الإثنين , 28 سبتمبر 2020

ساقى الكوثر

قال ابن شهر آشوب رحمه الله: جاء في تفسير قوله تعالى: و سقاهم ربهم (1) يعنى سيدهم علي بن أبي طالب و الدليل على أن الرب بمعنى السيد قوله تعالى: اذكرني عند ربك (2) .

ساقي الكوثر في القصائد و المدائح:

1ـ الحميري:

فإنك تلقاه لدى الحوض قائما 

مع المصطفى بالجسر جسر جهنم‏ 

يجيران من والاهما في حياته‏ 

إلى الروح و الظل الظليل المكرم

و له أيضا:

و الحوض حوض محمد و وصيه‏ 

يسقي محبيه و يمنعه العدى

و له ايضا:

ألا أيها اللاحي عليا دع الخنا 

فما أنت من تأنيبه بمصوب (3)  

أتلحى أمير الله بعد أمينه‏ 

و صاحب حوض شربه خير مشرب‏ 

و حافاته در و مسك ترابه‏ 

و قد حازماء من لجين و مذهب (4)

2ـ ابن حماد:

و الحوض حوضك ليس ثم مدافع‏ 

في الحشر تسقي من تشاء و تمنع‏ 

عجبا لاعمى عن هداه و نوره‏ 

كالشمس واضحة تضي‏ء و تلمع

و له أيضا:

و هم سقاة للحوض من والاهم‏ 

يسقى بكأس لذة للشارب

و له أيضا:

و إن الحوض حوضك و البرايا 

إليك لدى القيامة مهطعينا 

و تحت لوائك المحمود تضحى‏ 

جميع الخلق دونك خاشعينا

3ـ العوني:

تسقي الظماء على حوض النبي غدا 

للمؤمنين بمملو من الحلب (5)

4ـ الزاهي:

بدر الدجى و زوجه شمس الضحى‏ 

في فضلها و ابناه للعرش القرط 

و من له الكوثر حوض في غد 

و النار ملك و الفراديس خطط

و له أيضا:

يا ساقي الشيعة من كأسه‏ 

عند ورود الكوثر الجاري‏ 

في يوم تبلو النفس ما قدمت‏ 

لسيد في الحكم جبار 

و النار في الموقف قد سعرت‏ 

لأخذ نصاب و فجار

5ـ حسان بن ثابت:

له الحوض لا شك يحيى به‏ 

فمن شاء أسقى برغم العدى‏ 

و من ناصب القوم لم يسقه‏ 

و يدعو إلى الورد للأولياء (6)

أقول: إذا أمعنت النظر في الأخبار و الأحاديث التي جاءت من الفريقين في صفة حوض النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الكوثر وجدت في خلالها عجائب من حيث المضامين و المعانى مثل كون ترابه المسك الأذفر، و حصاه الدر و الياقوت و المرجان، و حشيشه الزعفران، و ، و، و فتحدثك نفسك: ما المراد من هذه المعاني؟ هل يجب علينا أن نلتزم بظواهرها و نقول: إن في حوض النبي صلى الله عليه و آله و سلم أباريق كعدد النجوم، و فيه مرجان و ياقوت و در (7) ، أو يمكن أن نعبر من هذه الظواهر إلى معاني أعلى وأرقى و ألطف من ذلك؟ نعم، جاء هذا المعنى في قول الصادق عليه السلام على ما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله و هو:

في الأصل كنا نجوما يستضاء بنا 

و للبرية نحن اليوم برهان‏ 

نحن البحور التي فيها لغائصكم‏ 

در ثمين و ياقوت و مرجان‏ 

مساكن القدس و الفردوس نملكها 

و نحن للقدس و الفردوس خزان‏ 

من شذ عنا فبرهوت مساكنه‏ 

و من أتانا فجنات و ولدان (8)

