Take a fresh look at your lifestyle.

صحيفة الإمام علي(عليه السلام) النحوية وحقيقة وضع النحو العربي

0 292
                     إن بداية كل علم أو فكرة تبدأ بهذه الصورة، والتي تتجه للكليات، كتقسيم الكلمة مثلاً، ثم تتوسع لتدخل في إطارها الجزئيات وهذه الحقيقة يقر بها أحمد أمين في كتابه (ورأينا المسائل تبحث بنظر أدق)، وهو يعترف بالتفاوت الفكري بين الإنسان الجاهلي والإسلامي، ويعترف بانتقال العلوم النقلية من علوم دينية ولغوية إلى العصر العباسي، أي أنها كانت بصورة بدائية على شكل (مسائل جزئية مبعثرة) ويعترف أيضاً: بأن هناك عوامل شخصية أثرت في العلم لو لم تحدث لأخرت سير العلم بعض الزمن).
إننا نعلم جيداً أنه بظهور الإسلام قد نضج المستوى الفكري عند الناس، وخصوصاً طبقة المثقفين، وفي تلك المرحلة بالذات ظهرت بدايات حركة علمية تعتمد التفكير الواعي في فهم المجالات الثقافية، كما نرى ذلك عند ابن عباس مثلاً، ولو أن ما صنعوه لا يرتفع في مستواه الفكري ـ بالطبع ـ إلى ما نراه اليوم في تلك المجالات، وهذا سيدفعنا إلى عرض موجز لروايات نشأة النحو ـ وهي روايات القسم الأول، إن صح التعبير ـ وإن كان كتب النحو والمدارس النحوية قد أسهمت فيها، ـ ولاسيما الحديثة ـ وهذه الروايات تؤكد نسبة وضع النحو إلى الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ومن أبرزها
رواية القفطي في الإنباه إذ قال: (الجمهور من أهل الرواية على أن أول من وضع النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، وقال أبو الأسود : (دخلت على أمير المؤمنين(عليه السلام) فرأيته مطرقاً، مفكراً، قلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحناً فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم اثبته بعد أيام، فألقى إليَّ صحيفة فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم الكلام: اسم وفعل وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمى والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل. ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة. ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ليس بمضمر ولا ظاهر).
وأكد هذه الرواية ابن الأنباري في كتابه (نزهة الألباب)، وقد عقد السيد حسن الصدر في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام)، فصلاً جمع فيه شتى الروايات والآراء التي نسبت وضع النحو للإمام علي(عليه السلام).
أما القسم الثاني: فهو الروايات التي تذهب بنشأة النحو إلى غير الإمام علي(عليه السلام).
هذا العرض السريع نموذج للروايات الكثيرة ـ في هذا المجال ـ والتي تطفح بها كتب النحو والتاريخ، ولم أجد من القدماء من ينكر صحة هذه الروايات إلا أفراداً قليلين أما المعاصرون فأكثرهم قد عارض هذه الروايات، وأثبت عدم صحتها وهناك آخرون من المعاصرين قد اتفق مع القدماء في تأييدها ولاسيما روايات القسم الأول ـ ومنهم ابن سلام في كتابه (الطبقات)، وابن قتيبة في (الشعر والشعراء)، وابن النديم في (الفهرست)، وأبي الطيب اللغوي في (مراتب النحويين)، والسيرافي في (أخبار النحويين)، وأبي هلال العسكري في (الأوائل)، والاصفهاني في (الأغاني)، والزجاجي في (أماليه)، وابن خلدون في (مقدمته)، والسيوطي في (الأشباه والنظائر). ونقل هؤلاء المصنفون روايات النحويين الكبار، الذين أشاروا بحقيقة وضع الإمام للنحو ومنهم: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعيسى بن عمر، والخليل، ويونس بن حبيب، وسيبويه، ومعمر بن المثنى، وغيرهم كثير.
ومن خلال ذلك كله تستطيع الوصول إلى الدليل الذي استند إليه المؤيدون في رأيهم، إذ يقول السيرافي وابن الأنباري: أن أبا الأسود أخذ العلم من علي(عليه السلام) ويُنقل عن الفخر الرازي قوله: وتطابقت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود وأنه أخذه أولاً عن علي. ويتبنى هذا الإجماع من المعاصرين الأستاذ العقاد، والدكتور عبد الرحمن السيد والدكتور كمال إبراهيم.
