Take a fresh look at your lifestyle.

أبو الصلت الهروي… وأهم ما روى في مسنده

0 579

            كان منذ الطفولة يحب مجالس العلم والعلماء لا سيما الحديث، إذ كان يتحمل وعثاء السفر، لذا أصبحت كلماته تفيض علماً وحكمة وحياة ونوراً، فصار أديبًا وفقيهًا وعالمًا ومُحَدِّثًا.

          سافر إلى بلدان إسلامية كثيرة للبحث عن الرواية الصحيحة، فقصد بغداد والكوفة ونيشابور والحجاز يلتمس نوراً ويتخطى العقبة حتى هداه الله السبيل الذي كان يرجوه. عاصر الإمام الرضا (عليه السلام) والإمام الجواد (عليه السلام) وأدرك عهد الإمام الهادي (عليه السلام)، فياله من عمر مديد، مليئ بالعطاء.

  ولادته:

           ولد عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة القرشي (أبو الصلت الهروي)(1) في المدينة المنورة سنة 160هـ وسكن نيسابور وتوفي فيها سنة 236هـ، وله مزار يبعد عن مشهد نحو أربعة كيلومترات. يتردد على هذا المكان الشيعة والسنة لمكانة صاحبه الذي كان من رجال العلم وأصحاب الفضل والحديث البارزين، كذلك كان من المؤلفين في التأريخ الإسلامي، ومن آثاره العلمية كتاب أحوال ووفاة الإمام الرضا (عليه السلام).

           التحق بركب الإمام الرضا (عليه السلام) في زمن سفره (عليه السلام) من المدينة إلى خراسان، وهناك رواية أنه التحق بالإمام في نيشابور، وأصبح من المقربين منه ومن حفظة سره، اكتسب العلم والمعرفة من وجوده حتى زمان شهادته، وعرف في التاريخ بصاحب الإمام وخادمه المقرب.

             بعد شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) أوقف حياته في سبيل رفع راية الإسلام، وعِلْم وحقيقة الإمامة وحسب وصية الإمام الرضا (عليه السلام) إذ نطق بالحق والصواب والتوحيد والإيمان والصلاح والرحمة رغم الذين شاقوه، فغلب أعداءه الزائغين عن الحق. اجتهد في إحياء علوم أهل البيت (عليه السلام) ونشر مذهب التشيع حتى أدى الأمر إلى غضب دار الخلافة العباسية، فأمر المأمون بمطاردته وسجنه لمدة سنة، وقد خرج من السجن بفضل الله وشفاعة الإمام الجواد (عليه السلام).

           لهذا العبد الصالح المقرب من شمس الشموس (عليه السلام) كرامات كثيرة أهمها شفاء المرضى وقضاء الحوائج بأمر الله في جميع البلدان الإسلامية لمكانته المرموقة عند المسلمين جميعاً، وقد حصل هذا الرجل على منزلة صالحة مرضية، وهو شيعي جَلِد، وكان مجاهراً بعقيدته أيضاً.

           وعندما علم أبو الصلت الهروي أن المأمون العباسي سمّ الإمام الرضا (عليه السلام)تميز غيظاً وتحدث بلسانٍ رطبٍ عن هذه الجريمة، غير مكترث بالمأمون وبطشه.

         أود أن أشير بإيجاز لما دوّنه من روايات ونشره عن الإمام الرضا (عليه السلام) وتحت عنوان مسند أبي الصلت الهروي:

    1ـ عندما هلك هارون الرشيد نمت شجرة مقاومة التشيع من جديد، وبدأ المجتمع الشيعي يتردد على المدينة ويجتمع حول الشجرة المتسعة المظلة شمس الشموس الإمام الرضا (عليه السلام)،

         خافت حكومة المأمون من هذا الخطر المتفاقم إذ كان هو الأقوى والمؤثر في المجتمع الإسلامي، فابتكر المأمون مؤامرة ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام) وهي سلاح ذو حدين، إن قبلها الإمام فقد قتله معنوياً، وإن رفضها قتله جسدياً،

        ولهذا ينبغي أن يأتي بالإمام (عليه السلام) من المدينة إلى مرو ويحتل مقام ولاية العهد في الحكومة العباسية، وبذلك يحقق المأمون إخراج الإمام (عليه السلام) من العاصمة الروحية وحرم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة المنورة ويظهر للرأي العام الإسلامي أن الإمام (عليه السلام) بقبوله ولاية العهد قد ترك جهاد آبائه في إعلاء كلمة الحق وسلك طريق الدنيا، وبذلك إسقاط هيبته وإمامته،