فهل المراد من النجوم و الدر و الياقوت و المرجان في هذه الأبيات ظاهرها؟ أو وراءه حكمة و علم و معرفة؟ فإن الغائص في بحور علوم أهل البيت عليهم السلام له أنواع من المعرفة التي لا يقاس بها الياقوت و المرجان و الدر و غير ذلك من الأشياء التي تقربها عيون العامة عند سماعها،و لكن الخاصة و العظماء تفهم ما فوق ذلك،و تعلم أن هذه ألفاظ لضيق البيان عن كشف حقائقها، و هذا لا ينافى ظواهرها أيضا فلنختم هذا البحث بنقل كلمات من أفذاذ العلماء و عظمائهم:

الكوثر فى كلام الأعلام

1ـ قال المولى صدر الدين الحكيم الشيرازي رحمه الله: «قال بعض العلماء: «إنا أعطيناك الكوثر» فالكوثر صورته صورة الماء، و حقيقته حقيقة العلم، لست أقول: إن المراد من هذه الأمثال الواردة في القرآن مقصور على معانيها الباطنية العقلية من غير تحقق الصور المحسوسة كما يقوله الباطنية، كلا، بل نقول: الغرض منها العبور من مظاهرها إلى مطاويها، و من صورها إلى معانيها، فإن للقرآن ظهرا و بطنا، و تأويلا و تفسيرا.

ثم إذا شبه العلم مطلقا بالماء فيترتب عليه تشبيه أقسامه بأقسامه، كتشبيه العلوم الحقة الخالية عن الشبه و الشكوك بالماء الطاهر الزلال، و العلوم التي بخلافها بالماء الكدر المخلوط بالكثايف، و كتشبيه اليقينات الدائمة بالماء الجاري أبدا، و التي بخلافها بالماء المنقطع، و كتشبيه العلم الذي يفيض من عند الله بإلهامه بلا واسطة معلم بشري بالماء النازل من السماء الجارية في الأودية (9) بلا سعي و تعمل آلة و حفر قناة و استنباط، و الذي يحصل بالفكر و الروية كالماء المستنبط من الأرض بالحفر و نحوه، و الذي يحصل بالتقليد كالماء الذي يفرغ من حوض إلى حوض (10) ».

2ـ قال العلامة الفيض رحمه الله: «يخطر بالبال أن مثال الكوثر في الدنيا هو العلم و الحكمة، و مثال أوانيه علماء الامة، و لهذا فسر بالخير الكثير، فإن الله عز و جل يقول: و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و ما يذكر إلا اولوا الألباب (11) . و يؤيد هذا ما رواه بعض علماء العامة عن مولانا الصادق عليه السلام في تأويل الآية: إنا أعطيناك نورا في قلبك دلك علي و قطعك عما سواي، قال: و كان هذا منه عليه السلام نوع ‏إشارة كإشارات الصوفية لا أنه تفسير السورة.

أقول: و من شرب كأس العلم من مشرب التحقيق علم أن مثل هذه الاشارة يرجع إلى التفسير عند التحقيق، و يتحدان بحسب المعنى، لما عرفت مرارا: أن لكل حقيقة في كل موطن صورة و مثالا … (12) ».

3ـ قال العلامة الطريحي رحمه الله: «و الحوض الكوثر، و من كلام علي عليه السلام:

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب‏ 

و هاشم المطعم في العام السغب

لعل المراد بهما الحقيقة، و يحتمل أنه أراد العلم و الهدى (13) ».

4ـ قال العلامة الطنطاوي في تفسيره: «وصف الكوثر: طينته مسك أذفر، ماؤه أشد بياضا من الثلج، و أحلى من العسل، حافتاه من ذهب، مجراه على الدر و الياقوت، تربته أطيب من المسك، شاطئاه در مجوف.

وصف كيزانه و طيره: آنيته عدد نجوم السماء، فيه طير أعناقها كأعناق الجزور، و في رواية، كيزانه كنجوم السماء، من شرب منها لا يظمأ أبدا، و زواياه سواء، فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، و الذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء و كواكبها.

وصف الشاربين: في حديث مسلم: « قالوا: يا نبي الله تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء، و ليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إلى، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي! فيجيبني ملك فيقول: و هل تدري ما أحدثوا بعدك»؟ هذا ملخص ما جاء في الحوض من رواية البخاري أو مسلم.

