Take a fresh look at your lifestyle.

المنبر الحسيني

0 827

                       في لفظ المنبر واشتقاقه، يقول ابن منظور في اللسان: (النبر بالكلام: الهمز، وكل شيء رفع شيئاً فقد نبره، وكل مرتفع منتبر، والمِنبر، مرقاة الخاطب، سمي منبراً لارتفاعه وعلوه(1).

ويرى الدكتور حسين مؤنس: إن المنبر مفهوم يغلب أنه دخل لغة قريش من لهجة اليمن عن طريق الجماعة المسيحية في نجران، ومعاجم اللغة لا تطيل فيه .. وفيما عدا هذه الاستعمالات القليلة لـ(منبر) بمعنى الارتفاع لا نجد له ذكراً في اللغة، والغالب إن المنبر دخل باستعماله الديني كما هو، دون أن يكون اشتقاقاً من فعل (نبر) واللفظ غير قرآني على أي حال، فلا وجود له في الكتاب الكريم)(2).

لم أجد بين أصحاب المعاجم من يشير إلى هذا القول كالفيروز آبادي في القاموس المحيط، والرازي في مختار الصحاح، وصاحب المنجد الذي قال: المنبر جمعه منابر: محل يرتقيه الخطيب أو الواعظ ..سمي به لارتفاعه ولرفع الصوت عليه، وكسرت الميم على التشبيه بالآلة). أخذ لك من الفعل (نبر) ومشتقاته فذكر: إنتبر الخطيب أي ارتفع فوق المنبر.
وجاء في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: إن المستحسن من الخطيب أن يخطب قائماً على نشز من الأرض أو على راحلته(3).

وظاهر الأمر أن المنبر بشكله الحالي لم يكن موجوداً قبل الإسلام. وعندما بني مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان منبره أول الأمر مجرد ارتفاع في الأرض إلى جانب موضع المحراب.

قول البخاري في كتاب الصلاة: إنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يصلي على منبره وهذا لا يمكن إذا كان المنبر على شكله الحالي أو قريباً منه، ولابد أنه كان مساحة مرتفعة تكفي لإقامة الصلاة عليها ربما كانت بنيت من الآجر(4). ولا يخفى أنه لابد أن يكون محل صلاته الفرادى لا الجماعة لأنه لا تصح إمامة المرتفع عن محل المأمومين كما يذكره الفقهاء.
وأول منبر خشبي صنع للرسول(صلى الله عليه وآله) ذكره ابن الأثير، قال: إنَّ منبراً خشبياً صنع للرسول سنة (6أو 7أو …) ووضع في مسجده(5).

ويقول الحلبي في السيرة الحلبية: إنَّ الذي صنع المنبر الخشبي لمسجد الرسول كان قبطياً أو رومياً يسمى باخوم أو باقول، وإنه صنعه من درجتين ثم مقعد يجلس عليه الرسول(صلى الله عليه وآله).
وظلت المنابر على هذه الصورة حتى أيام معاوية، فصنع لنفسه منبراً خشبياً متنقلاً من ست درجات ومقعد.. وأول منبر خشبي كبير قريب الشبه بمنابر اليوم كان في مسجد قرطبة الجامع.

وفي مصر منبر كبير وضعه الحاكم الفاطمي سنة (405هـ) في جامع عمرو في الفسطاط، ثم أصبح لكل مدينة كبيرة مسجد جامع ذو منبر(6).

هذا تعريف موجز للمنبر في مراحل نشوئه وتطوّره. وهو من هذا الجانب جسدٌ بلا روح، وروحه تتمثل بما يلقى من فوق أعواده وخير مثال للمنبر الحي: منبر سيد البلغاء والمتكلمين أمير المؤمنين الإمام (علي بن أبي طالب(عليه السلام)) وذلك بما أفاضته خزائن علمه وصدق معتقده وفنون بلاغته وقوانين إدارته وأساليب حكمه في السلم وفي الحرب. إنها مفردات المنهاج الإلهي الذي جاء به الرسول الأعظم محمد(صلى الله عليه وآله) ونشرها بين الناس كافة (العدل والمساواة وحسن الخلق والدفاع عن كلمة التوحيد) وقد جسدها الوصي قولاً وعملاً وترك لنا من ثمار منبره أروع الخطب، حفظ بعضها المؤرخون وأرباب السِّيرْ وجمع السيد الشريف الرضي قسماً منها وأودعها كتاب (نهج البلاغة)..

لقد كان المنبر ولا يزال من وسائل الإعلام المؤثرة، وله دور فعّال قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة. ومهما تعددت أشكاله وأحجامه وما يدخل عليه من فنون الصنعة والتزويق، يبقى كما قال ابن منظور في اللسان: مرقاة الخاطب، يتسلقه المفوّهون ليوصلوا ما في خواطرهم من أفكار وعقائد وتوجيه وتـثوير لجمع الناس. والعرب خير من أنجب لهذا الفن الأصيل من الخطباء المصقعين، فهم أصحاب بلاغة وفصاحة واقتدار عال في التصرف باللغة وتطويعها لمقتضى الحال. قال الجاحظ: (كل شيء للعرب فإنما هي بديهةٌ وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا استعانة). وكان خطيبهم كما يصفه المراقبون ـ رابط الجأش، ثابت الجنان، ساكن الجوارح، جميل الصوت، شديد العارضة حاضر البديهة، ظاهر الحجة، حسن السمعة والمظهر، حلو الإيقاع، سليم المنطق، مؤمناً بما يقول.

