Take a fresh look at your lifestyle.

لا جرم بين الاستعمال القرآني.. والاستعمال العربي

0 260

      (جَرَمَ) لغة تعني: قطع الثمرة عن الشجرة(1)، قال ابن منظور [ت:711هـ] (الجرم ُ القطع. جرمه يجرمه جَرماً: قطعه. وشجرة جريمة: مقطوعة وجرم النخل والثمر بجرمه يجرمه جرماً وجراماً واجترمه: صرمه….
وتأتي (جرم) بمعنى (كسب) كقول العرب: فلان جريمة أهله أي كاسبهم، وخرج يجرم أهله أي يُكسبهم، جرم يجرم واجترام: كسب)(2).
وقد تأتي بمعنى (حق) كقوله تعالى (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) (المائدة:2) أي لا يحقّنَّ لكم، وانشد: جرمتْ فَزارة بعدها أن يغضبوا.
يقول: حق لها(3). وقد وردت (لا جرم) في القرآن في خمسة مواضع(4) متلوة بأنَّ واسمها، ولم يجئ بعدها فعل، والمواضيع:
1- (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) (هود22).
2ـ (لاَ جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)(النحل23).
3ـ (لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ)(النحل62).
4 ـ (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ)(النحل109).
5 ـ (لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ) (غافر43)

الخلاف النحوي في (لا جرم):
في هذه اللفظة خلاف طويل بين النحاة، وقد وقع اختلافهم في (لا) أزائدة أم هي ردّ لكلام سابق، أم نافية لما بعدها، وفي (جرم) أبمعنى (كسب، أم قطع أم حق أم لابد وما أشبهها؟) وكذلك اختلفوا في (أنَّ) في الآيات القرآنية أفاعل أم مفعول أم خبر أم مجرور متعلق بخبر؟ وهذا الخلاف يتلخص في ما يلي:
الأول: ما ذهب إليه الخليل وسيبويه، هو أنها مركبة من (لا) و(جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر، و (لا) نافية عند الخليل وزائدة عند سيبويه، وصار معناها معنى (فعل) وهو حق، فعلى هذا يرتفع ما بعدهما بالفاعلية، فقوله تعالى (لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ) أي: حق وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم(5).
الثاني: أن (لا جرم) بمنزلة لا رجل في كون لا نافية للجنس، وجرم اسمها مبني على الفتح، وهي واسمها في موضع رفع بالابتداء، وما يعدها خبر (لا)، وصار معناها لا بدّ ولا محالة
ولا شك في أنهم في الآخرة، أي في خسرانهم، وهذا مذهب الفراء(6).
الثالث: أن (لا لكلام متقدم تكلم) نافية به الكفرة، فرد الله عليهم ذلك بقوله: لا، كما ترد هذه قبل القسم في قوله: (لا أُقْسِمُ)(القيامة:1) وقوله: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ)(النساء:65).
ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي جرم أن لهم كذا، و(جرم) فعل ماضٍِ معناه: كسب،
كقول الشاعر:
نصبنا رأسهُ في جذعِ نخل
بما جرمت يداه وما اعتدينا
أي بما كسبت، وأن وما في حيزها في موضع المفعول به، لأن (جرم) يتعدى إذا كان بمعنى كسب، وعلى هذا فالوقف على (لا)، ثم يبتدئ بجرم بخلاف ما تقدم(7).
الرابع: أن معناها: لا حد ولا منع ويكون جرم بمعنى (القطع)، تقول: جرمت، أي قطعت، كقول الشاعر(8):
سادٍ تجرم في البضيع ثمانياً
يلوي بقيعات البحار ويَجْنُبُ
فيكون جرم اسم (لا) مبنياً معها كما تقدم في الثاني، وخبرها انَّ وما جزها على حذف الجر، أي: لا منع من خسرانهم(9).
وهذا هو المرجح لدينا، لأن لفظة (جرم) جاءت على وفق معناها اللغوي، فجرم اسم (لا) التي تنفي الجنس، فيكون معناها: لا قطع في أنهم في النار، أي لا قطع في كونهم في النار. ونميل أيضًا إلى دلالتها على معنى (لابدّ ولا محالة ولا شك).
فإعراب ما بعد (لا جرم) له أربعة أوجه(10).
1ـ الرفع على أنه فاعل.
2ـ الرفع على أنها خبر (لا).
3ـ النصب على أنها مفعول به.
4ـ الجر بحرف جر محذوف على أنها خبر (لا).

