Take a fresh look at your lifestyle.

تأثيرات الفنون الإسلامية على فنون الشعوب الغربية

0 442
د. علي ثويني
             لقد أعجب الكثيرون من عشاق الجمال بالفن الإسلامي، لما تميز به من خصائص وصلت الذروة الفنية في الفلسفة والفكرة والمنجز، حتى جعل متاحف العالم تعج بمقتنياتها من حجر الشام و الخشب العباسي والفاطمي والجص السامرائي والفخار الفاطمي مرورا بزجاج الخليل و بجايه وخزف قاشان وأزنيق حتى منمنمات بغداد وفارس والهند وأقمشة دمشق والموصل وجلود ومعادن فاس، وأخلص له رهط من الغربيين وسخر حياته للبحث والتمحيص فيه،كما هو حال صوفاجيه وكونل ومارسية وماسينيون وكريزويل وهرزفيلد وكرابار وبوركارت وبابادوبولوس وغيرهم من المستشرقين.
         ويرجع البعض ذلك الإهتمام الى أواسط القرن التاسع عشر،وتحديدا عام 1858 حينما شرع الإنكليزي السير (روبرت مردوخ سمث Robert Murdoch Smith) بجمع مقتنيات الزينة كالملابس والحلي من العالم الإسلامي، بعدما عمل مسؤلا في التلغراف الفارسي في تلك الحقبة، وتسنى له دراسة الفن الإسلامي الفارسي ولاسيما في القرنين الأخيرين.
           وطفق يوسع دائرة مقتنياته من العراق و مصر وتركيا والجزيرة العربية وشمال أفريقيا والشام وأواسط آسيا والهند.وكل تلك المقتنيات معروضة اليوم في متحف أسكتلندا الملكي بأدنبرة، وخصص لها قاعة سميت فنون أرجاء الشرق الأوسط(within the Middle East)(1).
             كتب (الوي رفيلغة) عام 1893 واصفاً الفن الزخرفي الإسلامي: إنها خطوط تعريش تصدر عنها براعم وأزهار في تتال لا ينتهي وتتطور إلى أوراق وأشكال تشبه الطير. ولا تنصاع لأي قانون غير قانون التفرغ الأبدي وتتراءى بلا بداية ولا نهاية وبدون توثيق مركزي محدود وغالباً ما يكون نظامين أو ثلاثة أنظمة من الأرابسك أحدهما فوق الآخر.
              إن الزخارف الإسلامية، منتوج أسلوب رياضي في غاية التعقيد ويمثل إحساس المسلم ببناء الكون البديع منطلقاً من العقيدة الإسلامية وهو أيضاً يمنح الرأي فكرة عن الروح الضمنية فقط، ويحرره من القيود الأرضية الزائلة. لذلك كان فيه وله تأثير على الشعر العربي والفارسي. مما قاد (غوته) إلى القول بتأثيره على الشعر التركي والهندي الإسلامي فكان الشعر مثل الأرابسك لا يعرف نهاية وكأنه سجادة فارسية كلاسيكية فهو يمتد بايقاع واحد متواصل يتم إنهاءه ببيت شعري مصطنع وفي اللّغة العربية الفصحى المتضمنة مصادر ثلاثية الأحرف يتم توسع رياضي للجذور مما يفتح إمكانيات لا تنتهي في الشعر والنثر لذلك كان المصطلح التقني في كتابة الشعر العربي هو النظم على (التفعيلة والبحر) وهو يعني نظاماً تراتبياً مصقولاً عبر الفعل ليكون في النهاية تعبيراً عن خبرة في صياغة شكل تقني غني بالعديد من الطرق والصور التي بنيت بدقة متناهية ومتناغمة غاية التناغم(2).

            لقد أحدث الفن الإسلامي وقعاً كبيراً على الفن الأوروبي وكان الإختراق الحقيقي له عام 1910م في معرض ميونخ للفن الإسلامي عندما كان (إرنست دينبر) قادراً على الحديث عن الطابع العالمي (الكوزموبوليتاني) للفن الإسلامي فمثلت لوحة (بوابة مسجد) (لباول كلي) عام 1913 بمربعاتها المستوحاة من الرقش الإسلامي (الأرابسك).
