Take a fresh look at your lifestyle.

أثر التنغيم والوقف في دلالة (هل) الاستفهامية

0 500

            عكف الدارسون، قدامى ومحدثون، على دراسة أسلوب الاستفهام، سواء أكانت هذه الدراسة في النحو العربي بصورة عامّة أم في النحو القرآني بصورة خاصّة.

              وفي أثناء شرحهم للاستفهام وأدواته، وقفوا عند (هل) الاستفهامية وبيّنوا أنّها حرف استفهام يستفهم به عن مضمون الجملة، وتستعمل للاستفهام الحقيقي أو للاستفهام المجازي، ومن ثم بيّنوا المعاني المجازيّة التي يخرج إليها الاستفهام بـ(هل)، ومن أشهرها: الأمر، التمني، العرض، والنفي، وتأتي (هل) بمعنى (قد) أيضاً(1).

             وقد وقف المحدثون عند دلالة (هل) وسبب اختيارها دون غيرها من الأدوات التي تؤدي المعاني المجازيّة التي تخرج إليها جملة (هل) الاستفهاميّة، ومن ذلك مثلاً وقوفهم عند موضوع (النفي بهل) وبيان إنّ (هل) لا تؤدي معنى (ما) النافية فقط، لأنّ معنى الاستفهام لا ينمحي في الجملة وتتغير من الإنشاء إلى الخبر، بل إنّ النفي بـ(هل) لا يُعَدُّ نفياً محضاً بل هو استفهام أُشْرِبَ معنى النفي(2).

               وقد تابع كثير من الباحثين هذا الرأي وأيدوه، إلا أن المتتبع والمدقق للدراسات التي وقفت عند الاستفهام وعند (هل) بالخصوص سوف لن يعثر على دراسة بيّنت أثر تنغيم الجملة الاستفهامية على المتلقّي، ولم يجد دراسة ربطت بين التنغيم وبين الأثر الذي يتركه الوقف على نهاية الجملة الاستفهامية وأثر ذلك على المتلقّي.

               ومن هنا انبثقت هذه الدراسة الصغيرة عن هذا الموضوع، وبيان أثر التنغيم والوقف على دلالة (هل) الاستفهاميّة في القرآن الكريم، وبما أنّ (هل) الاستفهاميّة وردت بأكثر من سياق في القرآن الكريم، فصار طرح الدراسة على الفقرات الآتية:

أولاً:

           (هل) في بداية السورة القرآنية.

         ذكر الزركشي (ت794هـ) ستّ سور تمّ افتتاحها بأسلوب الاستفهام منها سورتين تمّ افتتاحهما بـ(هل) هما سورتا الإنسان والغاشية(3).

            إذ افتتحت سورة الإنسان بقوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)، وللمفسرين في هذه الآية رأيان، فمنهم من يرى أن في الآية استفهام إنكاري(4)، ومنهم من يرى إن أسلوب الاستفهام هنا جاء بمعنى (قد) أي للتقرير(5). إذ لا يقصد الاستفهام الحقيقي من هذه الآية فهو استفهام خرج إلى معنىً مجازي.

            أما بالنسبة لسورة الغاشية فهي مفتتحة بقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) والخطاب هنا للنبي (صلى الله عليه وآله) والمقصود من (هل) أتاك (قد أتاك) على رأي جماعة من المفسرين(6)، ويبدو أنهم استندوا في هذا المعنى إلى الرواية التي وردت عن النبي (ص) ونص هذه الرواية الآتي:

          (مرّ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) على امرأة تقرأ: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ). فقام يستمع ويقول: نعم قد جاءني)(7).

         وهذه الرواية تبيّن لنا أنّ معنى التقرير الذي يخرج إليه الاستفهام بـ(هل) يتولّد نتيجةً لوعي المتلقي بهذا الأسلوب وتأثيره فيه فيقرّ بهذا الأمر، إذن معنى التقرير نتوصل إليه من تأثير النص على المتلقي، لا من النص فحسب.