دلالتها على القسم:
لم يذكر العلماء القدماء كالخليل وسيبويه أنها تدل على معنى القسم، وهي لم تدل في القرآن على هذا المعنى، إلا على قراءة عيسى الثقفي بكسر همزة (إنَّ) فتكون (إِن) وما بعدها جواب قسم أغنت عنه (لا جرم)(11).
قال الفراء [ت:207هـ]: (وقوله (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ) كلمة كانت في الأصل بمنزلة لابدّ أنك قائم ولا محالة أنك ذاهب، فجرت على ذلك، وكثر استعمالهم إيّاها، حتى صارت بمنزلة حقاً ؛ ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، لا جرم قد أحسنت)(12) نلحظ من الكلام الأخير أنها دلت على معنى القسم بعد تطورها من معنى لا بد ولا محالة إلى معنى (حقاً) ففي قوله ( لا جرم لآتينك) دليل على إجرائها مجرى القسم وإجابتها بجوابه لأنها صارت بمعنى (حقاً)، ونجد البيت الذي ذكره الفراء في مجيئها بزيادة (ذا) (لا ذا جرم) أنها قد أجيبت بجواب القسم:
إن كلاب والدي لا ذا جرم
لاهدرنَّ اليوم هدراً صادقاً
هدر المعنى ذي الشقاشيق اللهم(13).
وقد استشهد ابن مالك على مجيئها للقسم بقوله الراجز:
أسأت إذ خالفتني ولا جرم
ليبدرنَّ منك أسوأ الندم(14)
حيث استعملت (لا جرم) في القسم وأجيبت بجوابه (ليبدرنَّ).
ولو نظرنا إلى معناها اللغوي وما دلت عليه من معنى (القطع، والكسب، والحق)، نجدها لا يوجد فيها أي معنى للقسم، ولكن ما الذي جعل العرب تستعملها للقسم؟ الذي يظهر أن دلالتها على التحتيم والتأكيد رفعها إلى درجة القسم، فنابت (لا جرم) عن هذا المعنى(15).
قال الشريف المرتضى [ت:436هـ] (لا جرم في الأصل مثل لابدّ ولا محالة، ثم استعملته العرب في معنى (حقاً)، وجاءت فيه بجواب الأيْمان،فقالوا:لا جرم لأقومنّ، كما قالوا: والله لأقومنّ)(16).
أما رأي المحدثين في (لا جرم) فلم يطلقوا عليها معنى القسم وتعاملوا معها معاملة (لابد ولا بأس) و (لا محالة) على أن (لا) نافية للجنس و (جرم) اسمها وخبرها محذوف تقديره موجود(17).
أو على أن (لا) نافية و (جرم) فعل وما بعدها مرفوع بالفاعلية(18).

لغات (لا جرم):
في (لا جرم) لغات كثيرة هي (لا جِرم بكسر الجيم، ولا جرُم بضمها، ولا جر بحذف الميم لكثرة الاستعمال، ولاذا جرم، ولا أن ذا جرم، ولا ذو جرم، ولا عن ذا جرم)(19).
وحذف الميم في لاجرم هو كما قالوا: حاش لله، وهو في الأصل حاشى، وكما قالوا: أيش وإنما هو أيُّ شيء، وكما قالوا: سو ترى وإنما هو سوف ترى.
قال ابن الأعرابي لا جر لقد كان كذا وكذا أي حقاً، ولا ذا جر، ولا ذا جرم، والعرب تصل كلامها بذي وذا وذو فتكون حشواً ولا يعْتَد بها، وانشد:
إن كلابا والدي لا ذا جرم(20)

