Take a fresh look at your lifestyle.

نظرة.. في تجديد الخطاب الحسيني الآليات والأبعاد

0 278
                                                                                                                                  حيدر كريم الجمالي

  

 

          للخطاب الشيعي إسهام ملحوظ في صياغة البنية النفسية السائدة للجماهير الشيعية، ومن ثم تحديد علاقة الأجيال بواقعها المعاصر، انفتاحا أم انغلاقاً، تسالما أم تصارعا سكونا أم حركة فاعلة. ومن هنا كانت الشعائر تضطلع بمسؤولية مزدوجة في النقل الموضوعي للحدث التاريخي للأجيال، وصياغة الوعي في زوايا الفكر، لتكون قضية كربلاء الدائمة، الانتصار لنهج الإمام الحسين(عليه السلام) وتمثل أهدافه إذ أن الوعي ليس مجرد تراكم للمعلومات، أو الاجترار المكرر للأحداث بقدر ما هو استنارة في الرؤية للتاريخ، وفهم الواقع المعاصر بآفاقه وتحدياته، وهو ما يصطلح عليه القرآن الكريم بالبصيرة، وما وصف به الحسين(عليه السلام) أصحابه (حملوا بصائرهم على أسيافهم).

 

      والحقيقة إننا كلما اقتربنا من الإمام الحسين(عليه السلام) وثورته بدأ التلازم مع المفهوم القرآني، والانتقال تجسيداً للمعادلة القرآنية (إني مغلوب فانتصر) مما ارتقى بالثورة الحسينية إلى مصاف الانفراد والريادة والفعل التاريخي المؤثر.
      يقول الإمام الحسين(عليه السلام) في كلماته الشريفة (إلا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة) ويقول: (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر).
      لأن الخطاب الحسيني كما تقدم متلازم مع النص القرآني الذي يصف المؤمن بالعزة والعلو، والكرامة فالحسين(عليه السلام)
رمز البطولة والجهاد لا الانكسار والخنوع.

 

 

      هذه الروحية الحسينية الناهضة المجاهدة عبر عنها أحد الباحثين حين ذكر أن التشيع أنمى روحية وأكثر حرية، ولهذا قال غاندي محرر الهند: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر) إن أبناء المذهب اليوم من الفقهاء والعلماء والمثقفين والخطباء أمام مسؤولية إنتاج خطاب مؤسس لثقافة الانتصار التي من أبرز معالمها: بعث الروح، وإثارة العقل، وتعبئة الطاقات، وبلورة برامج الإصلاح والتغيير، فلا نبالغ إن اسمينا عصرنا بعصر البدائل.

 

          لقد أمر يزيد (لعنه الله) المؤذن ليقطع خطبة الإمام زين العابدين(عليه السلام) في تعتيم إعلامي، واليوم في واقع الفضائيات المفتوحة وثورة الاتصالات والمعلومات ليس لنا أن نتعذر بالمنع أو الظروف إذا ما تعمقنا أكثر في المحتوى الحضاري والإنساني للثورة الحسينية سوف نجدها بلا شك أكبر من كونها مجرد ثورة. فليس كل ثورة تمتلك استحقاق، الخلود في لوح التاريخ الممدود، لأن يميزها عن غيرها هو خلود مضمونها الرسالي الكبير، لأنها كانت تعبيرا عن نهضة، وأنها ثورة أحرار لا ثورة عبيد. فقد هيمنت على الوجدان المسلم، فصنعت منه كل التحولات التي شهدتها القرون اللاحقة، وأنت تجد أن ما أعقبها من ثورات، كثورة التوابين أو المختار أو حتى ثورة العلويين المتحالفين في بداية نضالهم مع الثورة العباسية ضد المشروع الأموي المقبور والذين رفعوا شعار الرضا من آل محمد، كلها كانت تستحضر الشعار الحسيني، وسواء أنجحت في ترجمة شعاراتها أم لا فإنها ثورات ملهمة من هذا الروح الحسيني الذي أعاد صياغة العقل المسلم باتجاه إمكانية التغيير للأفضل.

