Take a fresh look at your lifestyle.

الإسلام والمسلمون .. في فنـلـندا

0 253
            بعد الانفتاح الإعلامي والحرية العارمة في الاتصال بين البشر في جميع أصقاع الأرض وخاصة ممن تربطهم مشتركات متنوعة منها عقائدية أو قومية أو حتى إنسانية بجميع وجوهها الثقافية والأدبية وحتى السياسية ، ومن أجل أن نتواصل مع أبناء ديننا ومذهبنا، الذين يعيشون في خارج العراق بمختلف جنسياتهم وقومياتهم،
             ومن أجل الاطلاع على أحوالهم، كيف يعيشون، ما هي نشاطاتهم، مؤسساتهم، مراكزهم الدينية، كيف تتعامل معهم حكومات الدول التي يعيشون فيها، هل لهم قوانين خاصة ترعاهم وتضمن حقوقهم الدينية والإنسانية سواء كانوا من الوافدين أو من سكان البلد الأصليين.
             كل هذا دفع القسم الثقافي في مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية في النجف الأشرف والتي هي برعاية آية العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، للتطلع والاتصال بالمسلم الآخر خارج رقعة العراق الجغرافية، وبدأت الاتصالات مع الكثير من المؤسسات والمراكز الثقافية في جميع قارات العالم المختلفة،
           وقد استجاب لدعوتنا الكثير منهم على مستوى الأشخاص والمؤسسات، ومنهم مؤسسة الإمام علي الثقافية في فنلندا والمتمثلة بشخص مديرها الأستاذ الشيخ مصطفى الهادي(1) الذي اهتم كثيراً بهذه المبادرة وهذا التلاقح بين المؤسسات والمراكز الفكرية الإسلامية في العالم، وقد طلبت منه أن يرسل لنا تحقيقاً موثقاً ومدعوماً بالصور عن حياة المسلمين وخاصة الشيعة في دولة فنلندا، وقد فعل ذلك جزاه الله خير الجزاء، فأرسل هذا التحقيق الذي بين يدي القراء الكرام، ومن حسن حظنا أن التحقيق لم يحتاج إلى الكثير من التعديل والإعداد، نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات الشيخ مصطفى الهادي.

 

   جمهورية فنلندا

              هي بلد شمالي يقع في المنطقة الاسكندينافية في شمال أوربا، يحدها من الغرب السويد ومن الشمال النرويج ومن الشرق روسيا بينما تقع استونيا إلى الجنوب عبر خليج فنلندا.
             عدد سكان فنلندا (5.25) مليون نسمة، تتركز الغالبية من السكان في المنطقة الجنوبية من البلاد، وفنلندا تعد من حيث المساحة الثامنة في أوربا وهي جمهورية برلمانية ذات حكومة مركزية مقرها هلسنكي وفيها حكومات محلية تمثلها 336 بلدية.
            يعيش في العاصمة هلسنكي حوالي مليون شخص وهي مقاطعة تضم هلسنكي وأسبو وكاونياينن وفانتا. إضافة إلى المدن الكبرى الأخرى مثل: تامبيرة وتوركو وأولو ويوفاسكولا ولاهتي وكوبيو وفازا وكوفولا.
           وفنلندا بلاد لا تغيب عنها الشمس في الصيف ولا تشرق في الشتاء، فهي لا تغيب في الصيف ولمدة 73 يوما إلا ساعة واحدة تقريباً في اليوم، ولا تشرق في الشتاء لمدة 51 يوماً إلا ساعة واحدة تقريباً في اليوم،ولو حل شهر رمضان في أيام النهارات الطويلة لحلت الكارثة على الصائم حيث انه ملزم بالصيام ثلاث وعشرين ساعة وهذا يعني أن إفطاره ساعة فقط، وكذلك لو حل شهر رمضان في الشتاء فإن الصائم يستمر بالصيام لمدة ساعة فقط ثم يفطر، والسبب هو محاذاة البلد للقطب الشمالي كما هو معلوم.
           كانت فنلندا تاريخيا جزء من السويد، ولكنها منذ عام 1809 تحولت إلى دوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية، ثم استقلت عن روسيا عام 1917وانضمت فنلندا إلى الأمم المتحدة عام 1955 وانضمت إلى الاتحاد الأوربي عام 1995 وهي ما يُسمى بمنطقة اليورو.
            يدين بالمسيحية 85 بالمئة من سكان فنلندا، و14 بالمئة ليس لهم دين، ويتقاسم الواحد بالمئة المتبقي المسلمون واليهود حيث عدد المسلمين أربعة أضعاف اليهود.
