Take a fresh look at your lifestyle.

أهمية رحلات الحج الفارسية في دراسة تاريخ النجف الأشرف الحديث والمعاصر

0 168
             يكتسي نص الرحلة بصفة خاصة،أهمية مضاعفة ومركبة عند توظيفه في مجال الكتابة التاريخية بوصفه مادة خام، فمن جهة يكتسب صفة المعاصرة المحكومة بعنصريي (الزمان/ المكان) لتقويم أهمية المصادر ودرجة فائدتها،
           فالزمان متمظهر باستمرار وملازم دائم لتدوين الرحلة وتطوراتها وهو انعكاس مزمن لكل فعالياتها وانطباعاتها شبه اليومية، فيما المكان أيضاً متجسد بشروطه الإنموذجية الفاعلة المتمثلة بمركب قراءة الذات والأخر، فغالب الموضوعات المنتخبة محكومة بشرط اكتشاف الذات وردم فجواتها والأماكن المجهولة فيها. والكشف عن مديات الفروقات الحسية والمكانية والمناخية فيها وكل ذلك عبر المقارنة والمقابلة مع الآخر.
             يبدو إن هذه صفات عامة تحكم نص الرحلة عند استثماره في مضمار الكتابة التاريخية. فيما الخصوصية تأخذ فاعليتها الواضحة في رحلة الحج الفارسية بوصفها مادة تاريخية خام لدراسة تاريخ مدينة النجف الأشرف في العصر الحديث والمعاصر، فمن جهة الكم هنالك أكثر من خمسين رحلة فعلية تم تحقيقها ونشرها احتوى معظمها معلومات وافرة عن مدينة النجف تخص مناحي متنوعة من الحياة العامة والدينية والاقتصادية…الخ،
             ومن جهة النوع فمدن العتبات المقدسة النجف وكربلاء تشكل للإيراني معبد مقدس ومرآة للكشف عن خطايا الروح وتطهيرها. لذلك يتم من خلالها اختزال مجمل مسيرة العمر.
           وعلى الرغم من الأهمية الفائقة للحج إلى مكة لكن يلحظ ان المكانة العليا المعطاة للأضرحة المقدسة في العراق يجعلها من الأهداف الرئيسة في نص رحلة الحج الفارسية بل بؤرتها المركزية،ولذلك يلحظ في كثير من الرحلات ان التاريخ (التقويم) المستعمل فيها هو السنة الأولى لخلافة الإمام علي (عليه السلام)، ولهذا يتعدى الذكر وصف الضريح والاختلاجات التي تترتب عليه مابين (الرحالة الحاج) والمكان المقدس وهو يمثل المركز إلى إعطاء توصيفات لحلقات ودوائر أوسع تأخذ أبعاد أفقية وعمودية،
                فعلى المستوى الأفقي لا يتم الاكتفاء بوصف الضريح (مركز الرحلة) وإنما يتعدى الأمر بتفصيل ظاهر إلى الطرقات البعيدة المؤدية إلى المكان المقدس ووصف كل ما يعترضه أو يعتريه من أوصاف وأخبار متغيرة بطبيعة موضوعاتها المنتخبة وزمان تدوينها من رحالة إلى آخر وربما الفروقات المتكررة التي تحملها الرحلة في هذا المستوى تخلق بيئة مناسبة للمقارنة والكشف عن المتغيرات الحادثة،
            فيما يمنح المستوى العمودي إمكانية هامة في الكشف عما عجزت العين التقليدية أي صاحبة المكان في توصيفة وتدوينه لحال التشبع والنمطية الذي عاشته لمدد طويلة فأصبحت غير قادرة على التشخيص والتميز، فيما الصورة تبدو مختلفة للرحالة الحاج فالمشاهدة الأولى تحمل في تصويرها ورؤيتها ما فات صاحب المكان في تدوينه والتقاطه، فتبرز هنا الأهمية في تجديد الكتابة عن تاريخ النجف بتوفر مادة حية معاصرة لم توظف أو تستهلك كما هو حادث في مجمل المصادر التقليدية التي أصبحت معلوماتها إلى حد ما مكررة، ومتداولة باستمرار.
               وتحمل رحلة الحج الفارسية ثلاث مشاهد رئيسة هي مشهد التهيؤ والخروج والذي غالبا ما يكون الحلم هو الحافز والدافع للخوض فيه وفي هذه المرحلة تتبلور الأسئلة الجوهرية الافتراضية ذات البعد المتخيل دفع إلى صياغتها وتشكلها حال الاشتياق لبدء عتبة جديدة للحياة الأخرى ولتزكية الحياة السابقة وتتويجها.