            كما ان لوحات (موندريان) حملت خصائص الخط الكوفي التربيعي وعكست إقتباسات في الفن الأوروبي عن رؤية الخط العربي، الذي تتخذ فيه كل الأحرف شكلاً يناسب وحدات البناء من القرميد والآجر تربيعيا، وتعود بعض مثل تلك اللوحات وخاصة الملونة إلى القرن الخامس عشر وهي تشبه بيت موندريان. وشكل الرقش القيمة الحقيقية للمعرض الفني الذي اقيم في مدينة بازل السويسرية عام 2002(3).
            لقد بدأ الإعجاب بالفن الإسلامي منذ بواكير دراسة جذور الفنون الأوربية، وتبين أن الطرز الغربية إبتداءا من الرومانسك حتى الباروك ومرورا بالقوطي والنهضة لها تواشج بالصلب مع الفنون الإسلامية. فقد كانت إسبانيا الطريق الأول لعبور تلك الفنون ثم صقلية وتلتها البلقان، حيث حمل الحجاج والتجار والمغامرين التأثيرات الى غربي فرنسا وحتى إقليم البورغوني ثم إنتقلت الى أنحاء أخرى من أوربا.
             ويعود بعض الفضل إلى مشاهدات الحجاج المسيحيين للأراضي المقدسة، وما كانوا يحملونه معهم إلى أوروبا من التحف الإسلامية، ثم عن طريق الحروب الصليبية، فضلا عن اتصال الأوروبين بالدولة العثمانية. ويكفي أن نرى أبراج الكنائس وقد أخذت شكل المآذّن (الصوامع) مربعة المساقط، و التي إنتقلت من دمشق عبر شمال أفريقية وتجسدت في مجموعة أبراج طليطلة (Toledo)، ثم عمت من خلال الرومانسك في كل الطرز اللاحقة. وكذلك الأقواس وأركان القباب والعقود المتصالبة والأعمدة المزدوجة والتيجان النباتية، مع فنون الزخرفة و الكتابة الكوفية، ونرى ذلك في أعمدة (مواساك) وفي باب (كنيسة بوي)، وفي واجهات كثير من الأبنية في غربي فرنسا.
             وقد تجلى تأثير الفنون الإسلامية في فنون الغرب، وتعدد في مظاهره، ففي العمارة المدنية، اقتبس الغربيون بعض الأساليب المعمارية من العراق، حيث أرسل الإمبراطور البيزنطي (يوفيلوس) في القرن التاسع سفيراً إلى بغداد لدراسة فن العمارة الإسلامي، وبنى في العام 835 م، قصراً بالقرب من بوابات القسطنطينية على طراز قصور بغداد، وخططت الحدائق على نمط الحدائق الإسلامية هناك.
            وقد كانت القسطنطينية إحدى بوابات الإقتباس والبث نحو الغرب، حيث كُنَّت (بغداد البسفور)، تقليداً وقدوة. وبعد سقوطها عام 1453م على يد العثمانيين وإنتقال حرفها الفنية والمعمارية الى الغرب، فحينها أطبق التأثير الإسلامي القادم من الشرق مع القادم من الغرب على كل فنون أوربا، وتصاعد بعد ذلك نحو الشمال.
             وفي مدينة بالرمو عاصمة جزيرة صقلية، مكث المسلمون فيها منذ العام 827م الى عام 1061م وتركوا آثاراً فنية لا تعود الى عهدهم، بل تعود الى عهد الحكام النورمانديين الذين جاءوا بعدهم، وهنا يمكن أن يكون الأثر المصري والشمال أفريقي واضحاً ولاسيما إبان الحقبة الفاطمية،ونجده ظاهرا في المباني المدنية كذلك كما القصور مثل قصر العزيزة والقبة.