             تعود فترة التعرف على المسلمين في البلدان الاسكندنافية إلى الأعوام (921 .م) وهي التي زار فيها هذه البلاد الرحالة أحمد بن فضلان(2) حيث مكث هذا الرحالة فترة طويلة في هذه البلاد الثلجية، وكان حصة فنلندا من هذه الرحلة فترة لا بأس بها امتدت إلى سنين كان فيها هذا الرحالة بمثابة سفير للمسلمين في هذه البلاد.
            ثم جاء المسلمون الأوائل عام (1809م) وهم من التتار حيث جلبهم الجيش الروسي لبناء قلعة كبيرة تكون بمثابة حامية للجيش الروسي على الأراضي الفنلندية، وذلك لبراعة التتار في بناء مثل هذه القلاع، ثم جاء بعض المزارعين من التتار أيضا مستغلين خصوبة الأراضي الفنلندية وما وفره لهم الحكم القيصري، ثم عملوا في تجارة الفراء والمنسوجات الروسية، وكان عددهم كبيرا تقلص بمرور الزمن حيث رجع أكثرهم إلى بلادهم التي قدموا منها، ولكن إحصاء عام (1988م) أظهر وجود (800) من هؤلاء المسلمين التتار من بين الشعب الفنلندي.
           يقول الشيخ مصطفى الهادي: لي علاقة طيبة وطيدة مع كبير التتار (الحاج صفي الله ) حيث أزور مسجدهم فهم أقلية متماسكة متلاحمة حافظت على دينها وتراثها ولها وجودها، حيث شاركت في الحرب جنبا إلى جنب مع الجيش الفنلندي وقدموا شهداء دفاعا عن وطنهم الجديد، وقد زرت مقبرتهم حيث رأيت قبور شهداء الحرب،
           وقد حكى لي الحاج صفي الله أشياء من بينها، أن فنلندا أول دولة أوربية غربية تعترف بوجود المسلمين حيث وافقت على تأسيس أول مجمع إسلامي فنلندي تتري عام (1925م) وذلك تأكيدا على مبدأ حرية العقيدة الذي تبنته فنلندا عام (1922م)
           ويضيف الشيخ مصطفى الهادي: وهذا ما دفعني للقيام بتأسيس المؤسسة الرابعة في فنلندا معتمداً على أصل نسخة تأسيس المجمع الإسلامي التتري، وهذه المؤسسة هي (مؤسسة الرسالة الإسلامية) والتي كانت أول مؤسسة للشيعة المسلمين في فنلندا حيث تأسست عام (1993) ثم تحول اسمها إلى (مؤسسة الإمام علي الثقافية الإسلامية) لتلحقها مكتبة تعتبر الآن أكبر مكتبة عربية في الدول الإسكندنافية (مكتبة الإمام الصادق عليه السلام) ومقرها في مكتب مدير مؤسسة الإمام علي (الشيخ الهادي) في أطراف مدينة هلسنكي ثم توالى تأسيس المساجد والجمعيات الإسلامية بمرور الوقت.
        وحتى عام (2009) لم يكن للشيعة المسلمين أي تمثيل رسمي في الدولة الفنلندية، بل كان التمثيل الرسمي للسنة فقط المتمثل بالرابطة الإسلامية وأمينها العام الشيخ خضر شهاب، حيث يتم التصديق على كل الوثائق من قبل هذه المؤسسة، ولكن في عام (2009م) حصل الشيعة على السمة الرسمية لوثائقهم حيث أصبح الشيخ الهادي (مديرا للأحوال الشخصية للمغتربين في فنلندا المايستراتي Maistraatit) فأصبح للشيعة وجود رسمي عبر مؤسسة الإمام علي الثقافية.
          توجد في فنلندا الآن الكثير من المؤسسات الدينية والمساجد وحتى الحسينيات.
          ورسميا يوجد الآن خمس ممثليات للمسلمين في فنلندا وهي على التوالي :
   1- الرابطة الإسلامية الفنلندية (هلسنكي).
   2- المجلس التتري الإسلامي (هلسنكي).
   3- المركز الإسلامي (مدينة توركو).
   4- المجلس الإسلامي الأعلى (هلسنكي).
   5- مؤسسة الإمام علي الثقافية (هلسنكي).
             إضافة إلى الكثير من المراكز والمساجد الأخرى ولكنها مراكز ثقافية لا تحمل صفة رسمية فليس لها أي نشاط أو تعاون بينها وبين الدولة.
