Take a fresh look at your lifestyle.

فحوى الخطاب في القرآن الكريم

0 461

      من أساليب القرآن الكريم في الخطاب فحوى الخطاب، وعادة يأتي الخطاب في الآيات الكريمة باتجاهين الخطاب المباشر:المتمثل بالأمر والنهي والاستفهام والنداء والدعاء وضمائر الخطاب ونحو ذلك.
والخطاب غير المباشر: المتمثل بالرمز والتورية والكناية والالتفات وضمائر الغيبة وغير ذلك.
أما في فحوى الخطاب فنجد أن هناك عملية خطابية واحدة (مخاطِب متكلم) و (مخاطَب متلقٍ) و (الموضوع أو الرسالة) امتزج فيها معنيان: دلالة المعنى الأولى ظاهرة ومباشرة، أما دلالة المعنى الثاني فهي ضمنية يشار إليها أو يومأ إليها إيماءً لأنها كامنة في فحوى العملية الخطابية، بمعنى أن اللفظ هنا يحمل ضده، أو الدلالة وما يغايرها من ألفاظ دلت على الشيء القليل والكثير، أو تدل على الجزء والكل في السياق نفسه.
هذا الأسلوب (فحوى الخطاب) يرد في بعض النصوص القرآنية ويطرح خاصية أسلوبية من الاختصار والإيجاز وربما لإثارة المتلقي، فلا تتدفق المعاني تدفقًا، بل تحصل عملية بناء للمعنى أو إنتاج المعنى عبر طرح لمدلول مباشر وآخر غير مباشر، كامن في فحواه ومضمونه (نفس الخاصية الأسلوبية يمكن أن تثير انفعالات متعددة ومتميزة تبعًا للسياقات التي ترد فيها)(1)، ولامناص من القول أن نسق الكلام وخصوصيات التراكيب يومأ إلى أن لهذه الدوال معاني ودلالات، وتوجد أيضًا حركة داخلية متنامية بما تحمل من إيحاءات وإشارات سواء في المعنى أو في الدلالة. أشار علماء اللغة إلى (فحوى الخطاب) بوصفه أسلوبًا خطابيًا من أساليب أهل العربية بإشارات قليله غير أنه يبدو أقرب إلى الدراسات البلاغية بوصفه أسلوبًا من أساليب الإيجاز والاختصار وتوظيف الألفاظ للدلالة على أكثر من معنى, ومع هذا فإن مما يثير الانتباه أن علماء البلاغة والبيان لم يعتنوا بهذا الدرس ولم تتم الإشارة إليه إلا قليلًا.
وهنا لا بدلنا من الإشارة إلى أن تتبع المعاني اللفظية والمعجمية للفظة (فحوى) واشتقاقاتها من أمهات المعاجم العربية, نجد أن (الفحا) و(الفي) ذات مداليل مادية يتعلق بالأمور المادية تراوحت بين المعاني الآتية : إبراز القدر أو نبات البصل أو توابل القدور بأنواعها(2) ثم انتقل اللفظ إلى حقل دلالي هو تعلقه بالأمور المعنوية (القول .الكلام .المذهب)وإن كان لا يمكن الإنكار بوجود وشائج وصلات بين المعنيين , فلفظ (فحوى) قد ورد في كلام العرب في قولهم (فحوى القول) أي معناه وكنهه ، ويجمع على الإفحاء، وعرفت ذلك في فحوى كلامه، أي معراضه ومذهبه، ومعنى يفحي بكلامه إلى كذا وكذا إي يذهب إلى كذا وكذا(3) ووقف علماء اللغة على حدود ومعاني (فحوى الخطاب) فقد عرفه أبو هلال العسكري(ت 395 هـ) بقوله:(فحوى الخطاب هو ما يُعقل عند الخطاب لا بلفظه كقوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) (النساء:23) فالمنع من ضربهما يُعقل عند ذلك )(4)، والسيوطي أتى على ذكر موضوع (فحوى الخطاب) في فصل مفهوم القرآن وهو على نوعين : مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، والذي يعنينا مفهوم الموافقة، وهو ما يوافق حكمه المنطوق، فإن كان أولى سمى فحوى الخطاب كدلالة: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) على تحريم الضرب لأنه أشد(5)، أما علماء البيان فقد عدوه أسلوبًا من أساليب البيان وسَمَّوه الإشارة وحدّوه بقولهم: (أن تطلق لفظًا جليًا تريد به معنىً خفيًا وذلك من ملح الكلام وجواهر النثر والنظام(6) وعند المحدثين سُمي (دلالة الفحوى) أو (دلالة النص) حيث قال بعضهم: (وتتمثل دلالة الفحوى في فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده)(7) وعند استقراء الآيات الكريمة تبين أن (فحوى الخطاب) يرد في النصوص القرآنية بأنماط ثلاثة:
أولًا: التعبير بالقليل للدلالة على الكثير، بمعنى أن هناك ألفاظًا يدل معناها المعجمي أو اللغوي على الشيء القليل لكنها في التراكيب القرآنية تأتي دالة على القليل والكثير معًا اعتمادًا على القرائن السياقية للآية ذاتها، مثال ذلك قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) تدل (أف) في المعجم على التضجر(8) أو هي بمعنى تبًا وقبحًا(9)، المعنى الشرعي لا يقف عند أعتاب المعنى المعجمي للّفظة بل تتوسع مدارات دلالاتها إلى معاني أُخر وفقًا للسياق الذي يحتضنها، فهذا اللفظ يدل في فحواه على أكثر من معاني التضجر، إذ النهي هنا يضم كل أنواع الإيذاء للوالدين ابتداءً بالتلفظ بـ (أف) إلى ما هو أكثر من ذلك مثل الشتم والضرب والإهانة وما شاكل ذلك، وهكذا يتعدد معنى اللفظة ويتوسع في فحوى الخطاب تبعًا للمواقف والسياقات التي تقع فيها فحوى الخطاب إذن وفقًا لآلياته لا يحيل على المدلول اللفظي فقط، بل يحيل على مسكوت عنه في الكلام شرط أن يكون موافقًا لهذا المدلول في محل التطور، كما صرح بذلك الآمدي(10) فاللفظ هنا يحمل دلالة إيحائية غير مصرح بها ولهذا فهو يشكل محصولًا لسانيًا مؤثرًا من مؤثرات الفهم والإبلاغ.
ثانيًا: التعبير بالكثير للدلالة على القليل، يطرح فحوى الخطاب في النص الأدبي التفاتات سياقية وإشارات دلالية عندما يشكل الدال ومدلوله تناسبًا معنويًا مع الحكم أو الموضوع حيث إن لكل دال من هذه الدوال بعدًا دلاليًا لا تدانيه فيه لفظة أخرى على وفق خاصية انسجام التراكيب وتناسق السياق كما في التعبير بالكثير للتدليل على القليل، إذ إن بعض الألفاظ في تأصلها اللغوي تأتي دالة على الكثير لكنها في سياق معين تدل على الكثير والقليل معًا، كما قوله تعالى (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِيناً)(النساء:20) القنطار لغة يدل على قيمة مادية عالية حددها علماء التفسير بملء مسك ثور ذهبًا أو فضة أو ألف ألف مثقال(11) أو سبعين ألفًا(12) وغيره، وعمومًا دلالة هذا اللفظ يراد بها المال الكثير أو العظيم(13). دلالة الخطاب في الآية الكريمة، النهي عن أخذ شيء من الصداق، إن كان قنطارً، مالًا جمًا أو كثيرًا، غير أن للخطاب فحوى آخر مغايرًا لأصل الدلالة، ومكملًا له وهو النهي عن أخذ شيء من الصداق، حتى إن كان صداقًا ضئيلًا أو قليلًا فدلت هذه اللفظة على حُرمة أخذ مال الصداق إن كان كثيرًا أو قليلًا، وهكذا طرح لفظ منظار للدلالة المادية الكثيرة إلى جانب دلالة مغايرة لها وهي الدلالة المادية القليلة.
إن فحوى الخطاب هو أسلوب خطابي يضم دلالتين، الأولى مباشرة صريحة، والثانية خطاب غير مباشر، يتلازم سياق معين بقرائن لفظية ومعنوية خاصة به.
ثالثًا: التعبير بالجزء للدلال على الكل، يطرح النص في بعض الأحيان علاقة تناسبية بين الدال والمدلول، أي بين اللفظ ومعناه رهنًا بالسياق الذي يرد فيه، لأنه يشكل فيصلًا في تحديد معاني المفردات والتراكيب وهذا يؤدي إلى تعددية المعنى للفظ الواحد، نتلمس بعضًا منها في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء:1)، المعنى اللفظي أو المعجمي للفظ (حول) هو الجانب(14) أما الآية الكريمة فمعنى (بارَكْنَا حَوْلَهُ) أن البركة حلت ببيت المقدس لكن ليس بجانب أو جزء معين منه بل البركة حلت بكليته أو بجميع أركانه وجوانبه كما صرح بهذا الزركشي بقوله: (فنية بحصول البركة فيه من باب أولى بجعله مهبطًا للوحي ومقرًا للأنبياء)(15) وهكذا نرى أن الخاصية الأسلوبية التي يطرحها فحوى الخطاب في النصوص هي سمة الإيجاز والاختصار وذلك باختيار دوال قليلة لنتاج دلالات متنوعة، فضلًا عن هذا فإن الخطاب القرآني الكريم قائم أساسًا على الإبلاغ والتبليغ والتأثير في المتلقي، ومن خلال توظيف الألفاظ في (فحوى الخطاب) توظيفًا دلاليًا وأسلوبيًا أعطى سمة إبلاغية متفردة عن أي أسلوب إذ حمل شحنات تأثيرية أدت إلى خلق الانفعال مع النصوص الشرعية بصدق وإيجابية عند المتلقي، لذلك فكل نقطة في القرآن الكريم لا يمكن أن توجد لها بدائل لفظية أخرى لأنها قامت على انتقاء متناهٍ في الدقة تناسب التراكيب والسياقات.