             حيث قام (روجر الأول) الذي كان شغوفاً بالثقافة الإسلامية بإستعماله اللّغة العربية، ونجد آثارها واضحة على رداء تتويج روجر الثاني، هذا الرداء المحفوظ في متحف فيينا بالنمسا. ونرى آثارا أخرى في الكتابات التي وجدت على سقف كنيسة القصر، وعلى مزولة القصر كتابات تحمل دعاءات الله أن يمد في عمر الحاكم ويؤيد بيارقه، حتى أن تأريخ العمل دوّن بالتقويم الهجري.
            ولقد ظهر اسم الله والتاريخ الهجري في أماكن مسيحية محضة، مثل شاهدة قبر أم الملك (غريزانتي) عام 1149م. وكان الملك وليم الثاني له علاقة وطيدة بالمسلمين حتى تكلم العربية، كما يقول إبن جبير. وكانت النساء المسيحيات في (بلرمو) يخرجن متحجبات ويخضبن أصابعهن بالحناء ويتحدثن بالعربية.
            ولقد أنشئت (الكابلا بلاتينا) في بالرمو عام 1140م وعلى سقفها الخشبي فوق رواقين وفي السقف الذي يقع خارج الحرم، قام المصورون بتصوير موضوعات ملكية بأسلوب دنيوي، ولعلهم فعلوا ذلك في الأجزاء السكنية في القصر. ولقد ظهر الملك جالسا متوجا وفي يده كأس وأحاط به غلامان. وثمة كتابة عربية (وطيب الأيام والليالي بلا زوال وإنتقال) وهي الجملة ذاتها التي كتبت على رداء التتويج المحفوظ في فيينا.
            في الحشوات القريبة، صور ندماء الملك يعزفون على آلات مختلفة، مع راقصات يتحركن، وبأسلوب شبيه بالجداريات التي وجدها الألماني (هرزفيلد) على جدران مدينة سامراء.
           أما الرداء الملكي الذي تحدثنا عنه فإنه رداء نصف دائري صنع للملك (روجر الثاني) وزين بأسدين، كل واحد يصرع حيوانا، مع صور أخرى مشابهة مواضيعها ملكية عادة، مما نراه في كثير من التحف والمنسوجات التي وجدت في القصر أو الكنيسة. ولقد تحدث (مونوريه دوفيلارد) بإسهاب عن هذه الرسوم التي أخذت أصولها من سامراء أو من تونس أو من الأسلوب الفاطمي في القاهرة.
            كما أعجب الإيطاليون بعنصر الأبلق الذي شاع تداوله في عهد المماليك،وهو من أصول آشورية عراقية، حيث تتبادل فيه مداميك أفقية من أحجار قاتمة اللون مع أخرى فاتحة، بشكل خطي يشدد من المنظور الأفقي،ونجده في جل الواجهات المخططة في المباني الرخامية التي شيدت في بيزا وفلورنسا وجنوا ومسينا وفي غيرها من المدن الإيطالية، ومثل هذه الأبنية المتعددة الألوان موجودة في إقليم الأوفرن، وفي كنيسة القديس بطرس بنورثمبتن.كما يمكن مشاهدة أثر العمارة الشامية في الحصون التي شيدت للدفاع عن صقلية، في الأقواس المدببة والمزاغل أو فتحات السهام. ومن صقلية انتشر هذا الطراز العربي للحصون والقلاع، الذي اقتبسه الملك (فريدريك الثاني) أثناء حملته على بيت المقدس إلى جميع البلدان الأوروبية.
             ولم ينته الفن الإسلامي في إسبانيا عام 1492م بسقوط غرناطة. بل كان على هذا الفن أن يترك تأثراً استمر زهاء قرن تحت اسم (الفن المدجن). وتعني الكلمة العربية التي اشتقت منها هذه التسمية، المسلمين الأسبان الذين بقوا على الأرض المسيحية. ولقد إستطاع هذا الفن أن يشغل مجالا متسعا بإضطراد من القرن الثاني عشر وحتى القرن الرابع عشر.
       لقد كانت الحضارة الإسلامية شديدة التغلغل في شبه الجزيرة الآيبيرية. وفي الواقع ومنذ نهاية القرن الحادي عشر طغت العناصر الإسلامية في زخرفة الكنائس، ثم اختلطت هذه العناصر فيما بعد في الكنائس القوطية مع العناصر الوافدة من فرنسا. كما اختلطت في أبنية عصر النهضة مع العناصر الواردة من إيطاليا.
