خطيبًا: (أما بعد فإنه كان لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين ـ يعني عمار بن ياسر ـ وقطعت الأخرى ـ يعني الأشتر ـ)(5).

    ورد في أول هذا العهد:

            (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به عبد الله عليٌ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولّاه مصر. جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها)(6).

             في هذا المقطع يبين أمير المؤمنين(عليه السلام) وظائف الحاكم الإسلامي وأهم ما يدور عليها رحى الحكم بالإسلام فمن المعلوم أن الحكم وسيلة لتحقيق حكم الله عزّ وجل ونشر العدالة الاجتماعية عبر نظام يرعى جميع الطبقات وينظم الحياة للدولة ويحل جميع مشاكلها، وما ورد هنا هو تأكيد على أمور مهمة يجب أن تكون نصب عين الحاكم عند التسليم مقاليد السلطة وهي:

    جباية الخراج والحقوق المالية التي عينها الله تعالى.

    جهاد الأعداء والعمل على حماية الأمة وتأمين البلاد.

   3ـ تربية الأمة وإصلاحها على مختلف الأصعدة.

   4ـ تعمير البلاد وتنمية الثروات وتوفير العيش الكريم للناس(7).

 

           وعند النظر في هذه الأمور نجد أنها أركان مهمة يقوم عليها وضع البلد وانتعاش أموره الاقتصادية ومن ثم استقلاله سياسياً وقيامه بدون تبعية لأي ضغط خارجي كما نشاهده الآن في العصر الحاضر، وهذه المذكورات تمثل أركان تنمية وأدوات لنمو الحياة في المجتمع، فزيادة دخل الدولة من الخراج وغيره له الأثر في التنمية الاقتصادية وعمارة البلد :

            وأيضًا إن دخل الدولة وبيت المال له دور في تقويم التكافل والتوازن الاجتماعي عند عدم كفاية مساندة أفراد المجتمع لبعضهم البعض الآخر(8)، والمعنى الأصلي للاستصلاح هو عمارة الأرض وحسن استثمارها، فالأرض مصدر الخيرات وحسن الاستغلال لها والتشجيع على الإفادة مما أودع الله تعالى فيها من موارد باعتبارها من أهم مصادر الثروة الطبيعية، هو مما يعود بالنفع العام على الحكم والحاكمين(9)،

            أما جهاد العدو فهو يحتاج إلى العدة والعدد فيقود الوضع المالي لبلد معين يتمكن من زمام أموره وتطوره حضاريًا لأن القوة والاستعداد والتمكين يجعل البلد حصنًا منيعًا وفيه خيرات وأمن واستقرار. وللحديث عن الرعية وطبقات الناس والجيش ورد في مقطع آخر من العهد الشريف قوله(عليه السلام):

           (واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل..، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة..)(10)،

           وقد تحدث الإمام (عليه السلام) حول هذه الطبقات،

   فطبقة الجنود وهم الجيش أو القوات المسلحة التي هي حصن البلاد ووسيلة من وسائل تدعيم الأمن.

          ونحن نعلم أن الانتعاش الاقتصادي لا يكون في بلد مضطرب أمنياً لأن رؤوس الأموال لا استقرار لها وبالتالي لا فرص للاستثمار في هذا البلد، وكذا وجود الأمن يعني سيادة القانون وبالتالي إشباع حاجات الناس ورغباتهم بالعدل والإنصاف لا بسيطرة الغلبة والقوة والتناحر كما يحدث في العصر الحالي أحيانًا من حروب أهلية تشرد المئات من أهالي البلاد، والنزوح خارجها مما قد يسبب مجاعة وتدهورًا اقتصاديًا واجتماعيًا،

            فلذا قال الإمام(عليه السلام)بحقهم: (فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسيل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم)(11)

           إذن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والحضاري وعدم تفشي الاستغلال بين الناس والاختلاف ومحق الثروات لا يكون إلا بوجود الأمن وسيادة القوانين، أي وجود السلطة، ولعل ما نقلناه قبل قليل من أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض هو إشارة منه(عليه السلام) إلى تداخل لبنات المجتمع بل إن قيام المجتمع والناس فلا يكون نظام حاكم إلا من خلال تلك الوسائل التي عدها الأمير(عليه السلام).

           وورد في موسوعة الاقتصاد الإسلامي (ص87) يرى ابن خلدون أن استقرار الأمور في الدولة وانتشار العدل والأمن له أثر كبير في الإنتاج فكما تواتر ذلك للدولة ساعد على تقدم الانتاج وتطوره لما يكلفه من الحماية فيعم الاطمئنان إلى جني ثمار العمل ومن ثم يقوى إلى الانتاج وزيادته كمًا وكيفًا.

           وقوله(عليه السلام): (ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس).

        ومن تلك الطبقات التي ذكرت أيضًا هم أهل الجزية، والجزية هي نسبة مالية يدفعها الكتابيون للدولة الإسلامية والمشاركة في ميزانيتها التي يعيشون في ظلها وتوفر الدولة الحماية الكاملة لهم واعتبروا شريحة اجتماعية يجب الاهتمام بهم وتوفير كافة حقوقهم، ولهم في عنق ولي الأمر من الحقوق والواجبات مثل ما عليهم،

          وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه مرّ بشيخ كبير مكفوف يسأل الناس فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني فقال(عليه السلام): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتوه أنفقوا عليه من بيت المال(12).

           وورد ذكر الخراج وجبايته في بداية العهد على أنه من مهمات الحاكم الإسلامي، والخراج هو ما تحصل عليه الدولة من واردات سواء من حصتها من استثمار الأرض العامة بيد المسلمين وغيرهم أو ما يشمل الضريبة والفي والجزية وغيره(13).