         أما أبو حيان (ت745هـ) فله رأي آخر في هذه الآية وهو إنّ الاستفهام جاء في أوّل السورة القرآنية لفائدة جليلة مفادها (تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر)(8).

          وهذا الرأي هو الراجح في هذا البحث، ويبدو أنّ أبا حيان بعبارته هذه قد تنبّه إلى الأثر الصوتي الذي يتركه أسلوب الاستفهام على المتلقي فيؤدي إلى تحريك نفسه باتجاه هذا الخبر.

ثانياً:

         (هل) في بداية الآية القرآنية.

          مثّلت (هل) الاستفهامية كلمة البداية في آيات قرآنية عِدَّة، وقد جاء تعبير (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ) في بداية أكثر من آية في القرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ…)(الأعراف:53)، فمن الملاحظ أنّ جملة (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ) مستأنفة استئنافاً ثانياً، لأنّ قوله: (لَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ…) يثير سؤال من يسأل: فماذا يؤخّرهم عن التصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات؟ وهل أعظم منه آية على صدق الرسول ــ ص ــ؟

         فكان قوله (هَلْ يَنظُرُونَ) كالجواب عن هذا السؤال الذي يجيش في نفس السامع. والاستفهام إنكاري ولذلك جاء بعده الاستثناء ــ ومعنى (يَنظُرُونَ) ينتظرون من النِظرة بمعنى الانتظار. والاستثناء من عموم الأشياء المنتظرات، والمراد المنتظرات من هذا النوع وهو الآيات، أي ما ينتظرون آية أعظم إلا تأويل الكتاب…)(9).

         ولكن (هل) هنا لا يقصد منها (ما) النافية فقط؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت الجملة (ما ينظرون إلا تأويله)، بل إن التنغيم في أسلوب الاستفهام يختلف عن التنغيم في أسلوب النفي، فهناك فرق كبير بين التنغيمين، وطبعاً تنغيم الاستفهام يؤثر بشكل أعمق على المتلقي فلهذا اختير في التعبير القرآني دون النفي، هذا فضلاً عن تعاضد ظاهرة الوقف معه والتي تمثل عنصر تنبيه للمتلقي، إذ كلما وردت آية في بدايتها أسلوب (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ) كانت هناك علامة من علامات الوقف موجودة في نهاية أسلوب الاستفهام للفصل بينه وبين تكملة الآية الكريمة، وكما يأتي:

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ)(الأنعام: 158).

             فإذا أمعنا النظر في كلتا الآيتين السابقتين، فسوف نلاحظ فيها ظاهرتين صوتيتين تتعاضدان على التأثير في دلالتهما، وهاتان الظاهرتان هما: ظاهرة التنغيم(10)، وظاهرة الوقف(11).

            فإنّ تنغيم الجملة الاستفهاميّة في كل منهما له وقعه الخاص على المتلقي، إذ هناك فرق في تنغيم [هَلْ أَتَاكَ] أو [هَلْ أَتَى] وبين جملة (قد أتاك) أو (قد أتى) فالأسلوب الطلبي له نغمته الخاصة المؤثرة على المتلقي والتي يخلو منها الأسلوب الخبري، إذن فأي شخص يسمع أو يقرأ إحدى هاتين الآيتين، سيكون لوقع تنغيمهما أثر واضح عليه، فضلاً عن التأثير الذي يسببه الوقف في نهاية الجملة الاستفهامية، إذ إنّ هذا الوقف لا يمثّل فسحةً زمنيةً مجردةً يرتاح فيها القارئ من القراءة، بل هو عنصر تنبيه للمتلقي ينبهه للسؤال المثار، ويكسبه وقتاً يفكر فيه مع نفسه بمعنى هذا السؤال، وكذلك ينبهه للحدث المهم الذي سوف يتم الكلام عنه بعد هذا السؤال، ولم يقتصر أسلوب (هَلْ أتَاكَ) على بداية السورة القرآنية فحسب بل ورد هذا الأسلوب في آيات أخرى من القرآن الكريم، هي:

   (هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ)(ص: 21).