ولعل ما يثير الاستغراب أن يظهر فجأة من يحاول التشكيك في هذه النسبة ـ نسبة وضع النحو من قبل الإمام علي(عليه السلام) ـ أو يحاول تكذيبها، بعد تطابق القدماء وإجماعهم على صدق هذه النسبة ولكن الملاحظ في هذا المجال أن الباحث في العصر الحديث يختلف عن الباحثين في العصور السابقة بأنه لا يخضع للشهرة والتقليد، بل يحاول ـ بقدر جهده ـ أن يخضع أي فكرة للموازين والمقاييس الموضوعية الأمر الذي وجد الباحثون في هذه الروايات ما حفزهم على التشكيك أو التكذيب.
ومن المعاصرين أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام)، وإبراهيم مصطفى في بحثه في (مجلة كلية الآداب المصرية)، وسعيد الأفغاني في كتابيه (أصول النحو) و(تاريخ النحو)، وعبد الكريم الدجيلي في (مقدمة ديوان أبي الأسود الدؤلي). ويصاحبه9م جمع جم من المستشرقين الذين اعتبروا مثل هذه الأحاديث (حديث خرافة) أمثال دائرة المعارف الإسلامية وغيرهم. وقد رد على هؤلاء بعض معاصريهم فقال الدكتور كمال إبراهيم: (هذه كلها أقاويل وأحسبها لا تقوم على سند يعتد به والروايات التي هي أقرب إلى عهد الوضع هي الأحرى بالأخذ والثقة بها) ويستغرب محمد طنطاوي ـ في كتابه (نشأة النحو) ـ مثل هذا التشكيك أو التكذيب من قبل معاصريه في نسبة النحو للإمام علي(عليه السلام) أو لأبي الأسود بإذن من الإمام علي(عليه السلام) فيقول: (أفمن الغريب بعدئذ أن ينكر المستشرقون هذه النسبة المتواطأ عليه قديماً وحديثاً ولعلنا نتوقف الآن عند الإمام علي(عليه السلام) فهو واضع هذا العلم ولسنا بصدد من النزاعات المذهبية حول مسألة عصمته(عليه السلام) وحول الإمام حيث يطفح نهج البلاغة.
يمثل هذه التقسيمات والمصطلحات الأفكار الفلسفية وغير الفلسفية الراقية، والتي لم تكشف أسرارها إلا بعد مرور مراحل زمنية متعددة وليس ببعيد على أساس ذلك صدور هذه الصحيفة النحوية الدقيقة من مثل هذا الإنسان العظيم في تلك المراحل الزمنية البدائية.
ونحن نعلم أن النحو لم يوضع جزاماً وعبثاً، بل وضع لأجل مواجهة الظروف والأجواء الجديدة التي ظهرت آنذاك، فشيوع اللحن على ألسنة الناس وخطورته على فساد اللسان العربي لاختلاط العرب بغيرهم من الأمم التي دخلت في الإسلام هو السبب الرئيس في شيوع اللحن ولاسيما أن لدينا روايات تثبت ظهور اللحن زمن خلافة عمر وتدرج إلى زمن الإمام علي(عليه السلام) كما نقل أبو الطيب اللغوي في (مراتب النحويين) وقد تنبه الإمام علي(عليه السلام) لهذا الخطر الجسيم ودفعه إلى ذلك الحافز القوي الديني لما يترتب عليه من أخطاء كبيرة في فهم القرآن الكريم والأحكام الشرعية وغيرها من القضايا فقال(عليه السلام) ـ نقلاً عن الأنباري ـ: (إني تأملت كلام الناس، فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء ـ يعني الأعاجم ـ)، وكان مستشاره في ذلك أبا الأسود وكان ينقل إلى الإمام(عليه السلام) ما يسمعه من لحن الناس فقال أبو الأسود: (إني لأجد للحن غمراً كغمر اللحم) وأكد هذا التحسس والتنبيه ابن خلدون فقال: (وخشى أهل العلوم منهم أن تفسد الملكة رأساً ويطول العهد فينغلق القرآن والحديث على الفهوم).
وأكد على هذا المعنى أبو عبد الله الزنجاني في كتابه (تاريخ القرآن) الذي هو أساس الدين وحفاظاً من أن يطرق اللحن إليه، وقال ابن الأنباري: (وروي أن سبب وضع علي لهذا العلم أنه سمع إعرابياً يقرأ (لا يأكله إلا الخاطئين) فكان الإمام علي(عليه السلام) يحارب هذا الخطر الجديد باعتباره المدافع الأول عن حياض الإسلام وخليفة المسلمين وإمامهم صيانة للقرآن الكريم من الخطأ واللحن باعتباره إمام البلاغة والفصاحة فألقى الصحيفة إلى أبي الأسود وطالبه بنحوها.
نشرت في العدد 11

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.