       وحتى القرن الثامن عشر فإن الفن الإسباني الشعبي بقي حاملا طابعها، حتى أن الطراز المدجن كان يبدو تعبيرا تلقائيا راسخا.ومازالت الفنون الشعبية اليوم تشرأب بسجيتها للفنون الإسلامية.
             إن ظروف نشأة الأعمال المدجنة، وزمان ومكان إنتاجها وطابعها الشعبي أو الأسروي، ونسبة العناصر الإسلامية والمسيحية التي تدخل فيها، ذكره بإسهاب (د. مانويل غوميز مورينو و أ. لامبير) بأن أول فن مدجن شعبي ظهر في قشتالة عقب الاستيلاء على طليطلة عام 1085م، فلقد شهدت المدينة نهوض مجموعة من الكنائس، كانت تعّد خلال زمن طويل بأنها (مستعربة) وإنها تنتسب الى المنشات المبنية من قبل المسيحيين في أزمنة الإسلام.
             فكنيسة (سان رومان) بعقودها الحدوية وزخرفتها العربية هي من أهم الأمثلة على ذلك. ثم تابعت طليطلة إغناء كنائسها بزخرفة خارجية من الآجر ومن الأبراج ذات الشكل المشابه تماما لهيئة المئذنة، ويشترك المظهر (المدجني) فيها مع العمارة الرومانسية التي إنتشرت كما هو معروف في بعض أجزاء إسبانيا حتى زمن متأخر جدأ.
             وكما كان الأمر في (قشتالة القديمة)، فإن المنشآت ذات الطابع المختلط، (الرومانسي المغربي) ذات الطابع الإسلامي أكثر من المسيحي، قد أعارت عناصرها للتقاليد المحلية وظهرت بتلقائية في مقاطعات ليون (سان تيزو في ساهاكن) وأراكون (في كاتدرائية طرازونة وتيروليل وسرقسطة). والى جانب هذه الأعمال الشعبية والريفية التي ترجع الى تأريخ غير محدد وتحتاج الى بحث مقارن. وتقوم منشآت شيدها فنانون مسلمون جاءوا إلى إسبانيا بدعوة من حكام البلاد التي احتلوها.
            ومن أقدم هذه المنشات ولاشك الكنيس المنشأ في طليطلة حوالي العام 1200م، والذي تحول الى كنيسة (سانت ماري لابلانش) وفيها تتقارب الأقواس الحدوية وتيجان الأعمدة الاكانثية بوضوح من فن الموحدين. وفي قرطبة بنى (الفونس الحكيم 1252ـ1284م) في باحة المسجد الأموي الكبير، كنيسة (سان فرناندو) التي أعيد ترميمها عام 1371م من قبل (هنري الثاني دوق ترانستامارا)، وفيها تجسدت القباب المعرقة الغنية بعنصر المقرنص، وبالزخرفة النباتية التي تذكرنا بفن غرناظة المعاصر لها.
              ومن أشهر المنشآت الرسمية، مبنى القصر في إشبيلية، الذي أنشىء عام 1345م من قبل (بطرس القاسي) على نفس موقع القصر القديم الذي أنشأه الحكام المسلمون في القرن الحادي عشر والثاني عشر وأحتفظ ببعض مساقطه. وبرغم أن القصر الأندلسي قد رمم كليا في القرنين السادس عشر و التاسع عشر، فأنه يكشف بفنائيه وبصالاته الفاخرة وبحدائقه الغناء، حضورا مؤكدا للفنانين الغرناطيين، ويؤكد ديمومة تذوق الملوك المسيحيين للفن الإسلامي.

          لقد أقام وزير المال اليهودي (صموئيل هاليفي) في عهد (بطرس القاسي) نفسه في طليطلة عام 1357م، كنيساً جديداً عرف باسم (الترانزيتو)، وهو مؤلف من صالة مستطيلة مغطاة بسقف خشبي رائع، كما غطيت جدرانه بألواح وأفاريز وزخارف نباتية وكتابية.
