Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في مفهوم الإرهاب بين الاستعمال اللغوي والقرآني

0 355

تُعدّ كلمة (الإرهاب) من المصطلحات المعاصرة التي تعتبر من أساسيات مبادئ الأمن القومي والدولي، وقد استغلت لتهديد الشعوب المسالمة ولتمرير مخططات الأنظمة الاستعمارية في البلدان الفقيرة والنامية أو التي ترفض الاستبداد.
إنّ دلالة مفردة الإرهاب بمعناها العام تدل على الخوف والفزع والرجفة، وقد ورد في أساس البلاغة (وأرهبته ورهبته واسترهبته: أزعجت نفسه بالإخافة. وتقول: يقشعرّ الإهاب، إذا وقع منه الإرهاب)(1).
((رهب) رَهِبَ بالكسر يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً بالضم ورَهَباً بالتحريك أَي خافَ ورَهِبَ الشيءَ رَهْباً ورَهَباً ورَهْبةً خافَه… وأرْهَبَه ورَهَّبَه واستَرْهَبَه أَخافَه وفَزَّعه….واسْتَرْهَبَه اسْتَدْعَى رَهْبَتَه حتى رَهِبَه الناسُ وبذلك فسرّ قوله عزّ وجلّ: ( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: 164)، أَي أَرْهَبُوهم)(2).
وكذلك جاء في المعجم الوسيط (رهبه: رهباً، ورهبة، ورهاباً: خافه، ويقال: رَهِب فلان،… استرهبه: رهّبه…، (والإرهابيون: وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب، لتحقيق أهدافهم السياسية)(3).
وقد أشار القرآن الكريم إلى مفردة الإرهاب بمعانيها المختلفة، على الرغم من أن (لم يرد لفظ (الإرهاب) بصيغته التركيبية هذه، وإنّما وردت بعض الصيغ المختلفة من الأصل الذي اشتق منها، وهي :فارهبون، إسترهبوهم، يرهبون، ترهبون، فارهبون، رهباً، الرهب، رهبة)(4)
إذ نبتدء بذكر الآيات القرآنية التي وردت فيها مفردة الإرهاب والمعنى الذي جاء به القرآن الكريم، بأن تلك المفردة، قد وردت بعدة آيات قرآنية وبمعان مختلفة، (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة: 40، وقد جاءت هنا بمعنى الخوف من الباري، أي: فخافون(5).
كما جاءت بمعنى الهيبة والإخافة(6) في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60).
وكذلك في قوله تعالى: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: 116)، أي: حملوهم على أن يرهبوا(7).
ثم ذكر بأنّ الإسلام قد حارب الاختطاف: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26) وعدّه من ملامح الإرهاب الشديد لكونه ينطوي على ترويع وتخويف الآخرين.
كما حارب الإسلام ظاهرة قطاع الطرق وعدها (إرهاباً) وترويعاً للبشر: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 23).
وقد حرم الله قتل النفس إلا بالحق: (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33).
وكذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الاعراف / 7).
وكذلك قوله تعالى: (وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (النحل: 51)
وكذلك قوله تعالى: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: 164).
وجاء ت الرهبة والرهب بمعنى: مخافة مع تحرز واضطراب كقوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الحشر: 13)،
وكذلك قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الانبياء/90)، وكذلك قوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) (القصص:32).
وقد تكون الرهبة طويل الخوف في استمراره مع العلم به يقع على شريطة كذا وإن لم تكن تلك الشريطة لم تقع(8).
وقد جاء في المعجم الفلسفي أنّ: (الخوف انفعال نفساني يعرض عن تصور شر قريب الوقوع… وللخوف درجات متفاوتة الشدة أدناها الخشية (crainte)، وأعلاها الذعر (panique)، وشدة الخوف تكون في العادة متناسبة مع عظم المكروه المتوقع )(9).
أما في الشعر العربي فقد جاء في لسان العرب لابن منظور قول الشاعر(10):
وكَيْفَ أَرْهَبُ أَمراً أَو أُراعُ لَه
وقد زَكَأْتُ إِلى بِشْرِ بْنِ مَرْوانِ
ونِعْمَ مَزْكَأُ مَن ضاقَتْ مَذاهِبُه
ونِعْمَ مَنْ هُو في سِرٍّ وإِعْلانِ
وقال طرفة بن العبد (11)
لا كَبيرٌ دالفٌ من هَرَمٍ
أَرْهَبُ الناسَ ولا أَكْبُو لِضُرّ
فالنظرة المعاصرة لمفردة الإرهاب من الناحية السياسية والاجتماعية تراد بأن (الإرهاب: ذلك النهج القاسي الذي كان ولا يزال يمارس ضد الإنسانية وينتهك حرماتها… [و] الإرهاب أو الرعب أو التخويف، منظومة ألفاظ قد تتغاير في الصور لكنها تتحد في الجوهر والهدف في عالمنا اليوم، وتدلنا على ما في حياتنا من تراجع وانحدار وانسلاخ عن الإنسانية وابتعاد عن قيم الحق والعدالة… [وهو] أخطر سلاح أسسته السياسة ومارسته الدول ضد شعوبها عبر التاريخ البشري وقامت في ظله حكومات وتأسست أنظمة ولازال أخطر سلاح تشهره الدول العظمى لتصفية حساباتها مع بعضها أو مع خصومها من الدول الضعيفة أو الشعوب المستضعفة..)(12).
فالإرهاب بوصفه مصطلحاً لغوياً جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60)،.ويراد به التخويف، وهو من مستلزمات المجتمع الإسلامي، وهو بمعنى استعداد القوة الإسلامية لدحر أي عدوان على المجتمع الإسلامي أو على الدولة الإسلامية.
أما التداول الحديث لكلمة الإرهاب فحسب الرؤية الغربية أو قانون الأمن الدولي فتعتبره خروجاً عن القانون(13).
وفي هذا المفهوم يكون الإرهاب كلمة شاملة لا تقتصر على العنف المحض فحسب، وإنما تشمل الكثير من الميادين، فنقول أحياناً الإرهاب الفكري والإرهاب الفردي وإرهاب الدولة والإرهاب الجنسي (بين الجنسين).
إذ هو العمل المادي العنيف أو الفكري الضاغط الذي يحمل عنفاً معنويًا يدفع فرداً أو طبقة أو مجتمعاً ما إلى القيام بعمل لتحقيق مبرراته محددة لمصلحة ذلك الفرد أو الطبقة أو المجتمع(14).
والإرهاب هو مشكلة العالم في وقتنا المعاصر(15)، وهو بمفهومه العام والمعاصر وهو عملية قد تقوم بها دولة أو تقوم بها عدة دول وقد تشارك مع هذه الدولة مجموعة دول تشترك مجتمعة بارتكاب عمليات إرهابية معينة(16).
فضلاً عن ذلك فإن هذه الكلمة استعملت كسيف ذي حدين(17)؛ لإطلاق الكلمة على الذين يدافعون عن حقوقهم الشرعية في البلاد العربية والإسلامية فأصبح المظلوم في نظر الاستكبار العالمي ظالمًا وهو الذي يؤجج الإرهاب والفتن ويدعو إلى العنف على الرغم من حقه المشروع في الدفاع عن نفسه وأرضه وعرضه>