   (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ)(البروج: 7).

   (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ)(الذاريات: 24).

   (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)(النحل: 33).

   (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)(الزخرف: 66).

   (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا)(محمد: 18).

ثالثاً:

            (هل) في نهاية الآية القرآنية

            ورد الاستفهام بـ(هل) بكثرة في القرآن الكريم، إذ تجاوز وروده في عشرين آية قرآنية.

           وغالباً ما تكون الجملة الاستفهامية في نهاية الآية عنصر تنبيه للمتلقي تبيّن خلاصة الأفكار والمعاني التي عبّرت عنها الآية القرآنيّة، من ذلك ما جاء في قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ)(الأنبياء:80)، موضع الشاهد هو (فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ)، أي تنبيهاً لكلّ من يقرأ هذه الآية حتّى يسأل نفسه بعد توقّفه عند نهاية هذه الآية، هل شكر النعمة التي أنعمها الله سبحانه وتعالى عليه أم لا، ليس مجرد حدوث فعل الشكر فحسب إذ أنّ الآية عبّرت بصيغة اسم الفاعل عن الشكر فقالت: (شَاكِرُونَ) دون (تشكرون) أي تريد دوام الشكر لا مجرّد تلفّظ المتلقّي بذلك بقوله: (شكراً لله) عند سماعه أو قراءته لهذه الآية فحسب.

           نصل في الختام إلى أن هناك أثر نفسي يشعر به المتلقي عند قراءته أو سماعه لأسلوب الاستفهام بـ (هل) في القرآن الكريم، كما أن هناك أثر نفسي يتولد بسبب ظاهرتي التنغيم والوقف.

           إذ عند ملاحظتنا لجميع الأماكن التي وردت فيها (هل) في القرآن الكريم سواء أكان في بداية السورة أو في بداية الآية الكريمة أو في نهايتها، نجد اجتماع ظاهرتي التنغيم والوقف فيها يمثّل عنصر تنبيه للمتلقي الكريم يعمل على تنبيهه بأنّ الكلام هنا يدور حول موضوع مهم يحتاج منه أن يوليه عنايةً خاصةً وأن يتدبّر فيه.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)ظ: ابن هشام، مغني اللبيب:2/ 13 ــ 17، ومحمد عبد الخالق عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن الكريم: 3/ 484 ــ 487، ومحمد حسن شريف، معجم حروف المعاني في القرآن الكريم: 3/ 1141.
2)ظ: معاني النحو/ فاضل السامرائي: 4/ 208 وما بعدها.
3)ظ: البرهان في علوم القرآن/الزركشي: 1/ 129.
4)ظ: نظم الدرر/ البقاعي: 21/ 121.
5)ظ: مجمع البيان/ الطبرسي: 10/ 163.
6)ظ: المصدر نفسه: 10/ 257.
7)الدر المنثور/ السيوطي: 15/ 380.
8)البحر المحيط/الأندلسي: 8/ 457.
9)التحرير والتنوير/ ابن عاشور: 8/ 153 ــ 154.
10)التنغيم: هو تغيير في الأداء بارتفاع الصوت وانخفاضه في أثناء الكلام العادي للدلالة على المعاني المتنوعة في الجملة الواحدة. د. مناف الموسوي، علم الأصوات اللغوية: 134.
11) الوقف: (هو عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه القارئ بنية استئناف القراءة، فمن حيث الزمن يستغرق الوقف وقتاً يسمح بالتنفس، ويكون ذلك على رؤوس الآي أو أواسطها، ولا يكون في وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسماً من الكلمات. ومن حيث القصد فإن القارئ، يقف لا بنية الإعراض وعدم الاستمرار في القراءة، بل بنية الاستراحة التي تسمح له بالتنفس، والعودة مباشرةً لاستئناف القراءة) د. محمد يوسف، أثر الوقف على الدلالة التركيبية: 24.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.