          قبل ثلاث سنوات وفي آخر إحصائية لعدد المساجد والمراكز الإسلامية على اختلاف مذاهبها تبين أن في فنلندا أكثر من (60) مسجدا من بينها (20) مسجد ومؤسسة شيعية مسجلة رسميا تمارس عملها بين صفوف المسلمين ولربما العدد ازداد خلال هذه السنوات الثلاث.
           أما في الجانب الإعلامي ومجال التبليغ والنشر،فيقول الشيخ الهادي: توجد إذاعة واحدة للمسلمين في فنلندا وهي إذاعة (ابن فضلان) تأسست عام 1996 على يد أخ ليبي اسمه محي الدين الأسود ولا يتجاوز بث هذه الإذاعة الساعتين في الأسبوع، يخصص اغلبها للأغاني العربية وبعض أخبار فنلندا السياسية، وهذه الإذاعة اقرب للعلمانية وليس لها اهتمامات إسلامية بحته، ثم حصل الشيعة على جزء من وقت هذه الإذاعة، ولكن بعض السلفيين تدخلوا وأغلقوا الفترة المخصصة للشيعة، وكذلك توجد نشرات ومجلات ولكن اغلبها الكتروني عبر الإنترنت، إلا مجلة واحدة تصدر من مسجد الإيرانيين وهي مجلة (إسلام) تنشر فكر آل البيت وهي مجلة معتدلة.
          في عام (2008) انفردت مؤسسة الإمام علي الثقافية وبعد اجتماعات مطولة، بإصدار (قانون حقوق المسلمين) وبالتعاون مع الجهات المختصة في مدينة (فانتا) وهي من كبريات المدن الفنلندية وتعتبر إقليما له سياسته وإدارته، ونشر هذا القانون في الصحف والمجلات وقدم له في التلفزيون الفنلندي ثم حذت حذوها مدينة (أسبو) فكانت هذه الخطوة فاتحة خير حيث تكفل هذا القانون بحقوق المسلمين والذي تبنت على ضوءه الدولة الفنلندية أعياد المسلمين واعتبرتها عطلة رسمية أسوة بأعيادها الوطنية وتم تعيين معلمين مسلمين في المدارس لتدريس اللغة العربية والشريعة الإسلامية.
           ولكن مما يؤسف له أن بعض المذاهب السلفية استغلت هذا القانون واستحوذت على كل مقاعد الدراسة في المدارس الفنلندية لتدريس أفكارهم التي تسبب الحرج للمسلمين أمام الفنلنديين لما فيها من جمود وانحراف وقد حاولنا تعيين مدرس من مدرسة آل البيت عليهم السلام ولكن آباء الطلاب الوهابية وهم الأكثرية انسحبوا احتجاجا على تعيين مدرس شيعي فتم فصل المدرس،فصار أبنائنا يدرسون على يد مدرسين من السلفية ولم يعترض آباء الطلاب الشيعة على ذلك لقصور إمكاناتنا المادية وبالتالي ضعف نفوذنا الاجتماعي وتأثيرنا على مراكز القرار السياسي والإداري في النظام الفنلندي.
              أما عن المساجد والحسينيات في فنلندا فهي تنقسم إلى قسمين وهما :
            مساجد المسلمين السنة وهي مدعومة من قبل المملكة السعودية ومن قبل العلماء السلفية والوهابية وحالتها المادية جيدة جدا، ونتيجة لنفوذهم المادي والتأييد السياسي من قبل كثير من الدول منها المملكة السعودية سمحت لهم الحكومة الفنلندية ببناء مسجد الرابطة الإسلامية الذي يحمل لافتة على واجهته، وذلك لأن البناء منعزل وهو عقار صرف مملوك لهم،مع العلم أن الفنلنديين لا يقبلون بإقامة مسجد في مناطقهم السكنية ظنا منهم أن ذلك سوف يجلب المشاكل لهم، بالإضافة إلى أن عقد الإيجار لعقار ما يُشترط بأن لا يكون مكان للعبادة.
         أما القسم الثاني فهي الحسينيات والمساجد الشيعية،فيقول عنها الشيخ مصطفى الهادي: لا يوجد عندنا في فنلندا مساجد مبنية على الطرز العربية ذات المنائر والقباب،وللأسباب المتقدمة فإننا نؤجر قاعات تحت الأرض أو صالات، ونقوم بتزيينها وزخرفتها من الداخل وبناء محراب فيها للصلاة، وفي بعض المناسبات سواء كانت وفيات الأئمة المعصومين عليهم السلام أو في مواليدهم يجتمع الشيعة في بعض البيوت الشيعية حيث تقام المجالس الحسينية لرثاء أهل البيت عليهم السلام أو مدحهم والابتهاج بأفراحهم.