              وتنتسب إلى مجموعة الفن المدجن، عمارة (كازا دو ميزا) في طليطلة، وعمارة الدير الملكي (دو لاس هويلغاس في يوغوس) التي أقتبست نماذجها من الأندلس الإسلامية.
              وأمسى الفن المدجن بين نهاية القرن الرابع عشر وجل القرن الخامس عشر رافدا جوهريا في الفن القوطي. فلقد كانت الفترة التي أعقبت حركة (هنري دو ترانستامارا)، فترة فوضى وشقاء لإسبانيا، فشهدت إقامة مشيدات ذات طابع عسكري، وأصلحت الأسوار وأقيمت بوابات المدن وشيدت القصور المحصنة. ففي طليطلة أقيمت بوابة الشمس (بويرتا دل سول)، وفيه يتضح التأثير الطليطلي في الأقواس الحدوية وفي رصف الحجارة وريازة الآجر.
             أما في (سيقوفية) فنرى صرحية القصر الملكي، كما نرى في (بورغوس) باب (سان إستيبان) الجميل والأطلال الرائعة لحصن(كوكا) ذو المسحة الضاربة للحمرة والمفعم بالأبراج والمراقب والمزاغل. أما الزخرفة الداخلية لبيوت الأمراء فهي شتى في طليطلة كما في سيقوفية، وتمتزج فيها عناصر من الأسلوب القوطي الفرنسي مع عناصر من الرقش العربي الأندلسي.
            وخلال القرن السادس عشر، عرف الفن المدجن تحولاً أخر بامتزاجه مع أشكال واردة من إيطاليا النهضة، ففي عام1510م عمل الكاردينال (خمينيس xemines) سيئ السمعة وصاحب المثالب في محاكم التفتيش ومحارق المسلمين واليهود، على زخرفة قاعة الاجتماعات في كاتدرائية طليطلة وكلف بذلك النحات (برناردينو بونيفاسيو) الذي إستوحى أعمالة (لكي يرضيه)، من فن بعيد عن الفنون المسيحية، ومن إيحاءات جوهرها إسلامي. وازدانت نفس المدينة والمدن المجاورة مثل (سيغوينزا) وقلعة (هيناريس) بأبنية دينية ذات أسلوب مشابه.
            أما في فرنسا فإن أكثر الآثار الدالة على تأثير الفن الإسلامي ولاسيما من نموذج مسجد قرطبة هو مدخل كنيسة القديس (ميشيل دي ايجوي)، في مقاطعة لوبوي، حيث نجده في مدخلها الصرحي وحتى الزخرفة الملونة على الجدران الخارجية. كما نلاحظ الأمر عينه في العقود الملونة في كنيسة (لامادلين) في (فيزيليه) التي أعيد بناؤها بعد أن أتت عليها النار عام 1120م، وكانت مناسبة لإضفاء التاثيرات الإسلامية عليها القادمة من إسبانيا. و تعد هذه الكنيسة من أجمل المباني التي بنيت على هذا الطراز في فرنسا.
               ونلمس نفس التأثير واضحاً في جنوب فرنسا، ولاسيما في بلدة (بوي) وتجسدت في عقودها المفصصة والزخارف التي اشتقت عن الكتابة الكوفية والزخارف المؤلفة من الجدائل وسعف النخيل·
            كما اقتبس الفرنسيون بعض الأساليب المعمارية من قلاع الشام، وجعلوا المدخل الموصل من باب القلعة إلى داخلها، على شكل زاوية قائمة، أو جعله ملتوياً، كي لا يتمكن العدو الذي بباب القلعة، من رؤية الفناء الداخلي لها، أو أن يصوب سهامه إلى من فيه، ومثال ذلك القصور التي شيدت في فرنسا في القرن الرابع عشر فهي قريبة الشبه ببوابات قصر (الحير الغربي) في دمشق، وباب قصر (الأخيضر) في العراق، فالباب يكتنفه برجان، تعلوهما المزاغل والفتحات لرمي السهام، أو القار، أو الزيت المغلي، الذي يصب على العدو المهاجم، كذلك ترى فتحات المراقبة تعلو الباب والأبراج الصغيرة، وكذا تشاهد الأطناف (الكرانيش).
