Take a fresh look at your lifestyle.

سيد الشهداء(عليه السلام) والقرآن

0 326

      لقد تمثّل الإمام الحسين(عليه السلام)القرآن الكريم، وحفظ نصه، وأتقن أساليبه وطرق تعبيره، وأحاط بوجوه إعجازه لاسيما وأن معلمه الأول جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأباه أمير المؤمنين (عليه السلام) فأتقن ما ورد عنهما من أحاديث وخطب ورسائل فخبر عنهما طرق التعبير وفنونه فقد حمل الإمام الحسين(عليه السلام) عن جده وأبيه إرثاً عظيماً متمثلاً ببلاغة القول وفصاحة اللسان وقوة التعبير فهو سليل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل (1).
وكانت الصلة بين الإمام الحسين والقرآن الكريم عميقة جداً فالاتصال بينهما هو فوق حدِّ البيان وخارج عن وصف الأقلام، فكان(عليه السلام) عشيق القرآن وحليفه ليلاً ونهاراً، وخير دليل على ذلك ما ورد في زياراته، ففي زيارته في ليلة القدر: ((أَشْهَدُ أَنَّكَ أَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ، وَأَمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ، وَتَلَوْتَ الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ… ))(2)،
وفيها أيضاً قوله: ((السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ المَقامِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا شَرِيكَ
القُرْآنِ،. .. ))(3)، وكذا في زيارته في عيدي الفطر والأضحى المباركين قوله: ((وَأَشْهَدُ أَنَّكَ التَّالِيَ لِكِتابِ الله وَأَمِينُ الله الدَّاعِي إِلى الله بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ))(4).
الحسين(عليه السلام) شريك القرآن
أجل كان الإمام الحسين (عليه السلام) تالياً كتاب الله، وكان تالياً له حق تلاوته فقد أحكم القرآن بتلاوة آياته الكريمة، وبذل دمه ومهجته في سبيله، وأنه شريكٌ للقرآن من جوانب متعددة ومختلفة من ذلك أنه شارك القرآن في اثنين وثلاثين اسماً، وقد أعطاه الله تعالى لأجل ذلك خصائص القرآن وصفاته فهو (كلام الله حقيقة، وهو متكلم ناطق حقيقي، وجوده على نحو وجود الكلام لله تعالى، ومبّين لكلام الله الصامت، وأنهما لن يفترقا، وأنهما الثقلان اللذان خلفهما رسول الله المصطفى محمد(صلى الله عليه وآله))(5)،وأودعهما أمته.
أهمية القرآن
عند الحسين(عليه السلام)
لقد أمد الله الحسين(عليه السلام)
بإمدادات رحمانية وألطاف رحيمية سماوية فهو في مواطن يعجز فيها الأبطال عن الثبات والاستقامة يخرج بقوة إرادته واسترشاده من القرآن الكريم منصوراً ناجحاً قد غلب عدوه وبدّل خصمه العادي محباً وفياً له،
والشواهد كثيرة وحسبنا منها ما روي عن عصام بن المصطلق أنه قال: ((دخلت المدينة فرأيت
الحسين بن علي(عليهما السلام) فأعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال: نعم.
فبالغت في شتمه وشتم أبيه. فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال :أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ) (الأعراف / الآيات 199-202) ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك،انك لو استعنتنا لأعناك،ولو استرفدتنا لرفدناك،ولو استرشدتنا لرشدناك. قال عصام: فتوسم مني الندم على ما فرط مني. فقال: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92) أمن أهل الشام أنت؟
قلت: نعم. فقال: (شنشنة أعرفها من أخزم)(6) حيّانا الله وإياك، انبسط إلينا في حوائجك، وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنك إن شاء الله تعالى. قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت وودت لو ساخت بي، ثم سللت منه لواذًا وما على الأرض أحب إلي منه ومن
أبيه ))(7).
القرآن نهج الحسين(عليه السلام) في حركته
لم يفارق القرآن الكريم وتلاوته والاستشهاد به شفتي أبا عبد الله(عليه السلام)
في حِلِّهِ وترحاله وفي كل حركة وسكنة له(عليه السلام)، فقد روى الشيخ المفيد ((… فسار الحسين(عليه السلام) إلى مكة وهو يقرأ: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(القصص: 21)، ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير لئلا يلحقك الطلب، فقال: ( لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ). ولما دخل الحسين(عليه السلام)
مكة كان دخوله إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، دخلها وهو يقرأ: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)
(القصص: 22)…))(8).
الليلة الأخيرة والقرآن
أما حبه للقرآن فمن كلام له لأخيه العباس حين أنهى إليه أن القوم قالوا قد جاء أمر الأمير أن يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم: (( ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت قد أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار ))(9).
وهكذا مضى الحسين(عليه السلام) وأصحابه تلك الليلة يصلون ويتضرعون ويتلون القرآن. (( قال الراوي: وبات الحسين (عليه السلام)
وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلًا وكذا كانت سجية الحسين(عليه السلام) في كثرة صلاته وكمال صفاته))(10).
وفي اليوم العاشر في خطاباته للقوم لم تخلُ من الذكر الحكيم فقد كان يقرأ بآيات القرآن، ويترنم بها بل ربما يقرأها جهراً بحيث يسمعه كل من يمر به. قال الضحاك بن عبد الله: (( ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينًا(عليه السلام)
ليقرأ: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)(آل عمران: 178) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له: عبد الله بن سمير، وكان مضحاكاً وكان شجاعًا بطلًا فارسًا شريفًا فاتكًا فقال: نحن ورب الطيبون ميزنا بكم، فقال له برير بن خضير: يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين؟ قال له: من أنت ويلك، قال: أنا برير بن خضير فتسابّا ))(11).

بلاغة الحسين(عليه السلام) والقرآن
على أن سيد الشهداء(عليه السلام) كان ينتقي الآيات القرآنية بحسب المقامات المناسبة، ولعمري هذا قمة البلاغة لاسيما وأنّ العلماء قد عرّفوا البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال فمرة يقف على رأس شهيد فيقرأ آية الشهادة، وأخرى يقدّم ابنه الشاب وشبيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)
– علي الأكبر – فيقرأ آية الاصطفاء. قال السيد ابن طاووس: (( ثم خرج مسلم بن عوسجة فبالغ في قتال الأعداء وصبر على أهوال البلاء حتى سقط إلى الأرض وبه رمق فمشى إليه الحسين(عليه السلام) ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين(عليه السلام):
رحمك الله يا مسلم (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23))(12).
فأول من خرج منهم علي بن الحسين الأكبر وكان علي من أصبح الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا وكان عمره تسع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة أو خمسا وعشرين سنة وهو أول قتيل يوم كربلاء من آل أبي طالب، فاستأذن أباه بالقتال فأذن له ثم نظر إليه نظر آيس منه وأرخى عينيه فبكى ثم رفع سبابتيه نحو السماء وقال اللهم كن أنت الشهيد عليهم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا ومنطقًا برسولك وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه، ثم رفع صوته وتلا (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
(آل عمران: 33))(13).
أصحاب الحسين(عليه السلام) والقرآن
لم يكن الإمام الحسين(عليه السلام) وحده عاشقاً القرآن بل أعطاه الله أصحاباً خير أصحاب كانوا أهل القرآن وقراء كتاب الله ومعلميه يتلون آيات القرآن آناء الليل وأطراف النهار فكان من أصحابه من هو مقرئ للقرآن كبرير بن خضير الذي كان يلقب بشيخ القراء. قال السيد محسن الأمين: (( كان برير شيخًا تابعيًا ناسكًا قارئًا للقرآن من القراء ومن أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكان من أشراف الكوفة من الهمدانيين قال أهل السير إنه لما بلغه خبر الحسين (عليه السلام) سار من الكوفة إلى مكة ليجتمع بالحسين(عليه السلام)
فجاء معه حتى استشهد))(14)،
فلما رجع قاتله كعب بن جابر ((قالت له امرأته أو أخته النوار بنت جابر أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيمًا من الأمر والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبداً ))(15). ناهيك عن حبيب بن مظاهر الأسدي الذي نعته الإمام الحسين(عليه السلام) بوصف جميل وهو أنه كان يختم القرآن في ليلة واحدة في قوله (عليه السلام):
((لله درك يا حبيب لقد كنت فاضلًا تختم القرآن في ليلة واحدة))(16).
رأس الحسين(عليه السلام) والقرآن
لعل أعلى مظاهر عشق الإمام للقرآن قد تجلت ما لم يظهر من غيره ذلك أنه لم يدع تلاوة القرآن حتى بعد أن فرّق بين رأسه وبدنه فسمع صوت التلاوة يخرج من فمه الشريف في تلك الحال، وهو مظهر تفرد به سيد الشهداء دون غيره، وهو من أعجب الأعاجيب التي يتحيّر عندها العقول، وهو ما يفصح عن كمال علقة الحسين(عليه السلام) بالقرآن وشدة تعلقه وارتباطه به فقد كان رأسه الشريف المفصول عن الجسد يتكلّم ويقرأ القرآن ويترنم بآياته الكريمة، ومن ألطاف الله أنه قد نقل ذلك المخالفون أيضاً(17)،ومنهم الدميري في قوله: (( تكلم
بعد الموت أربعة: يحيى بن زكريا حين ذبح، وحبيب النجار حيث قال يا ليت قومي يعلمون، وجعفر الطيار حيث قال: (ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله… إلخ ) (آل عمران:169)، والحسين بن علي(عليه السلام)
حيث قال: ( سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(الشعراء:227))(18).
بعث عبيد الله بن زياد برأس الحسين(عليه السلام)
فدير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها. يقول زيد بن أرقم: (( مُرَّ به عليَّ وهو على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا) (الكهف: 9)) فقف – والله –
شعري وناديت: رأسك والله – يا ابن رسول الله – أعجب وأعجب ))(19)

نشرت في العدد 60


1) ينظر: الخطاب الحسيني في معركة الطف –
دراسة لغوية وتحليل / د.عبد الكاظم محسن الياسري27-28.
2) المزار / محمد بن جعفر المشهدي 415.
3) نفسه 426.
4) بحار الأنوار / المجلسي 98/353.
5) ينظر: الخصائص الحسينية / الشيخ جعفر التوستري 351-352.
6) مثل يُضرب للرجل الذي يشبه أباه. ينظر: جمهرة الأمثال / أبو هلال العسكري 1/541.
7) منازل الآخرة والمطالب الفاخرة / الشيخ المحقق عباس القمي207- 208.
8) الإرشاد / الشيخ المفيد 2/36.
9) بحار الأنوار 44/392.
10) اللهوف في قتلى الطفوف 57.
11) بحار الأنوار 45/3.
12) اللهوف في قتلى الطفوف 64.
13) أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين 1/607.
14) أعيان الشيعة 3/561.
15) نفسه 3/562.
16) شجرة طوبى / الشيخ محمد مهدي الحائري 2/442.
17) ينظر: العترة والقرآن / الشيخ علي الكريمي الجهرمي 107.
18) حياة الحيوان الكبرى / كمال الدين الدميري 1/86.
19) الإرشاد 2/117.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.