         ونظرة الإمام(عليه السلام) إلى هذا العنصر لمهمته في إصلاح طبقات المجتمع وهي نظرة مثالية اقتصادية تجعل الخراج سبب كل إصلاح تريده الحكومة، وهو أساس كل عمران وحضارة بالدنيا.

           ومن الطبقات المذكورة أيضًا طبقة التجار وأهل الصناعات فقال فيهم (عليه السلام): (استوصِ بالتجار وذوي الصناعات، وأوصِ بهم خيرًا..)(14)

          أي أصدر الأوامر والتعليمات لجميع المسؤولين ولعموم الأمة بالاهتمام بالتجار والصناع وتوفير الضمانات المشجعة لهم وسن التكريمات التي تغريهم وبقية المجتمع بالعمل وبمزيد من الجهد واستثمار الطاقات البشرية ورؤوس الأموال وضمها للخبرات التجارية والصناعية التي تؤدي لا محالة إلى رفاه المجتمع واستقراره(15).

         ولا يخفى أنّ تقدم الشعوب وتطورها ماديًا يقاس بمدى تطور صناعتها وآلياتها كما هو بالعصر الحاضر حيث نجد سيطرة الدول المتقدمة صناعيًا على الدول المتخلفة وأصبحت تابعًا للقوى العظمى نتيجة للتخلف الاقتصادي الذي ارتبط به القرار السياسي.

           وفي موضع آخر من العهد الشريف قال(عليه السلام): (فامنع من الاحتكار فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله) منع منه)(16).

            هنا إشارة إلى الاحتكار المحرم ومضرته للعامة من الأمة وهو إلفات نظر للحاكم لنظام مراقبة مالية، فبعد أن أوصى بالتجار وذوي الصناعات ألزم عامله مالك الأشتر بالضرب على أيدي الأفراد المستأثرين المحتكرين رحمة بالفقراء من عامة الأمة، وورد في المحلى لابن حزم في المسألة (1567) ج6 ص65: إن علي بن أبي طالب أحرق طعامًا احتكر بمائة ألف) فالإمام (عليه السلام) باعتباره مسؤول عن الدولة يمارس دور الرقابة بنفسه ويعاقب.

         وأيضًا ما ورد من نظام المراقبة ومهام الدولة في محاربة الجشع وتنظيم أمور المبيعات من خلال تنظيم الأسواق ومراقبة الموازين وحماية الناس من الفوضى والتجاوزات وذلك تحقيقًا لأمر الله تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) فقال(عليه السلام): (وليكن البيع بيعًا سمحًا بموازين عدل. وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف مكرةً بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف)(17).

            وفي هذا الكلام إشارة إلى العدالة في الثمن، أو مراعاة العدل في المبادلات والمعادلات، وأمير المؤمنين(عليه السلام) أو من سبق في بيان فكرة الثمن العادل في الإسلام التي تقوم على عدم الإجحاف بالبائع أو المشتري وإذا وجد فهو ثمنًا ظالمـًا ذا ثمين واضح فالأمير(عليه السلام) يطلب من عامله الأشتر تطبيق عدالة الإسلام والتنازل والتسامح في المعاملة حتى لا يحمل المسلم الحقد على أخيه المسلم ويسير المجتمع متضامنًا متعاونًا وتسير الحياة الاقتصادية بطريقة سليمة تؤدي إلى الرفاهية الحقة وتحقق الإخاء وتوفر المواد التي يحتاجها الناس(18).

            أما حديث الإمام (عليه السلام) عن طبقة الفقراء والمساكين فقال: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعًا ومعترًا.. واجعل لهم قسمًا من بيت مالك وقسمًا من غلات صوافي الإسلام في كل بلد..)(19) فيتضح منه موقف الإمام(عليه السلام) من التوزيع لمنجزات التنمية بأن يكون لهؤلاء القراء نصيب محدود من بيت المال يتكفل لهم به ولي الأمر(20).

           ما أثرته من نقاط مرت في عهده الشريف كانت تشمل الحاكم والرعية على السواء، مما يخص الحاكم قوله(عليه السلام) : (إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة)(21).

             فيتضح أن الحاكم والرعية سواسية ولا يتحقق هذا إلا بنزول الوالي بنفسه واختلاطه بهم فسياسة إعطاء كل ذي حق حقه وإضافة الجهد إلى صاحبه تستقيم الأمور ويتحقق الرضا الشعبي عن سياسة الوالي.

—————————————————————-

الهوامش:
(1) مناهج الباحثين، ج2 ص47ـ48.
(2) المصدر السابق، ج2 ص42.
(3) نهج البلاغة، ص589.
(4) مناهج الباحثين، ج2 ص67.
(5) انظر: الكامل في التاريخ، ج3 ص36.
(6) وأعيان الشيعة، ج9 ص41.
(7)انظر: علي (ع) ونظام الحكم في الإسلام، ص36.
(8) المصدر نفسه.
(9) نهج البلاغة.
(10) المصدر نفسه.
(11) انظر: الراعي والرعية، (ص74 وص124 وص204)، ووسائل الشيعة، ج15 ص66، كتاب الجهاد، الباب 19.
(12) علي ونظام الحكم، ص124.
(13) نهج البلاغة، ص5-6.
(14) علي ونظام الحكم، ص138.
(15) نهج البلاغة، ص6-6.
(16) المصدر نفسه.
(17) انظر: مناهج الباحثين.
(18) نهج البلاغة، 606-607.
(19) مناهج الباحثين، ج2 ص59.
(20) نهج البلاغة، ص616.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.