   ويضيف الشيخ الهادي:
            المساجد الحسينية تشكو الفقر الحاد والمزمن ونحن هنا نعتمد على مصادرنا المالية الذاتية من التبرعات التي تجمع خلال المناسبات وهي لا تكفي في بعض الأحيان لشراء الشاي، ورغم زيارة بعض وكلاء المراجع الدينية في العراق وإيران، فان الحال لم يتغير ولم يقدموا لنا أي دعم يذكر سواء كان على شكل مال أو كتب مختلفة من خلالها يستطيع المسلم أن يفهم دينه ويسلح عقيدته ضد كل ما يحيط به من معتقدات فاسدة وأجواء مغرية تضعف من عزمه ومن رصانة اعتقاده.
            ويتابع الشيخ مصطفى الهادي تحقيقه عن المسلمين في فنلندا وأحوالهم قائلاً:
           فنلندا بلد أرض خصبة جدا لنشر الإسلام، فأهله طيبون متسامحون وقد استغلت العناصر المتطرفة من الوهابية وغيرها هذه الطيبة فقامت بما تلقاه من دعم مادي بكسب الكثير من الفنلنديين إلى المذهب الوهابي، ومع الأسف ظهر في الشوارع نساء فنلنديات منقبات لا يظهر منهنَّ سوى العيون ويرتدينَ الكفوف لكي لا تظهر أيديهن فأطلق عليهن الفنلنديون لقب (Meri Rosfo) أي القراصنة،
           وكذلك ظهر فنلنديون لهم لحى طويلة مصبوغة بالحناء وثياب قصيرة على الطريقة السلفية، مما أحدث رد فعل ساخر لدى الشارع الفنلندي، فقامت مجموعة من الممثلين بتمثيل مسرحية عرضت على التلفزيون الفنلندي أحدثت رد فعل سيء لدى الناس حول الإسلام، حيث صوروا الإسلام على أنه تمخط ومضمضة وطرد الكلب ورمي لحم الخنزير والامتناع عن شرب الخمر لا غير.

 

  أطياف المسلمين في فنلندا

           ويرجع الشيخ الهادي بذاكرته إلى بداية التسعينات من القرن الماضي فيقول:
             في بداية التسعينات بدأت أعداد المسلمين في فنلندا تتزايد بشكل سريع حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، فمن بين مجموع سكان فنلندا البالغ عددهم خمسة ملايين يوجد مائة ألف مسلم، وهم من دول شتى أبرزها إيران والعراق والصومال وأفغانستان، كما أن هناك لاجئين من يوغسلافيا ومن أكراد الشرق الأوسط،
           أما على مستوى التمثيل الرسمي للمسلمين في مرافق الدولة الفنلندية بشكل عام فلا يوجد أي تمثيل لهم، لا على مستوى البرلمان ولا على مستوى الوزارات والمؤسسات المهمة في الدولة، ورغم أن عدد المسلمين يبلغ أكثر من مائة ألف مسلم، فلم يكن في تاريخ الدولة أن اختير عضو برلمان من أصول إسلامية، وعلى النقيض من ذلك نرى أن لليهود حصة الأسد في التمثيل الرسمي مع أنهم أقلية لا تتجاوز الألف يهودي،
            فعلى سبيل المثال لا الحصر، أنه كان وزير الخارجية الفنلندي في أحد الفترات يهودي، ورئيس أكبر كتلة برلمانية من حزب التجمع الفنلندي هو يهودي، وسفير فنلندا لدى الكيان الصهيوني هو يهودي، ومراسل الإذاعة الفنلندية الرسمية للدولة في الشرق الأوسط طيلة أكثر من 30 سنة الأخيرة كان يهودياً.
   ثم يستطرد الشيخ مصطفى ويقول:
            ولكن في الآونة الأخيرة جرت اتصالات فردية تركت أثرا طيبا على العلاقات بين المسلمين والفنلنديين ومنها لجنة الصداقة الفنلندية الإسلامية التي يرأسها الشيخ مصطفى الهادي بالتعاون مع الهيئات الاجتماعية والدينية في البلد والتي على ضوئها تم إصدار قانون حقوق المسلم (انظر صحيفة المدينة فانتا لاوري المرفقة عدد 39/ تاريخ 18/11/2010) وهذه اللجنة تعتبر رسمية حيث تبنتها الدولة الفنلندية وتبنت قراراتها وتعقد اجتماعات دورية، وتضم بين المجتمعين أيضا ممثلين للمسلمين من أصول مختلفة أخرى لهم الأثر الواضح في الحركة الاجتماعية والثقافية في المجتمع الفنلندي.