             ونقرأ رأياً لـ(باتيسيه) عن تأثير العرب في العمارة الأوروبية قال فيه: لا يجوز الشك في أن المعماريين الفرنسيين اقتبسوا من الفن الشرقي كثيرا من العناصر المعمارية المهمة والزخارف في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، ألم نجد في كاتدرائية (بوين) التي هي من أقدس العمائر المسيحية باباً مغشى بالكتابة العربية؟ أولم تقم في أريبونة وغيرها حصون وفق الأسلوب العربي(4).
            وفي بريطانيا، يدل أحد المداخل في مدينة (كنيلورث) الذي يرجع تاريخه إلى العام 1150م، على أن المعمار الذي صممه قد زار إسبانيا، فرسم قوساً داخل شكل مستطيل، ويكاد يكون ثابتا أن أصل العقود الإنكليزية التيودورية إسلامية، كما قام الإنكليز بتقليد المشربيات الخشبية العربية في القضبان والسياجات المعدنية، كما استخدموا الزخارف الإسلامية بشكل بارز في عمائرهم.
             ويظهر التأثير الإسلامي في عمائر شرق أوربا بتاثير الدول الإسلامية السلافية التي أسقطها الروس إبتداءا من العام 1250م، على يد إيفان الرهيب، ولاسيما دول البلغار والتتر في قازان، حيث نزح المسلمون نحو الشرق وأستقروا في روسيا البيضاء وبولندا وإلى الجنوب حتى رومانيا وبلغاريا ويوغسلافيا.
             ونجد اليوم بعض العمائر البولندية، أستخدم فيها عنصر المقرنص، ونجد زخارف ورسوم وريقات الشجر ثلاثية الفصوص في الكنيسة الأرمنية في مدينة (لوبوف) التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي.
              ومازال يحير القوم في مولدافيا شمال رومانيا، قبة بنيت على نفس طراز قبة محراب مسجد قرطبة المشهورة. أما العمارة الروسية فقد استعارت كثيراً من الفنون الإسلامية من خلال ميراثها لدولة التتر الإسلامية، ويظهر ذلك جليا في كنائسها الكثيرة ذات القباب البيضاوية الشكل· وفي بلغاريا شيدت العمائر التي تتجلى فيها التأثيرات الإسلامية من تاثيرات عثمانية صريحة، بالواجهات ذات السقيفة، كما في دير القديس (يوحنا) في مدينة ديلا، وترجع إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وفي استخدام القباب، وتداول عنصر الأبلق.
             لقد استهوت الكتابة العربية فنانو عصر النهضة، ونجده واضحاً فيما نقش على باب كنيسة (القديس بطرس في الفاتيكان)، وهو باب مؤلف من درفتين وكل درفة مؤلفة من ثلاث ألواح وتحيط الإطارات اللوحين الكبيرين كتابات عربية غير مقروءة جيداً، وكأنها مثل الكثير من المنتوج الذي قلد دون آلية روحية أو ناظمة،فظهرت مشوهة وتمادت بالتكرار حتى وطأت النأي عن الأصل، وبدت وكأنها طراز مستجد، وهبطت لحالة من الابتذال، ثم أثارت رغبة في التغيير، كما حدث مع الطرازين القوطي والباروكي.
            واستعمل الحرف العربي في أغراض الزخرفة والتصوير في الغرب وقد كان (لونغبرية Longperier) أول من لفت الانتباه الى ذلك في دراسته (إستِخدام الأمم المسيحية الغربية الحروف العربية في الزخرفة) والمنشور في المجلة الأثرية، ثم قام كريستي بنشر مقالة (تطور الزخرفة بالحروف العربية)(5).