        إلا أن الإمام (عليه السلام) رفض ذلك بشدة، ولكن المأمون أصر على ذلك فجهز كتيبة بقيادة الرجاء بن الضحاك وأوفدها إلى المدينة لجلب الإمام (عليه السلام) وأوصى بأن يأتوا به عن طريق لا يمر بقرية أو مدينة حتى لا يراه الناس. ولعلم الإمام (عليه السلام) بالخطة قال لعياله ولبني هاشم: أقيموا عليَّ مجلس العزاء فإني لا أرجع من هذا السفر.

          وقد قال مؤرخو الشيعة بأن الإمام (عليه السلام) نعى نفسه في موضعين، الأول بإقامة العزاء في المدينة، والآخر بقوله للشاعر دعبل الخزاعي ضع هذا البيت بعد (وقبر ببغداد لنفس زكية):

          وقبر بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ             ألحت على الأحشاء بالزفراتِ

         (فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟ فقال الرضا (عليه السلام): قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له)(2)،

         وقد جاءوا بالإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة المنورة إلى نيشابور عبر الصحراء، ثم إلى مرو. وفي نيشابور اجتمع الناس لاستقباله حتى كانت الأرض كالبحر الخضم اللجّي.

    وقال أبو الصلت: ولقد سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول:

          (كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسالة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها)(3).

         ولا ريب في ذلك (فإن موسى بن جعفر (عليه السلام) كان يقول لبنيه: (هذا أخوكم على بن موسى عالم آل محمد، فاسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم، فإني سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) غير مرة يقول لي: إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين علي (عليه السلام))(4).

    عرض الخلافة على الإمام (عليه السلام) وكذلك ولاية العهد:

           عن أبي الصلت الهروي، قال: إن المأمون قال للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله قد عرفت علمك وفضلك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة مني. فقال الرضا (عليه السلام): بالعبودية لله عز وجل أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عز وجل، فقال له المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها وأبايعك.

            فقال له الرضا (عليه السلام): إن كانت هذه الخلافة لك والله جعلها لك فلا يجوز لك أن تخلع لباسًا ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا بن رسول الله فلا بد لك من قبول هذا الامر، فقال (عليه السلام): لست أفعل ذلك طائعًا أبدًا. فما زال يجهد به أيامًا حتى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تجب مبايعتي لك فكن ولي عهدي تكون الخليفة بعدي.

           فقال الرضا (عليه السلام): والله لقد حدثني أبي، عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني أخرج من الدنيا قبلك مسموما مقتولا بالسم مظلوما تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد. فبكى المأمون، ثم قال له: يا بن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (عليه السلام): أما إني لو أشاء أن أقول لقلت من يقتلني؟ فقال المأمون: يا بن رسول الله إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الامر عنك، ليقول الناس إنك زاهد في الدنيا.

           فقال الرضا (عليه السلام): والله ما كذبت منذ خلقني ربي عز وجل وما زهدت في الدنيا للدنيا وأني لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق، قال: لك الأمان، قال: تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعًا في الخلافة؟

          فغضب المأمون: ثم قال إنك تتلقاني أبدًا بما أكرهه، وأمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك فإن فعلت وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا (عليه السلام): قد نهاني الله تعالى أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الامر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل على أني لا أُولي أحدًا ولا أعزل أحدًا ولا أنقض رسمًا ولا سنةً وأكون في الامر من بعيد مشيرًا. فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه (عليه السلام) بذلك(5).

    لماذا أقدم المأمون على قتل الإمام الرضا (عليه السلام)؟

          بعد أن ظهر الحق وانكشف للناس جميعاً علم الإمام ومكانته، (جلب المأمون عليه المتكلمين من البلدان طمعا في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء (وبسببهم) يشتهر نقصه عند العامة فكان لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين إلا قطعه وألزمه الحجة وكان الناس يقولون: والله إنه أولى بالخلافة من المأمون وكان أصحاب الاخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له وكان الرضا (عليه السلام) لا يحابي المأمون من حق وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم)(6).

    الأخبار عن الشهادة قبل حدوثها، وأجر زوّار الإمام الرضا(عليه السلام).