إذا عرفت هذا فأصغ لما أتلو عليك من نبأ هذه الأحاديث و أسرارها: إعلم أن‏هذه الأحاديث وردت لغاية أرقى مما يراها الذين لا يفكرون، كم امم جاءت قبلنا و جاء فيهم مصلحون، فماذا فعلوا؟ ألقوا إليهم العلم بهيئة جميلة و صورة مفرحة و بهجة و جمال، و من قرأ كتاب «كليلة و دمنة» الذي لم تخل منه مدرسة من مدارس العالم الشرقي و الغربي في الوقت الحاضر إلا لها حظ من قراءته.

أقول: من قرأ هذا الكتاب عرف مقدرة الفيلسوف الهندي، و كيف جاء بالسياسة و نظام المدنية و العلوم الاجتماعية في قوالب المحادثات الحيوانية، فتارة يجعله في هيئة محاورة بين ثور و أسد، و تارة بين حمامة و غراب، و سلحفاة و فأرة، و هكذا مما سر العامة بظاهره الطلي الجميل، و علم الحكماء و العلماء بباطنه القويم.

و لكن ليس ذلك (أي التعبير النبوي) كما في «كليلة و دمنة» الذي يفرح به الجهال، و لكن الحكماء يرون الباطن هو المقصود، و الظاهر منبوذ، لأن البهائم لا تتكلم بداهة، كلا ثم كلا بل هنا ظاهر القول حق، و باطنه حق.

الجاهل يسمع الدر و الياقوت و شرابا أحلى من العسل، فيفرح به فيعبد الله ليصل إلى هذه اللذات، و هذا الجاهل أكثر أهل هذه الأرض، و العالم ينظر فيقول: إن هذا القول و راءه حكمة، و راءه علم، لأنني أرى في خلال القول عجائب، فلماذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم السماء؟ و أي دخل لنجوم السماء هنا؟ و لماذا عبر به؟ ثم يقول: لماذا ذكر أن الذين يردون الحوض يكونون عليهم آثار الوضوء؟ ثم يقول: لماذا ذكر أن عدد الآنية يكون أكثر من نجوم السماء؟ و لماذا هذه المحافظة كلها على عدد نجوم السماء؟

إذن يقول: لا، لا، الحق أن نبينا محمدا صلى الله عليه و آله و سلم يريد أمرين: أمرا واضحا جليا يفرح به جميع الناس، و أمرا يختص بالقواد و العظماء، إن النبوة بأمر الله، و الله جعل في أهل الارض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع، و جعل أطباء يستخرجون منافع من الحب و الشجر، و حكماء يستخرجون علوما، و كل‏لا يعرف إلا علمه، فالطبيب يشارك الفلاح في أنه يأكل، و لكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية، هكذا حكماء الامة الاسلامية يشاركون الجهلاء في أنهم يفهمون الحوض كما فهموه، و يردونه معهم كما يردونه، و لكن هؤلاء يمتازون بأنهم قواد الامة الذين يقودونها، فماذا يقولون؟

يقولون: إن النبي صلى الله عليه و آله و سلم يريد معاني أرقى،إن الجنة فيها ما لا عين رأت،و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، فليس الماء الذي هو أحلى من العسل، و أبيض من الثلج كل شي‏ء هناك و أي شي‏ء عدد نجوم السماء،و لماذا خصصت النجوم بالعدد،و الوضوء بالأثر؟

و الذي نقوله: إن الحوض يرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره، فما المسك الأذفر، و لا أنواع الجواهر النفيسة من در و ياقوت، و لا حلاوة العسل التي في ذلك الماء، و لا اتساع ذلك الحوض إلا أفانين العلم و مناظر بدائعه المختلفة المناهج،العذبة المشارب،السارة للناظرين.