             وفي بواكير القرن العشرين يعود الفضل لكشفها إلى بيترو تويسكا وبرنارد بيريتسون. وبعض المستشرقين مثل فرانشيسكو غابرييلي، الذي حاول البحث عن معاني هذه الخطوط والنقوش غير المفهومة التي تظهر في كثير من الأعمال حتى مطلع القرن الخامس عشر الميلادي.وباستثناء الفترة ما بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين حيث كانت تغلب نظرة سلبية على الخط العربي كرمز لمن اعتبروهم غزاة فإنه كان يلاقي في الحقب التاريخية الأخرى احتراما وإعجابا كبيرين حتى استخدمه الفنانون الغربيون لتزيين المنشآت الدينية.
             وقد أكتشف ماركو بوسالي الأستاذ الإيطالي بأكاديمية الفنون الجميلة في روما، نقش الشهادتين الإسلامية على الهالة التي تعلو رأس السيدة العذراء في الرسم المصور على لوح المذبح الكنسي والمعروف بـ(لوح بيزا) للفنان جنتيلي دا فابريانو والموجودة في متحف مدينة بيزا، حيث لاحظ بوسالي أن الباحثين والدارسين خلال العصور تعمدوا تجاهل هذه الكتابات بالغة الدلالة. وقد فسر بوسالي ذلك الى ان وجود الكتابة بالخط شبه الكوفي غير المفهوم للغربيين كان يستدعي لديهم بعدا سامياً تبلغه الروح ولا يطوله العقل(6).
            وتأثر فنانو مدرسة توسكانيا و فلورنسا وبيزا وسيينا إبتداءً من القرن الثاني عشر الميلادي. وقد ذكر كريستي دليلين على إعجاب الأوروبيين بالزخارف الخطية العربية مع جهلهم بمعناها، حيث وجد صليب ايرلندي مطلي بالبرونز البراق، يرجع عهده إلى القرن التاسع الميلادي، كتبت في وسطه عبارة البسملة بالخط الكوفي. وثمة عملة معدنية أكتشفت عام 1848م، أرقت المؤرخين حتى اليوم، ومازال السجال بشانها قائم، حيث كان قد سكها ملك يدعى أوفا offa ملك ميرسيه Mercia بين اعوام (757ـ796م)، وكان من أقوى ملوك إنكلترا في هذا الزمن المبكر.
         
          وحكم فيما يُطلق عليه اسم (إنكلترا الوسطى) (Middle England) التي كانت مملكته من ضمن سبعة ملكيات موجودة آنذاك. وقد وسّع مملكته بعد أن فتح هذه الملكيات الصغيرة حوله أمثال (كنت) (Kent) و(وست) (West) و(ساكسونس) (Saxons) و(ولش) (Welsh)، ووسع دائرة نفوذه حتى شمل كل أجزاء إنكلترا تقريبًا، ودخل في معاهدات مع ملك فرنسا (شارلمان) ومع البابا (أندريان الأول).
            ونعود إلى تلك السكة المعدنية المحفوظة بالمتحف البريطاني، حيث عليها أسم الملك باللاتينية وحوله كتابات (لا إله إلا الله محمد رسول الله). وبالرغم من التشكيك الذي يطلقه الغربيون من أن النقل حدث بعفوية وغير مقصود، ولأسباب زخرفية جمالية بحته، وذلك من أجل دحض حقيقة أن أحد ملوك الإنكليز المبكرين دخل الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
(1) جينيفر سكيرس، الثقافة الحضرية في مدن الشرق، كتاب عالم المعرفة، 308، أكتوبر2004، الكويت، ص44.
(2) صحيفة المدى، المدى الثقافي، 15/4/2006، بغداد، مقال خطوط عمودية تشكل نقطة انطلاق الفن الكاليغرافي الخطي.
(3) صحيفة المدى، المصدر السابق.
(4) غازي عيسى نعيم، مقال: أثر فن العمارة الإسلامية على فنون العمارة الغربية، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 532 الصادر في 3/9/2010، وزارة الأوقاف الكويت.
(5) نشره في مجلة (Burlengton Magazine)، المجلد 90ـ91
(6) نشر ذلك على صفحات مجلة (فن وملفات) المتخصصة في إيطاليا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.