   ويختم الأستاذ مصطفى الهادي حديثه بقوله:
           فنلندا بلد متسامح جدا، وفيه نظام تكافل اجتماعي لا يوجد في أي بلد آخر، فلا فرق بين المؤسسات الدينية فالجميع ينال الدعم من الدولة بمختلف مرافقها،حيث تخصص موارد مالية تقتطع من الضرائب وتمنح للمؤسسات الدينية، وفنلندا من اكبر بلدان العالم في عدد المؤسسات فهذا البلد معروف على أنه بلد المؤسسات، فمن حق ثلاث أشخاص أن يؤسسوا مؤسسة ويمارسوا نشاطاتهم المختلفة فيها.
           والمسلمون أيضا يتمتعون بالدعم المادي من قبل الدولة كأفراد من المجتمع الفنلندي، وكذلك فهم يمارسون طقوسهم وشعائرهم الخاصة بهم ولكن ضمن الضوابط والقوانين التي تحفظ الحق العام والخاص،وقد أدى ذلك إلى ازدياد عدد المعتنقين للإسلام، وقد جرت على مستوى مؤسستنا العديد من عمليات اعتناق الإسلام من قبل الفنلنديين.
            في السنين الأخيرة قامت وزارة الخارجية الفنلندية بعمل دعوة إفطار كبرى في شهر رمضان المبارك للمسلمين ومنذ ذلك الحين جرت العادة أن تقوم كل وزارة بعمل مأدبة إفطار للمسلمين في رمضان المبارك. والجدير بالذكر أن فنلندا لم توافق على قانون منع الحجاب أو حتى النقاب الذي أصدرته بعض الدول الأوربية،
              ونتيجة لهذا التعايش الجميل بين الجميع لم تحدث أي حوادث تذكر تسيء للمسلمين بل أثبت المسلمون بأنهم مسالمون وأنهم متى ما شعروا بالأمن والأمان تعايشوا بسلام مع أي قوم وفي أي بقعة من أرض الله وأنهم مواطنون صالحون ويخدمون البلد الذي يقيمون فيه على أفضل وجه ولا تزال تدور في الأوساط الفنلندية أساطير بطولات المسلمين التتار وهم يصدون الغزو الروسي على فنلندا حيث قدموا الكثير من الشهداء دفاعا عن الأرض التي آوتهم ورحبت بهم مع أن أصولهم روسية .
            هكذا هي حياة المسلمين في دولة الجليد فنلندا، حالهم يدعونا للتساؤل كيف الشعور والمسلم يعيش في مجتمع يختلف عنه في معتقداته الفكرية وبالتالي في تفاصيل حياته بكل صورها، في المأكل والمشرب والملبس والزواج والتربية والعلاقات المختلفة وغيرها،
             كيف يعيش المسلم في بيته، وكيف يواجه المجتمع المختلف في الخارج، ما هي الطريقة المتوازنة بين تربية الأطفال والتعامل بين الأزواج وبين احترام القوانين المسنّة في تلك البلاد التي لا تتفق كثيرا مع التعاليم الإسلامية،
           كيف يحافظ المسلم على حصانته الدينية والأخلاقية في مجتمعات لا يُعرف فيها العم من الخال، كل هذا يدعونا للتساؤل من هم في خير أكثر، نحن أم من يعيش في مجتمعات يشعر فيها بالغربة وإن كان من المواطنين.. أهل البلد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ مصطفى الهادي متخصص في تاريخ الأديان وبالأخص (المسيحية واليهودية) وناشط في مجال المحاورة والمناظرة مع رجالات أهل الكتاب غير المسلمين, وله مؤلفات في هذا المضمار, وعشرات البحوث والمقالات المنشورة في الصحف العالمية ومواقع الانترنت, ويدير مؤسسة الإمام علي الثقافية الإسلامية في هلسنكي العاصمة, بالإضافة إلى عمله مديراً للأحوال الشخصية للمغتربين في فنلندا المايستراتي Maistraatit.
(2) أحمد بن العباس بن رشيد بن حماد بن فضلان, هو عالم إسلامي وأديب وشاعر من القرن العاشر الميلادي كتب وصف رحلته كعضو في سفارة الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة (بلقار الفولجا) فوصل برحلته إلى البلاد الاسكندنافية، يقول كريشون: (يعد مخطوط ابن فضلان أقدم تسجيل معروف كتبه شاهد عيان عن حياة الشعب الاسكندنافي، وهو بذلك وثيقة فريدة من نوعها، تصف بدقة متناهية أحداثاً وقعت منذ ما لا يزيد عن ألف عام).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.