دلالة (لا جرم) في السياق القرآني:
ذكرنا سابقًا أن (لا جرم) وردت في خمسة مواضع وسنبين دلالتها في سياق القرآن الكريم، فكان الذكر الأول لها قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ* لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) (هود آية21ـ 22).
بين جل وعلا أنهم فعلوا ما استحقوا به العقاب فهلكوا فذلك خسران أنفسهم وخسران النفس أعظم الخسران ؛لأنه ليس عنها عوض فإن الإنسان لا يملك بالحقيقة إلا نفسه، وغذا اشترى ما فيها هلاكها وضيعتها بالكفر والمعصية فقد خسر في هذه المعاملة التي أقدم عليها نفسه فخسران النفس كناية عن الهلاك.
ثم جاءت لا جرم في الآية التي بعدها لتدل على أن هذا القول لا يقطعه قاطع فهم حقاً في الآخرة هم الأخسرون أي لا محلة ولابد أنهم كذلك(21). والآية الثانية هي (لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعلمُ ما يَسِرّوْنَ وما يُعْلِنُونَ إنّه لا يُحبُُّ المُسْتكبِرين) (النحل ـ 23).
جاءت لا جرم لتبين أنّ الله لا محالة أنه عالم بسريرة كل إنسان وعلانيته،وهذه العبارة جاءت كناية عن التهديد بالجزاء السيئ، أي إنه يعلم ما يخفونه من أعمالهم وما يظهرونه فسيجزيهم بما عملوا ويؤاخذهم على ما أنكروا واستكبروا إنه لا يحب المستكبرين.
فدلالة لا جرم القاطعة لكل شك يدخل في خلجات النفس البشرية تثبت على نحو التحقيق أن الله جل وعلا لا يحتاج في معرفة هذا الأمر إلى اكتساب علم بل هو معلوم إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يسرون وما يعلنون،وهذا تهديد لهم بأنه عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم على جميع أقوالهم وأفعالهم لأنه لا يحب المتعظمين الذين يأنفون أن يكونوا أتباعًا للأنبياء.(22)
والآية الثالثة هي (ويَجْعلونَ لله ما يَكرَهُونَ وتَصِفُ ألسنَتُهم الكَذِبَ أنّ لَهُم الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لهم النارَ وأنّهم مُفَرطُون)(النحل -62).
إن معنى (ويَجْعلونَ لله ما يَكرَهُونَ) يعني البنات أي يحكمون لله ما يكرهون لأنفسهم،(وتَصِفُ ألسنَتُهم الكَذِبَ) أي تخبر ألسنتهم الكذب وهو ما يقولون (أنّ لهم الحسنى)وهي البنون،وقيل: معناه تصفون أن لهم مع قبيح قولهم من الله الجزاء الحسن والمثوبة الحسنى وهي الجنة، فإن المشركين كانوا يقولون:إن كان ما يقوله محمد من أمر البعث والآخرة حقا فنحن من أهل الجنة،بعد هذا الخطاب جاء الرد الإلهي بدلالة لا جرم القطعية ليس الأمر على ما وصفوا جرم قولهم وفعلهم حقاً أن لهم النار أولا بد أن لهم النار.(23)
والآية الرابعة (ذلك بأنّهم اسْتَحَبُّوا الحياةَ الدّنيا على الآخِرةِ وأنَّ الله لا يَهْدِي القومَ الكافرين * أُولئك الذين طَبَعَ اللهُ على قلوبِهِم وسمعِهِم وأبصارِهم وأولئك هم الغافلونَ* لا جَرَمَ أنّهم في الآخرة هم الخاسرون) (النحل 107-109).
جاءت لا جرم لبيان الخسران الذي لحقهم بسبب حلول غضب الله جل وعلا بهم وثبوت العذاب العظيم عليهم وهم أنهم اختاروا الحياة الدنيا وهي الحياة المادية التي لا غاية لها إلا التمتع الحيواني والاشتغال بمشتهيات النفس على الآخرة التي هي حياة دائمة مؤبدة في جوار رب العالمين وهي غاية الحياة الإنسانية.
فإنهم باختيارهم الحياة الدنيا غاية لأنفسهم وحرمانهم من الاهتداء إلى الآخرة انقطعوا عن الآخرة وتعلقوا بالدنيا فوقف حسهم وعقلهم فيها فليسوا يبصرون ما يعتبرون به ولا يسمعون عظة يتعظون بها ولا يعقلون حجة يهتدون بها إلى الآخرة.
فدلالة لا جرم على خسرانهم لأنهم ضيعوا رأس مالهم في الدنيا فبقوا لا زاد يعيشون به في أخراهم،وجاء الكلام على نحو التشديد لأنهم صدوا عن سبيل الله تعالى تأكيدًا لحكم الخسار عليهم.(24)
والآية الخامسة (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (غافر41ـ43).لهذه الآيات معنى عام ومعنى خاص، العام هي دعوة الأنبياء لأقوامهم، والخاص هي دعوة موسى(ع) لقومه لعبادة الله (جلَّ وعلا) فقوبل بدعوتهم له لعبادة آلهتهم، فجاء مفاد (لا جرم) إقامة الحجة على عدم كون ما يدعون إليه إلهاً.
والمعنى: ثبت ثبوتًا أن ما تدعونني إليه مما تسمونه شريكًا لله سبحانه ليس له دعوة في
الدنيا ولم يعهد نبي أرسل إلى الناس من ناحيته ليدعوهم إلى عبادته(25).