وإذا صدق ظني فإن نسبة المنبر لم تحصل إلا في صدر الإسلام، فقيل: منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومنبر أمير المؤمنين علي(عليه السلام).
وانفرد الشيعة بتسمية المنبر الحسيني أو منبر العزاء الحسيني الذي بدأ منذ عهد الأئمة الأطهار(عليهم السلام) بعد فاجعة كربلاء.
فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) أنه قال لفضيل الصيرفي عندما جلس عزاءً للحسين(عليه السلام): (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا)(7) وكان ذلك بالتواصل والإصرار على إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) لإدامة إشعاع الفكر الرسالي لأئمة أهل البيت على مدار الزمن.

إنَّ المنبر الحسيني مدرسة، ووسيلة فاعلة في مجال الإرشاد والإعلام يرتقيه ـ أحياناً ـ خطيب تنقصه الخبرة، وتأخذه الرواية الملفّقة والخبر الموضوع، وينسى أنه مسئول عما يروي، وإن فعله هذا يعود عليه بالمردود السلبي إذا لم ينعكس سلباً على المنبر ذاته.

إنَّ المنبر الحسيني لم يكن محصوراً في مدينة أو قرية لينحصر تأثيره، بل اتسعت دائرة انتشاره فعمت جميع الأرجاء. إن هذا الاتساع خلق حاجة ظاهرة لأعداد كبيرة من الخطباء في وقت قصير، فأثر ذلك على النوع، وصار الدافع الأول مادياً، وتحول المنبر الحسيني إلى أداة ارتزاق على حساب القيم العليا للطائفة.

إنَّ كثيراً من الخطباء دون مستوى الطموح من حيث: (الملكات الذاتية ومستوى التحصيل العلمي والذوق الأدبي، وقوة الحافظة، واقتناص الأمثلة والشواهد المؤثرة، والحضور الذهن، والخزين المعرفي، والقدرة على التمييز بين الخبر الصحيح وغير الصحيح، وتقييم مستوى الحضور في المجلس والوضوح في التلفظ، والصحة في اللغة والنحو، وأخيراً الصوت الشجي الذي يثير العواطف ويستدر الدموع)(8).

ويرى المصلح المجدد الشيخ محمد رضا المظفر(قدس سره): إنَّ الخطابة ـ في وقته ـ لا تفي بمهامها الرسالية، ولابد من العمل لإنقاذها بفتح معهد خاص يعني بشؤون الخطابة والخطيب. ولم يكن هذا الهدف غائباً عن أبناء أكبر حاضنة لخطباء المنبر الحسيني مدينة النجف الأشرف، وتألفت لجنة في عام (1363هـ) لهذا الغرض على أثر التحسس العام الذي ظهر في جميع الأوساط المثقفة في العراق بضرورة تهذيب ناشئة خطباء المنبر الحسيني وتثقيفهم ثقافة عالية تليق برسالة الإمام الحسين سيد الشهداء(عليه السلام) وباشرت اللجنة أعمالها وشرعت بفتح صف تجريبي، وبعد شهر واحد فقط ثارت زوبعة عنيفة على اللجنة بحجة أنها تسعى إلى تحديد نوع الخطابة وتحديد عدد الخطباء والتقليص من ذكر الحسين(عليه السلام). فأغلقت اللجنة الصف، واعتزل الشيخ المظفر المجتمع أياماً ريثما يهدأ الجو(9).

إنَّ أساس فكرة تطوير المنبر الحسيني تهدف إلى أمرين:
الأمر الأول: يخص الخطيب نفسه، فلابد من بناء شخصيته وفق منظور حضاري جديد وذلك بتزويده بمختلف العلوم والمعارف الإنسانية واطلاعه على التيارات الفكرية المختلفة، وعلى جانب من العلوم الصرفة التي تندرج في مجال الثقافة العامة، وحبذا لو تعلم لغة ثانية تيسر له الإطلاع على تراث الأمم الأخرى وتجاربها ومعتقداتها.

والأمر الثاني: تهذيب محتوى المجلس الحسيني مما ألصق به من هنات ومبالغات، وأخرى ضعيفة وعبارات لا تخدم العقيدة.
يقول المرحوم الدكتور الشيخ أحمد الوائلي: (المنبر الحسيني صوت الحسين(عليه السلام)
فينبغي أن يكون المنبر معبراً عن مزاج صاحب الصوت وأن يحقق أهداف نهضة الحسين. فليست هي مجرد تعبير عن آهةٍ أو تشنج عاطفي، فليس هذا هو ثمن الدماء الزكية التي سفكت في كربلاء، بل ثمنها تجسيد صوت الطف، من أجل إحقاق الحق ونصرة المظلومين)(10).