نشرت في العدد المزدوج  57-58


(1) الأسلوبية والأسلوب عبد السلام المسدي ص55، الدار العربية للكتاب تونس 1977 وينظر نظرية المتلقي د. بشرى موسى صالح ص29 بغداد ط1 1999.
(2) الصحاح المسمى تاج اللغة وصحاح العربية 2/1781 إسماعيل بن حماد الجوهري حققه وضبطه شهاب الدين أبو عمرو ط1 دار الفكر ولسان العرب ابن منظور 5/149 . دار الفكر 1997.
(3) المصدر نفسه.
(4)الفروق اللغوية ص46 أبو هلال العسكري ضبطه وحققه حسام الدين القدسي دار الكني العلمية بيروت.
(5) الاتقان في علوم القرآن 2/63 للسيوطي ضبطه وصححه وأخرج آياته محمد سالم هاشم ط1 1422هـ
(6)بدائع الفوائد ص125 ابن قيم الجوزي ادارة الطباعة المنيرية مصر.
(7) دراسة المعنى عند الأصوليين ص15 د.طاهر سليمان حمودة الدار الجامعية للطباعة والنشر والتوزيع مصر.
(8)المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص28 ضبطه وراجعه محمد خليل عيتاني ط3 دار المعرفة بيروت 2001، وتفسير غريب القرآن ص87 الأصفهاني تحقيق محمد صبحي حلال ط1 دار ابن كثير دمشق بيروت 2001.
(9) تفسير الجلالين ص285 جلال الدين محمد أحمد الحلي وجلال السيوطي ط1 دار الفكر للطباعة والنشر بيروت 2006.
(10) الإحكام في أصول الأحكام 2/94 للآمدي دار الكتب العلمية بيروت 1980.
(11) تفسير غريب القرآن 255.
(12) البيان في تفسير القرآن 504 للشيخ الطوسي تحقيق أحمد العاملي ط1 دار احياء التراث العربي.
(13) مجمع البيان في تفسير القرآن 1/539 للطبرسي تحقيق هاشم الرسولي دار إحياء التراث العربي بيروت 1997.
(14) المفردات في غريب القرآن: ص143.
(15)البرهان في علوم القران 2/21 للزركشي/تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.