          قال ابو الصلت الهروي: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: (إني سأقتل بالسُمّ مظلومًا وأقبر إلى جنب هارون ويجعل الله تربتي مختلف شيعتي وأهل محبتي فمن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة، والذي أكرم محمدًا (صلى الله عليه وآله) بالنبوة واصطفاه على جميع الخليقة لا يصلي أحد منكم عند قبري ركعتين إلا استحق المغفرة من الله عز وجل يوم يلقاه والذي أكرمنا بعد محمد (صلى الله عليه وآله) بالإمامة وخصنا بالوصية إن زوار قبري لأكرم الوفود على الله يوم القيامة وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من الماء إلا حرم الله تعالى جسده على النار(7).

    (كان الشاعر دعبل الخزاعي من الشيعة المشهورين بالميل إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، وقصيدته (مدارس آيات خلت من تلاوة…) من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت (عليهم السلام)، وقصد بها أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام)، بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قمّ ثلاثين ألف درهم، لم يبعها، فقطعوا عليه الطريق فأخذوها، فقال لهم: إنها إنما تراد للهِ عزّ وجل، وهي محرّمة عليكم، فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألَّا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فرد كمّ، فكان في أكفانه)(8).

   7ـ طلب منه المأمون أن يصلي صلاة الاستسقاء، وذلك لسببين:

       ـ إما أن يمتنع الإمام فيشيع بين الناس أنه امتنع خوفاً من عدم الاستجابة.

       ـ إذا لم تمطر السماء فسوف يقلل هذا من اعتقاد الناس في الإمام (عليه السلام).

            فقال المأمون للرضا (عليه السلام): قد احتبس المطر، فلو دعوت الله عز وجل أن يمطر الناس، فقال الرضا (عليه السلام): نعم، قال: فمتى تفعل ذلك؟ وكان ذلك يوم الجمعة، قال: يوم الاثنين … فلما كان يوم الاثنين غدا إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم يا رب أنت عظمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت وأملوا فضلك ورحمتك وتوقعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقيًا نافعًا عامًا غير رايث ولا ضائر(9) وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم …

            ثم جاءت سحابة بوابل المطر فملأت الأودية والحياض والغدران والفلوات، فجعل الناس يقولون: هنيئا لولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كرامات الله عز وجل(10).

    أما صلاة العيد والتي اشترط الإمام أن يقيمها كما كان يقيمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأصدر المأمون أمره برجوع الإمام خوفاً من سقوط الخلافة لكثرة التفاف الناس حول الإمام (عليه السلام)(11).

   9ـ عن أبي الصلت الهروي قال: لما خرج علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من نيسابور يريد المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء قيل له: يا ابن رسول الله قد زالت الشمس أولا تصلي؟ فنزل وقال: (ائتوني بماء) فقيل له: ما معنا ماء. فبحث (عليه السلام) الأرض بيده فنبع من الأرض الماء فأخذ ما توضأ به هو ومن معه. والماء باق إلى يومنا هذا، ويقال للمنبع (عين الرضا)(12). وتسمى بالفارسية (قدمكاه)، يزورها ويرتوي منها شيعة الإمام (عليه السلام).

   10ـ حديث السلسلة الذهبية: (لما وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا بن رسول الله ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك؟ وكان قد قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول سمعت الله عز وجل يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي. قال: فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها)(13).

            قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): من شروطها الإقرار للرضا (عليه السلام) بأنه إمام من قبل الله عز وجل على العباد مفترض الطاعة عليهم.
              وقد روى أبو الصلت أحاديث كثيرة عن الإمام (عليه السلام) وقد اختصرنا ذلك، ومن أراد المزيد فليراجع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ تهذيب الكمال/المزي/ج18ص73.
2ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)/الشيخ الصدوق/ج2ص295.
3ـ كشف الغمة/ج2ص316. بحار الأنوار، ج49 ص100.
4ـ م.ن.
5ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2 ص151.
6ـ عيون اخبار الرضا (عليه السلام)، ج2ص265.
7ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2 ص248.
8ـ الاغاني/لابي الفرج الاصفهاني/ج20ص294.
9ـ غير بطيء ولا ضار.
10ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2 ص180.
11ـ ينظر: الفصول المهمة/لابن الصباغ المالكي/ص246.
12ـ الثاقب في المناقب/أبو حمزة الطوسي/ص146.
13ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)/ج2ص145.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.