             والمشهد الثاني هو مشهد المسير ويتضمن وجهين للسفر ذهاباً وإياباً مع اختلاف يميزها، فالأول مسهباً وتفصيليا والثاني مختصرا وسريعاً، وغالبا ما يكون هذا المشهد محفوفا بالمعانات والمخاطر،لكن الذي يخفف الوطأة هو الهدف أو المقصد الأخير المتمثل بالمشهد الثالث والأخير وهو مشهد الوصول الذي يتم فيه التحقق بين المشاهد التخيلية وبين الواقع المرئي وفيها يتم إسقاط بعض الأفكار المسبقة وإنشاء أفكار أخرى.
             وتحمل هذه المراحل الثلاث في داخلها قدرة عالية للكشف عن بعض التمايزات الواقعية لمدينة النجف ولاسيما هنا مابين المحيط والداخل فقد قدمت توصيفا ديمغرافياً للأعراب وطريقة تعاملهم المتربص مع المدينة كما أنها تجاوزت التصنيف الثنائي الحاد (الفرس/ العرب) فهي عرضت لصور حميمية مملوءة بالإيجابية حيال العرب سكان المدينة ويبدو أن وجود الضريح مقصد الرحلة ساهم كثيراً في تكوين تلك الصور وإخراجها بهيئتها النهائية.
             وفضلاً عن البعد الحسي (المادي) لرحلة الحج الفارسية في تصويرها للاماكن المقدسة فهي أيضأ محتشدة بالبعد المخيالي وعلى وجه التحديد الأحلام التي تزداد كثافتها في نص رحلة الحج وربما هذه الكثافة نتاج أجواء مدن العتبات المقدسة المعبئة بفكرة التطهير والإعداد للحياة الآخرة،فأجواء مدينة النجف المفعمة بطقس الآخرة (لوجود مقبرة وادي السلام) التي تعد من أهم مواضع رحلة الحج، وفي هذا نقلة من الحياة الدنيا إلى العالم الآخر مع بيان لموضع هذه المدينة في ذلك العالم.
              ومما ميز رحلة الحج الفارسية بوصفها مادة أولية للكتابة التاريخية عن مدينة النجف إن مجملها يعود إلى العصر القاجاري يوم كان العراق تحت السيطرة العثمانية فهي قد وفرت مادة علمية وحيوية عن تاريخ هذه المدينة التي عانت كثيراً من قلة مصادر الدراسة في تلك الحقبة، اذ جاءت في كثير من الأحيان بتفاصيل وأخبار قل تناولها في المصادر الأخرى،
             فقد تنوعت الطريقة التي تناولت فيها تلك الرحلة أخبار النجف، بين تقارير شبه يومية لصاحب الرحلة للمناطق التي زارها وتجول فيها وهي تتضمن في الغالب وصف للضريح وعمارته وللأسواق وما يوجد فيها من بضائع مع ذكر أقيامها وطريقة تعامل أصحابها مع المتبضعين، وغالبا ما يذهب صاحب الرحلة إلى مقبرة وادي السلام لزيارة أحد أقاربه أو بعض المراقد الموجودة هناك فيبدأ بوصف بعض العمائر والأبنية الشاخصة،كم يذهب صاحب الرحلة إلى حمامات المدينة العامة، إذ يركزون الوصف على درجة نظافتها واتساخها، لأنها تدخل باستمرار ضمن طقس الغسل والاستعداد الروحي والنفسي لمراسم الزيارة.
            وقد تأخذ الرحلة أحياناً طريقة أخرى غير التقارير شبه اليومية اعتماداً على موضوعات محددة بعينها يختلط فيها العام مع الخاص وفق موضوعات ومطالب متغيرة بطبيعة صاحب الرحلة.
             وتتغيير طبيعة الرحلة ورؤيتها بحسب المرجعية الفكرية أو الوظيفية أو حتى جنس الرحالة (رجل/ امرأة)، فمما ماز رحلة الحج الفارسية تنوع مشارب وانتماءات أصحابها بين رجل بلاط أو صاحب سلطان وسياسة أو بين نخب ارستقراطية متعلمة تعليم عال أو حتى في بعض الأحيان بين متهجد صوفي طاعن في السن وجد خلاصه ومآله في تلك الرحلة أو امرأة تنحدر من ارستقراطية عتيدة يحيط بها الحشم، كل تلك الانتماءات ألقت بظلالها وصبغتها الواضحة على الزاوية التي ينظر بها صاحب الرحلة إلى النجف وتوثيق ما يراه يلائم تطلعاته ويشبع ميوله.
             وتنحصر رحلات الحج الفارسية مابين السنة 1153هـ/1740م التي ظهرت فيها أول رحلة تعود لذلك العصر وباسم بيان وقع (بيان الواقع) للخواجه عبد الكريم الكشميري وآخر رحلة في سنة 1339هـ/1920م المعروفة بـ(سفرنامه مك) (رحلة مكة) للطف علي خان العلائي، أي ما يقارب أنها غطت 180 سنة تقريباً.