والشيخ الوائلي من دعاة المنبر الواعي المتجدد، بل هو خير من يمثل المنبر الواعي المتجدد. ينبغي أن تتظافر جهود الدعاة والمبلغين كلٌ حسب طاقته لرسم صورة أفضل للمنبر الحسيني(11) كما يدعوا إلى وجود رقابة على ما يقال على المنبر لأنه يحمل رسالتنا إلى الجماهير، وينبغي أن نشعر بمسؤولية الكلمة وخطر الفكرة. لقد أصبح العالم مكاناً واحداً تنتقل فيه الكلمة والفكرة بسرعة البرق، وبناءاً على ذلك لم يعد المنبر حالة خاصة بنا نمارسها بدون قيود أو ضوابط خصوصاً مع وجود جهات تحرف الكلم عن مواضعه، ويهمها ـ تحقيقاً لهدفها وهدف من يقف وراءها ـ أن تسمم الأجواء(12).

ولأجل الوصول إلى منبر يلبي الحاجة، ويغير الواقع إلى الأفضل، يفترض وجود مؤسسات قادرة على تحقيق ذلك، أهمها ما تصوَّره عميد المنبر الحسيني الدكتور الشيخ أحمد الوائلي فقال:

أولاً: جهة الخطيب نفسه. وعليه تطوير قدراته الذاتية.
ثانياً: جهة الدولة.
ثالثاً: جهة المرجعية الدينية.
ولم يترك تلك التصورات دون أن يلحقها ببعض التحفظات والاحتمالات السلبية والإيجابية..
ففي الجهة الأولى: قصور قدرات الفرد عن توفير مستلزمات التطوير، وأن الأفراد يختلفون في الميول والرغبات، وفي الاختيارات وبالتالي فإن العمل الجماعي أنجح من العمل الفردي.

وفي الجهة الثانية: وقوف سياسة الدولة بوجه حرية المنبر في معالجة أي موضوع عقائدي أو اجتماعي أو اقتصادي. وإنَّ ارتباط المنبر بالجهة الحكومية يجعله يخسر الدعم الشعبي. ثم إنه سيكون مهدداً بعدم الاستمرار وفقاً لمزاج الجهة الرسمية.
أما الجهة الثالثة: ـ جهة المرجعية الدينية ـ فهي الأكثر نفعاً وضماناً، وتحقق أمراً مهماً هو توفير الجانب الروحي والأخلاقي والعلمي الذي يشكل القاعدة الأساسية لثقافة المنبر، إضافة إلى الدعم المادي(13).

والحقيقة: إنَّ التدقيق في هذه التصورات يعطي انطباعاً مبدئياً بإمكان الوصول إلى بناء منبر حديث قوي مؤثر، حين يتوفر الدعم المتميز من جميع تلك الجهات كلٌ حسب اختصاصه. على أن دعم المرجعية الدينية للمنبر الحسيني بألطافها الروحانية، وإمكاناتها المادية، وضمَّه إليها كمؤسسة إعلامية عقائدية إسلامية، يزيد من احتمال تحقيق الطفرة النوعية في هذا المشروع الحيوي الهام (وإن مجرد وضع لبنة ولو بسيطة في البداية، ومتابعة البناء، تؤدي بالتدريج إلى تحقيق الكثير)(14).

وختاماً أقول: إنَّ تحقيق مشروع المنبر الحسيني الحديث المتطوّر، يعني توفير دائرة معارف متكاملة، لا يستغني عنها المسلمون وغير المسلمين بما ثبته من مفاهيم عالية المستوى، رصينة المحتوى، نزيهة المقاصد خالية من شوائب الماضي، تكشف عن جواهر القرآن المجيد، وكنوز علوم أهل البيت الأطهار، وتشكل حلقة إيجابية في سلسلة مصادر التهذيب والبناء العقائدي والعلمي المعاصر .

نشرت في العدد 34


(1) لسان العرب مادة نبر
(2) المساجد (سلسلة عالم المعرفة) ص82ـ83
(3) الدكتور جواد علي، 8/773
(4) الدكتور حسين مؤنس، المساجد ص83
(5) انظر أسد الغابة، 1/23
(6) الدكتور حسين مؤنس، المساجد، ص87
(7) الحر العاملي، وسائل الشيعة 10/509، باب استحباب البكاء لقتل الحسين(عليه السلام) الحديث 2، منشورات الأعلمي، بيروت، المجلد 5.
(8) طالب علي الشرقي، خواطر ومقتبسات في الدين والأدب والحياة، مخطوط.
(9) محمد مهدي الآصفي، مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها ص133ـ134.
(10) الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، تجارب مع المنبر، ص6.
(11) المصدر السابق، ص8.
(12) المصدر السابق، ص15.
(13) الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، تجاربي مع المنبر، ص60ـ61.
(14) المصدر السابق، ص63.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.