 

نشرت في العدد 71


1) أساس البلاغة (رهب)، الزمخشري : 351
2) لسان العرب (رهب)، ابن منظور الأفريقي المصري: 1 / 436، وينظر: القاموس المقارن لألفاظ القرآن الكريم، د. خالد اسماعيل علي: 212 – 213.
3) المعجم الوسيط (رهب)، لجنة من المؤلفين: 1 / 376.
4) مجتمع اللّاعنف – دراسة في واقع الأمة الإسلامية، حسن السيد عز الدين بحر العلوم،: 209.
5) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن
(رهب)، الراغب الأصفهاني: 367
6) ينظر: المصدر السابق: 367
7) ينظر: المصدر السابق: 367
8) ينظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: 271
9) المعجم الفلسفي،د. جميل صليبا، سليمان زاده، الطبعة الاولى، 1385 هـ، (الخوف) 1: 545.
10) لسان العرب ( زكا ) :1 / 90
11) المصدر السابق ( دلف ): 9 / 106
12) ظاهرة العنف والإرهاب.. أسبابها وحلولها، فاضل الصفار، مجلة النبأ، ع68، و69، 2002 م: annabaa.org/nba67-68/thahira.htm
13) ينظر: الارهاب في أكثر من اتجاه، د عبد المحسن يوسف جمال ضمن كتاب الأمن الإسلامي ومستقبل الأمة :377
13) المصدر السابق: 377.
14) ينظر: الارهاب تعريفاً وتحديداً، عبد الرحمن النعيمي ضمن كتاب الأمن الإسلامي ومستقبل الأمة: 382
15) ينظر: صانعو الإرهاب، محمد مهدي الآصفي ضمن كتاب الأمن الإسلامي ومستقبل الأمة: 387.
16) ينظر: مفاهيم الإرهاب، د. ناصر صرخود، ضمن كتاب الأمن الإسلامي ومستقبل الأمة: 389.
17) ينظر: الأمن الإسلامي ومستقبل الأمة، مؤسسة الإمام الخميني(قدس سره)،حميد حلمي زادة : 347

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.