             اختلفت الرحلات في قيمتها وأهمية المادة العلمية التي احتوتها مابين مفصلة ومختصرة كما اختلفت الطرق والمسالك التي سلكتها والمادة العلمية التي تضمنتها، من حيث طبيعة الأسلوب وطريقة التناول والاستحضار، ومن بين ابرز تلك الرحلات رحلة بيان واقع التي ركز فيها الكشميري على عمارة الضريح ولاسيما تذهيب قباب ضريح الإمام علي(عليه السلام) من قبل نادر شاه،
            وأورد بعض الإشارات الهامة للعلاقة المتوجسة الرابطة بين سكان المدينة داخل السور وبين الأعراب المتحينين للفرص، وتأخذ رحلة (تذكرة الطريق في مصائب حجاج بيت الله العتيق) للحافظ محمد عبد الحسين الهندي1231هـ/1815م أهمية وخصوصية بارزة في تركيزها على جانب المصائب والأهوال التي تعتري الحجاج في مسيرتهم الطويلة،
             فيما يخص النجف ركز الوصف على سكن (الحجاج/ الزوار) خارج أسوار المدينة وضربهم للخيام وما كانوا يتعرضون له بين الفينة والأخرى من سرقات اللصوص (1/276) كما خص بالوصف طريقة تعامل الأعراب الانتهازية في تأمين طرق وصولهم من وإلى النجف (1/279)، وتعد أيضاً رحلة مكة 1279هـ/1852م لسيف الدولة من الرحلات المميزة من حيث أسلوبها والطريق الذي سلكته فغطت الرحلة تقريبا معظم دول الشرق مثل مصر والدولة العثمانية،
             وقد قدم وصفاً مفصلاً للطرقات الواصلة إلى مدينة النجف والحياة الطبيعة من نباتات وحيوانات انقرض وجودها الآن فضلاً عن محطات القوافل (الخانات) الواقعة بين النجف وكربلاء والطرق النهرية أو البرية والأوقات التي تتطلبها كل طرق، واللافت في هذه الرحلة أنها بدأت بوصف مدينة النجف عن طريق الكوفة ومسجدها والمزارت الموجودة فيها،

            ويبدو أنها من أكثر الرحلات تفصيلاً وهذا ما يثبته العنوان الرئيس الذي خص به النجف وهو (تفصيل أوضاع مدينة النجف الأشرف وأحوالها) فتناول في ديباجته مناخ النجف وطبيعة أرضها والموارد الطبيعة فيها، ثم قدم عرضاً آثارياً عن عمارة الضريح ووصفا حياً لمقتنياته ومن قام بإهدائها من الملوك والسلاطين (2/150ـ170)،
              ومن الرحلات ذات الأثر البارز في ذكر النجف ومحيطها والتركيز على تفاصيل لم ترد في مصادر أخرى رحلة (منازل قمرية در سوانح سفريه) (المنازل القمرية في السوانح السفرية) لعلي حسين بن الخيرات 1298هـ/1880م فقد زار النجف واستقر فيها في طريق ذهابه إلى الحج و في طريق عودته إلى دياره، إذ يذكر أنه حينما حل بها لأول مرة استقر لمدة خمسة شهور،
            ولما كان صاحب الرحلة قد سلك الطريق النهري فانه قد دخل النجف عن طريق الكوفة إذ حل في مسجدها الجامع، فقدم عنه وصفاً حياً لمعظم عمارته مع تأكيده على تدوين الكتابات المنقوشة على الجدران والأبواب، ثم انتقل إلى مدينة النجف الأشرف وكان في ضيافة واحد من علمائها وربما لمكانة صاحب الرحلة العلمية نلحظ أنه سلط الحديث عن الدرس العلمي والحوزوي في عصره،
              كما أنه وصف الحياة العامة ولاسيما أسواق المدينة وطبيعة البضائع وأقيامها مقارنة بالمناطق التي زارها في الرحلة، ولم يغفل صاحب الرحلة ذكر ضريح الإمام علي ومحتوياته،
           فقدم وصفا لأبواب الضريح وما كتب عليها والمقتنيات الثمنية وآراء الناس حولها (2/670وما بعد) رحلة فرهاد ميرزا معتمد الدولة ابن عباس ميرزا وهو من علماء وسياسي العصر القاجاري، فقد احتوت رحلته على معلومات هامة عن النجف وطرقاتها وطبيعة الحياة العامة فيها.
             ومن الرحلات الأخرى رحلة حسام السلطنة وهو أخو فرهاد ميرزا 1297هـ/1879م .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.