نشرت في العدد 55


(1) ينظر مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني [ت:425هـ]، تح صفوان عدنان داوودي: 192مادة جرم.
(2) لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف: 604-605 مادة (جرم).
(3) ينظر المصدر نفسه: 605 مادة (جرم).
(4) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، 212.
(5) ينظر كتاب سبيويه، وأبي بشر عمر بن عثمان بن قنبر [ت:180هـ] تحقيق عبد السلام محمد هارون: 3/138.
(6) ينظر: معاني القرآن، أبو زكريا بن يحيى بن زياد الفراء [ت:217هـ] تح محمد علي النجار: 2/8، تفسير الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم شيرازي: 6/346.
(7) الصاحبي،لأحمد بن فارس بن زكريا(ت395هـ)،221، المحرر الوجيز: 3/161، الجامع لأحكام القرآن: 50/17، الفتوحات الإلهية.: 3/436.
(8) ينظر: لسان العرب: 1/604 مادة (جرم).
(9) ينظر الفتوحات الإلهية: 3/436، إعراب القرآن وبيانه: 3/402، أسلوب القسم: 156.
(10) ينظر: أسلوب القسم: 156.
(11) ينظر البحر المحيط في التفسير، محمد بن يوسف الشهير بابي حيان الأندلسي (ت:754هـ): 5/483.
(12) معاني في القرآن للفراء: 2/8.
(13) ينظر: المصدر نفسه: 2/9.
(14) نظر: شرح الكافية الشافية: 2/882.
(15) ينظر: أسلوب القسم 155.
(16) أمالي المرتضى: 1/128-129.
(17) ينظر /: تفسير روح البيان،الشيخ إسماعيل حقي البروسي (ت:1137هـ)، تحقيق: أحمد عزّو عناية:4/150.
(18) ينظر: إعراب القرآن الكريم، محيي الدين الدرويش: 3/405.
(19) ينظر: المحرر الوجيز: 3/161، الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القوطي: [ت:671هـ]: 5/18017.
(20) لسان العرب: 1/ 606 مادة (جرم).
(21) ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن،أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، 5/229.
(22) ينظر: الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، 12/264.
(23) ينظر: مجمع البيان:6/569.
(24) ينظر: الميزان:12/3.
(25) ينظر: المصدر نفسه: 17/144.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.