إن هذه الأحاديث جاءت لترقية الامة الاسلامية بأن يردوا حوض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالعلم،و هذه الأحاديث تشير إلى أن هذه الامة سينبغ منها اناس لا نظير لهم ستطهر نفوسهم،و يكرعون من موارد العلوم الشريفة،و يشربون من حوض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و يدرسون العلوم التي بثها الله في هذه الدنيا و لا نهاية لها، و لا يذرون شيئا مما خلق الله إلا عرفوه على مقدار طاقتهم…فيصبحون خلفاء الله في الأرض فالقرآن يطلب هذه العلوم كلها. فمن قرأ الفلك باعتبار أنه آثار جمال الله فقد ورد بعض حوض رسوله صلى الله عليه و آله و سلم،و من درس الطب و الحكمة و التشريع أو عجائب النمل أو النحل كذلك او نظام كسوف الشمس و القمر فقد ورد بعض حوض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مع طهارة نفوسهم.

هذا هو سر حديث الحوض يدلنا على أن هذه الامة سيطول أمدها، ستكون لهم دول و حكماء و عظماء و انظر كيف يقول: إن هذا الحوض ببعد عنه اناس هم ‏مسلمون، و لكن يقال للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ـ كما في البخاري و مسلم ـ : «هل تدري ما أحدثوا بعدك؟» اولئك الذين يطردون من الحوض، هم الذين لم تستعد قلوبهم للعلم، و هم لم يسعوا له (14) ».

تعليقات:

(1) الدهر،76: .21

(2) ابن شهر آشوب:مناقب آل ابي طالب،ج 2:ص 162.و الاية في يوسف،12: .42

(3) لاحى فلانا:لامه و عابه.و الخناـبالفتحـ:الفحش بالقول.و التأنيب من أنبه:لامه و عنفه .

(4) الحافات: الجوانب و الاطراف. و اللجين ـ مصغرا ـ الفضة.

(5) الحلب ـ محركة ـ : اللبن.

(6) نقلنا الاشعار كلها من المناقب،لابن شهر آشوب (ج 2:ص 162ـ164) .

(7) كقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم:«رأيت نهرا في الجنة،حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف،فضربت بيدي مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر،فقلت:ما هذا؟قيل:الكوثر الذي أعطاك الله…أشد بياضا من اللبن،و أحلى من‏العسل،و فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت» (الفخر الرازي:تفسير الكبير،ج 31:ص 124) .

و كقوله صلى الله عليه و آله و سلم:«عرضه و طوله ما بين المشرق و المغرب،لا يشرب منه أحد فيظمأ،و لا يتوضأ منه أحد فيشعب»،و«عمقه سبعون ألف فرسخ،ماؤه أشد بياضا من اللبن،و أحلى من العسل،شاطئاه الدر و الياقوت و الزبرجد» (الالوسي:تفسير روح المعاني،ج 30:ص 244) .

و كقوله صلى الله عليه و آله و سلم:«عرضه ما بين أيلة و صنعاء…و أن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء»و:«حصاه (حصباؤه) الزبرجد و الياقوت و المرجان،حشيشه الزعفران،ترابه المسك الأذفر،قواعده تحت عرش الله عز و جل» (المجلسي:بحار الانوار،ج 8:ص 18) .

(8) المجلسي:بحار الانوار،ج 47:ص .26

(9) اشارة الى الآية 17 من سورة الرعد،و كقوله تعالى:و ما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح اجاج (فاطر،35:12) فإنه تمثيل للإيمان و الكفر،و هما نوعان من العلم.

و كقول أمير المؤمنين عليه السلام في«الكافى» (باب معرفة الإمام) :«و لا سواء حيث ذهب الناس الى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض،ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر الله لا نفاد لها و لا انقطاع»،فانه عليه السلام شبه علوم الائمة عليهم السلام بالعيون الصافية .

(10) شرح اصول الكافى/باب معرفة الامام،ص 477،ط طهران.

(11) البقرة،2: .269

(12) الفيض:علم اليقين،ج 2:ص .987

(13) الطريحي:مجمع البحرين/مادة«حوض».

(14) تفسير الجواهر/ذيل سورة الكوثر.و قد نقلنا كلامه بالتلخيص مع أدنى تغيير في العبارات .

أحمد الرحماني الهمداني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *