Take a fresh look at your lifestyle.

أمير غزوة مؤتة (( الطيّار )) جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)

0 282

       قبل الحديث عن ((الطيّار)) جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)، أود أن أَخرج عما سار عليه مؤرخو السير ومترجمو الرجال فأذهب أولاً إلى رأس النبع الذي أغنى الإسلام بالأفذاذ من قادة الميادين وسيوف الحق الذين رسّخوا قواعد الرسالة، وأغلقوا منافذ السطو على مقدرات الرعيّة، وبثوا العدل والمروءة وصدق الإيمان والمساواة بين الناس، حتى قلَّ مريدوهم وكثر المفترون المتخرصون عليهم طمعاً بحطام الدنيا الفانية، وحباً بالزعامات الزائلة، وإرضاءً للنفوس التي لا تريد نسيان مساوئ الجاهلية والعداء المبني على الحسد والغيرة، وكره القامات السامقة التي تسنمت هامات المجد والسؤدد بالخلق الرفيع والعطاء النافع.
لنقف قليلاً في رحاب نبع الخير سيد البطحاء وزعيم الصحابة المؤمن والمدافع الصلب عن مشروع الدين الجديد، عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومربيه أبي طالب بن عبد المطلب(عليه السلام)، ونسأل المتحمسين للطعن عليه: كم قدّمتم للدين مقابل ما قدم هو وأولاده وأولادهم من تضحيات؟ وكم حققتم من نتائج دخلت في بناء صرح العقيدة؟ أفيكم أو في رموزكم الذين أحطتموهم بكل ما أمكنكم من التعظيم والتفضيل، مثلاً واحداً قبالة أبناء أبي طالب برغم ما اختلقتم وجنّدتم من مال ورجال، واستنفدتم كل أساليب القهر والتنكيل والقتل.. لتثبيت إسلام مَن حارب الإسلام وأسبغتم عليه شرف الصحبة والعدالة. أمّا من حمى الإسلام ورسول الإسلام(صلى الله عليه وآله) فتنسبون له الكفر وأنه مات على غير دين الإسلام..
كما تدفعون مقام من قام الدين بجهاده وبذي فقاره ليحل محله مَن ولغ بدماء المؤمنين، وسعّر نيران الحروب، وختم جرائمه بأن سلّم رقاب الرعيّة إلى نغله الفاجر الخمّير قاتل ابن بنت سيد المرسلين و… و.. ولا نريد الوقوف طويلاً عند هذا المنعطف المظلم من تاريخ الأمّة، بل يحسن بنا الطواف بين مرابع الخير ومنابع النور ومصادر العدل.. وإذا كانت شمس علي أمير المؤمنين(عليه السلام) قد عمّ نورها الكون بأسره، فلا بأس أن نتنوّر بأخبار شقيقه المجاهد الشهيد جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)، أخبار تستحق الوقوف عندها وتأملها لاختلاف بعض المصادر في ترتيبها والإفصاح التام عن بعض مغلقاتها. والهدف من تجديد ذكرها اعتقادنا بأنّ في التعرض للشخصيات القيادية في مسيرة الرسالة الإسلامية دروساً تؤسس لبناء جيل يراد منه أن يحمل بعض صفات البهاليل الذين لم تستطع القرون من إخفاء آثارهم، لا لكونهم يتصلون بمن يحميهم من النسيان بل لعطائهم الذي لم تخمد جذوته، ومنهم أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب، وأُمّه فاطمة بنت أسد مفخرة الهاشميات ومن أوائل المسلمات وأول المهاجرات إلى المدينة مشياً على الأقدام، والتي عوّضت رسول الله(صلى الله عليه وآله) رعاية أُمه وحنانها فكان (صلى الله عليه وآله) يدعوها أميّ.
ويكنّى أبا المساكين؛ يقول ابن عنبة النسّابة:.. لرأفته عليهم وإحسانه لهم(1) ولم يزد على ذلك. فليس كل الرؤفاء بالمساكين تُطلق عليهم مثل تلك الكنية إلاّ أن تكون عنواناً بارزاً في سلوكهم متصلاً بروحهم لا يريدون الرياء والسمعة بقدر ما يريدون الإحساس بالمشاركة الوجدانية المنبعثة من الخلق الموروث لهذا البيت الطيّب.
وفي ولادته ما يدعو إلى التأمل، فهو ثالث أولاد أبي طالب بعد طالب وعقيل ويأتي بعده علي(عليه السلام) وبين مولود وآخر عشر سنين.
وهنا يكمن الاستغراب بخصوص الفواصل الزمنية الثابتة بينه وبين إخوانه ولم تجد خلافاً بين المؤرخين في ذلك. فهل هي معجزة حصلت قبل الإسلام لهذا البيت خاصة؟ أم هي كرامة محجوبة السبب؟ وهل لها مصداق في مواليد الناس الآخرين؟ أم هي حالة لا تفسير لها ربما ألصقها الرواة وتسالم عليها المؤرخون؟.
فقد روي أن أول نزول لجبرئيل لتبليغ الرسالة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كان فيها رسول الله نائمًا في الأبطح بين علي وجعفر فنزل جبرائيل ومعه ميكائيل، فجلس جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، ولم ينبهه جبرئيل إعظامًا له، فقال ميكائيل لجبرئيل: إلى أيهم بعثت؟ قال: إلى الأوسط….(2)، فسؤال ميكائيل لجبرائيل: إلى من بعثت ؟ـ وهو الملك المقرب من الله سبحانه، إنما يدل على منزلة علي وجعفر(عليهما السلام)، لأنه لم يستطع أن يميز أيهم الرسول الخاتم.
وحين مرّ أبو طالب ومعه جعفر، فشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي وإلى جانبه علي(عليه السلام) يصلّي فقال أبو طالب لجعفر:
(( صِلْ جناح ابن عمك ))(3) وهذا الخبر تجاوز حد التواتر، وأن جعفراً أسلم بعد علي(عليه السلام) مباشرة، وقبل أن يدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) دار الأرقم(4) أمّا اليعقوبي في تاريخه فيروي عن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي أن جعفراً أسلم في يوم الدار(5) وهذا الخبر لا يصمد أمام الخبر الذي نال مرتبة الإجماع..
ومن صفات جعفر(عليه السلام) أنه نقي العقيدة لم يخامره شك أو شرك، ولا مرَّ في وجدانه غير نور التوحيد، وقد ورث عن آبائه الحنيفية ودين إبراهيم(عليه السلام) وتقديس الكعبة بصفتها بيت الله العتيق لا لكونها بيتاً لوثن أو صنم. وكان من أصلب المؤمنين الذين تحملوا غطرسة جبابرة الكفر والضغط الأموي وتجّار قريش وجهّالهم.. وكان على رأس الهجرة الثانية لأرض الحبشة وكانت قيادته للمسلمين في مملكة النجاشي ناجحة، وهو الأكبر شأنًا والأشرف نسباً والأفقه قولاً والأقدر حجة حتى أقنع النجاشي بصواب طروحاته وأفحم خصمه باقتداره المستند إلى كتاب الله المجيد، وبهذا كسب صديقاً كان القريشيون يعوّلون على علاقاتهم به فخسروه برغم ما جلبوا له من الهدايا النادرة والتي تضاءلت أمام كلام الله جل جلاله ونور الإسلام العظيم.
وسكن جعفر في الحبشة وتزوج وأنجب جميع أولاده فيها(6) ثم عاد (عليه السلام) إلى المدينة المنوّرة عند فتح خيبر، فسُرّ به رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وقد ورد في فضل جعفر أحاديث نبوية شريفة منها ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني وابن عبد البر: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما فتح خيبر، قدم جعفر من الحبشة فلزمه
رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجعل يقبّل بين عينيه ويقول: ((ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر )) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((خير الناس حمزة وجعفر وعلي )) وفي تفسير الشيخ الجليل فرات بن إبراهيم الكوفي: ((… وجعفر ذو الجناحين والقبلتين والهجرتين والبيعتين، من الشجرة المباركة، صحيح الأديم وضاح البرهان ))(7).
غزوة مؤتة:
لم يكن من السهل إثارة السؤال الذي ينضح غرابة حين النظر إلى كيفية صدور الأمر بتوجّه ثلاثة آلاف مقاتل إلى صقع بعيد عن الإمدادات قبالة أكثر من مائة ألف من مقاتلي الروم والعرب الغساسنة، فللّه ولرسوله الأمر أولاً وآخراً.. والسبب الذي كان وراء الغزوة هو خرق العرف ومخالفة السنن التي كانت متّبعة في حينها بعدم قتل الرسل والمبعوثين، وقد حصل أن بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحارث بن عمير الأزدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال نعم، فأمر به فأوثق رباطاً ثم قدّمه فضرب عنقه صبراً.. وبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بقتل الحارث، فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجرف فلما أجمعوا المسير عقد رسول الله لهم اللواء.. وهنا اختلف المؤرخون في الأمير الذي تسلم الراية، فاليعقوبي يقول:.. وروى بعضهم أنه قال: أمير الجيش زيد بن حارثة، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحه، فإن قتل عبد الله فليرتض المسلمون مَن أحبوا. وأضاف اليعقوبي قائلاً: وقيل بل كان جعفر المقدم ثم زيد بن حارثة ثم عبد الله بن رواحة(8) وفي تعقيب هامشي يقول مصحح كتاب عمدة الطالب المرحوم السيد محمد حسن الطالقاني: في تقديم زيد أميراً على جعفر: ينافيه جلالة جعفر وحزمه وإصابته في الرأي وبسالته ومثله لا يتقدم عليه أحد(9) ويؤيد هذا الرأي ابن أبي الحديد المعتزلي ويشفعه بالشواهد الشعرية فيقول:
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
وزيد وعبد الله حيث تتابعوا
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم
أغرّ كضوء البدر من آل هاشم
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
جميعاً وأسياف المنيّة تقطر
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أبيٌّ إذا سيم الظلامة أصعر
وكذلك قول كعب بن مالك الأنصاري:
ساروا أمام المسلمين كأنهم
اذ يهتدون بجعفر ولوائه
حتى تقوضت الصفوف وجعفر
طودٌ يقودهم الهزبر المشبل
قدام أولهم ونعم الأوّل
حيث التقى جمع الغواة مجدّل(10)
وقبل بدء المعركة غير المتكافئة ظهرت بوادر ردّة الفعل السلبية التي أحدثتها الجموع الهائلة من مقاتلي الروم وحلفائهم في نفوس المقاتلين المسلمين، فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله فنخبره، فإما أن يردّنا أو يزيدنا رجالاً… مما دعا عبد الله بن رواحة إلى أن يشجعهم بقوله: ما كنّا نقاتل الناس بكثرة عدد ولا كثرة سلاح ولا كثرة خيل إلاّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به… إنما هي إحدى الحسنين…(11)
قال الزهري لقد كان قتال جعفر شديداً، ثم اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها وقاتل حتى قتل، وكان أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام(12) قاتل حتى قطعت يده اليمنى فأخذ الراية بيده اليسرى ولما قطعت اعتنق الراية إلى صدره حتى قتل(13) قال الواقدي: روى نافع عن ابن عمر أنه وُجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان وسبعون ضربة وطعنة.. وقال البلاذري: قطعت يداه ولذلك قال
رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة ولذلك سُمي ((الطيّار))(14) وكان عمره يوم قُتل 41
سنة (15).
مرقد جعفر الطيار (عليه السلام):
مؤتة قرية من قرى البلقاء في حدود الشام على اثني عشر ميلاً من أذرح وهي ضيعة تعرف بـ (مؤتة)، بها قبر جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) (16) وورد أن العاهل الأردني عبد الله الأول بن الحسين أمر بإعمار قبر جعفر وقبر زيد وقبر عبد الله، وكل قبر يبعد عن قبر صاحبه مائة كيلو متر(17)

ولا أظن أن مساحة المعركة تتحمل مثل هذه المسافات والأرجح أن ثمة خطأ في النقل أو في الطبع. وينقل السيد عبد الرزاق المقرم عن الشريف عبد الله المحامي في المحكمة الشرعية في عمّان أنه بأمر الأمير عبد الله عاهل المملكة الأردنية سنة 1386هـ نزل إلى القبر فرأى بدن جعفر الطيّار… لم يتغير من بدنه شيء(18) أمّا ابن عنبه فيقول: ودفن جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة في قبر واحد وعمي القبر(19) بينما يقول محمد حسين هيكل في كتابه محمد ص378: وفي رواية أن جثة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بعد ثلاثة أيام من وصول خالد بن الوليد والجيش إليها(20).
والذي عليه أغلب المصادر إن قبر جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) في مؤتة… مشيَّد عليه قبّة قديمة وله حرم وإلى جنبه مسجد (21)

نشرت في العدد 62


المصادر:
1) عمدة الطالب.. ص35
2) رواه الفتال النيسابوري في روضة الواعظين/ص52.. المناقب لابن شهراشوب: ج1، ص43..حلية الأبرار/هاشم البحراني ج1،ص70..
تفسير القمي ج2ص13… وغيرهم
3) تقويم الشيعة ص131 عن أمالي الصدوق.
4) المصدر السابق.
5) تاريخ اليعقوبي 2: 21.
6) عمدة الطالب ص 228.
7) محمد حرز الدين / مراقد المعارف 1: 226.
8) تاريخ اليعقوبي 2: 54.
9) عمدة اطالب ص35.
10) شرح نهج البلاغة 15: 62-63.
11) المصدر السابق: 15: 67.
12) تقويم الشيعة: ص129.
13) عمدة الطالب ص35.
14) شروح نهج البلاغة 15: 67.
15) مراقد المعارف 1: 224 عن الاستيعاب والعمدة.
16) المصدر السابق.
17) المصدر السابق 1: 225.
18) المصدر السابق.
19) عمدة الطالب: ص36.
20) مراقد المعارف1: 226.
21) المصدر السابق1: 224-225.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.