 

     في هذا الإطار يمكننا القول بأن النهضة الحسينية كانت في صلب المسألة الإسلامية، يتعلق بالمخاطب قبل المتلقي، فالخطاب الحسيني رهين ينضج وثقافة الحامل للخطاب. فيمكن أن يتقزم الخطاب فيأخذ شكل حامله حيثما أضفى على الخطاب رؤيته الضيقة. فالخطاب الحسيني قد يصبح عالميا كونيا إذا توافر الحامل الكوني والإنساني. أي أن يرقى الخطاب ليلامس وعي الإنسان ونضج العالم. ومن هنا يجب الأخذ بعين الاعتبار الذوق العام وثقافة المتلقي في تقديم رسالة الحسين(عليه السلام) واستنطاق ملحمة الحسين،وتأويل ثورة الحسين(عليه السلام).
     علينا أن نعيد قراءة المشهد وفق صياغة جديدة، وأن نقرأ الحسين(عليه السلام) مصلحاً كبيراً للأمة كل الأمة، وليس متحيزاً في حركته الرسالية لطائفة ما.

 

       إن توسيع الخطاب الحسيني وجعله عنوانا لوحدة الأمة أمراً ضرورياً بهذا اللحاظ، فالخطاب الحسيني: خطاب إسلامي، وإنساني مفتوح والإمام
الحسين(عليه السلام) طلب من محاصريه أن يسمحوا له بأن يتجه إلى ثغر من الثغور ليدرأ خطر الاقتتال بين المسلمين، كما أن ابنه زين العابدين(عليه السلام) رغم مواجع الاستضعاف الأموي وجرح ما شاهده من إباده لأهل بيته يقدم أنموذجاً للهم الوحدوي من خلال دعاء أهل الثغور الذي يلامس فيه قضية الأمة الكبرى والقلق على بيضة الإسلام بما يفوق الاعتبارات الشخصية والحسابات السياسية الضيقة والطائفية المقيتة.

 

 

     ولقد افترض الإمام الحسين(عليه السلام) أن خصومه لاسيما قتلته، كانوا لا يؤمنون بالمعاد ولا يخافون الله، لذا تقدم خطوة يخاطب ما يلزمهم برسم الضمير الإنساني فقال(عليه السلام): (فكونوا أحراراً في دنياكم إن كنتم عرباً كما تزعمون) فهو يتحدث عن الإنسان وعن الفتى وعن النفس المحترمة وعن الحق والكرامة…فكل ما نطق به هو مدرج في مطاليب بني البشر في نيل الحياة الكريمة الحرة ولذا رأينا الخطاب الحسيني مفهوما لدى شعوب العالم جمعاء لذا علينا أن نقف في الخطاب الحسيني على فكر احترام الآخر واحترام الحياة، حيث ليس استشهاد الحسين(عليه السلام) إلا فضحا لذلك النهج القائم على قتل النفس المحترمة.

 

       إن مسؤولية المبلغين والخطباء والحسينيين كبيرة، فعليهم أن يتحلوا بثقافة عالية تمكنهم في استحضار الوعي والذوق العام، ويكونوا أكثر توازنا والخطباء مطالبون أكثر من غيرهم بتحصيل حد أدنى من الثقافة العامة والاجتهاد في مراعاة الذوق المشترك وعدم الاستسلام للحس الانفعالي والعاطفي، الذي يقوم عادة على حساب منطق المحتوى الرسالي للمادة الحسينية.

 

     فقضية الإمام الحسين(عليه السلام) ليست مجرد وصف لمقتل بل هي أبعد بكثير لأنها وصف لقتل استتبع أشكالا من القتل لمشروع أمة ومشروع نهضة أي البعد الشأني للإمام الحسين(عليه السلام) وموقعيته الرسالية داخل الأمة. إن نضج الخطيب الحسيني وثقافته تنعكس بصورة تلقائية على المحتوى، فتكبر القضية بمستوى ثقافة الخطيب وعلمه وفي هذا السياق يمكننا الحديث عن نماذج تركت بصماتها على المنبر الحسيني من أمثال الشيخ الوائلي (رحمه الله) الذي استطاع أن يطور نمطا خاصا في الخطابة الحسينية، استدمج بها العلم والتحقيق بفن الخطابة وما تقتضيه من نكات بيانية، فكان نموذجاً للخطيب الذي يفقه عصره، ويفقه موقعية الخطيب الحسيني ومسؤوليته. وهناك نماذج كثيرة ومن هنا يجب أن ننطلق في قراءتنا لنهضة الحسين واستيعابنا لفلسفة عاشوراء، على أساس فقه الأوليات والاهم والمهم وتأويل الحدث والسمو برمزيته إلى ما يخدم نهضة الأمة وتقدمها ووحدتها >

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.