Take a fresh look at your lifestyle.

القلق والاضطراب النفسي عند أعداء الإمام الحسين (عليه السلام)

0 384

     

           القلق النفسي Anxiety Neurosis كما هو واضح حالة نفسية تعني سوء تكيف الإنسان مع المجتمع الذي يعيش فيه وشعوره بالاضطراب وعدم الاطمئنان، وهو حالة انفعالية سلبية قد تكون وقتية وقد تتحول إلى حالة متلازمة دائمية، وكلما زادت حدة القلق أصبح الإنسان غير مستقر خائف يشعر بالحيرة والتردد والخوف من المجهول وهو المرحلة الأولى من مراحل سوء التكيف وتكوين الاضطراب النفسي لدى الفرد.

          (وتتميز حالة القلق بمشاعر موضوعية ومدركة شعوريا من التوتر وتوقع الشر، وإثارة الجهاز العصبي، وهي انفعالات عاطفية معقدة يدركها الأفراد كتهديد شخصي، وهو شعور عام غير سار وغامض مصحوب، بالتوتر والخوف والتحفز وتوقع الخطر والسوء وحدوث كل ما هو مهدد للشخصية، ويخبره الناس بدرجات مختلفة من الشدة وفي مظاهر متباينة من السلوك، مصحوبا ببعض المظاهر الجسمية والانفعالية المتكررة وهو أكثر الأمراض النفسية شيوعا)(1).

          ومن الحقائق المهمة التي لا بد من الإشارة إليها والانتباه لها أن الظروف البيئية التي يعيش فيها الإنسان وتصرفاته اليومية لها انعكاسات وآثار جانبية على شخصيته لأن شخصيته هي نتاج لتفاعله مع مجتمعه وأن سلوكه هو أساس هذا التفاعل وكلما كانت تصرفاته سيئة كانت أعباؤها ثقيلة وتخلق له أزمة نفسية وظروفا قاسيةً في وضعه الراهن والمستقبلي وتجعله يعيش حالة القلق والخوف وعدم التوافق.

     ولا شك أن القلق النفسي قد تعمق وتجذر في نفوس الكثير من أفراد المجتمع الذي قاتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأصبح جزءًا مهماً من سلوكياتهم اليومية المتتابعة سواء في أسرهم وفي مجتمعهم، ومن خلال ملاحظة ما صدر من أعداء الحسين(عليه السلام) من العدائية والعنف والإرهاب وسلوك اللامبالاة والفراغ الروحي والمشكلات النفسية والاجتماعية والانفعالية وعدم القدرة على تقدير الذات الإنسانية خلال مجريات الأحداث في كربلاء وبعد ما جرى فيها، نلاحظ فيه مدى الاضطراب والتلوث النفسي الذي عمل على تدمير شخصياتهم وسلبها الاستقرار والهدوء النفسي.

     إن الأشخاص الذين لم ينصروا الإمام الحسين(عليه السلام) عاشوا نادمين وأدركوا مدى الحسرة والشعور بالذنب والغصة بفوات الفرصة الحقيقية للشهادة والنصرة والعزة والرفعة فكيف بالأعداء الذين نصبوا له وتابعوا على قتاله وأصروا على قتله.

     إن القلق قد أثر تأثيراً سلبياً على أداء الشخصيات المعادية للإمام الحسين (عليه السلام) بشكل عام وعلى الأشخاص الذين اشتركوا في محاربته بشكل خاص، الأمر الذي أثر وبصورة سلبية على سلوكهم الفردي فجعل منهم أشخاصاً يقضون ما تبقى من حياتهم بأجواء مشحونة بالخوف وعدم الرجاء والقنوط والتشاؤم وشعورهم الأكيد أن وجودهم سوف يتحطم وأنهم سوف يفقدون أنفسهم وما يخبئه القدر المحتوم لهم من أمور .

     كما أن الكثير من أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) عاشوا حالة من المرض النفسي الذي أرقهم في ما بقي من حياتهم ولا سيما أن المجتمع الذي يعيشون فيه لم يتقبلهم ولم يتكيف معهم وبذلك فقدوا صفة مهمة لحياة الإنسان وهي مسايرة الجماعة الصالحة والتوافق الاجتماعي وبالتالي عاشوا حالة مؤذية من الوجل وارتقاب وقوع حوادث مؤذية لهم نتيجة القناعة بالعمل السلبي الذي قاموا به.

     من هنا نجد أنه من الضرورة ذكر بعض الصور العامة للقلق والاضطراب النفسي لدى أعداء الإمام الحسين(عليه السلام)، وهي على سبيل الاختصار مبتعدا عن ذكر الشواهد التاريخية والأسماء لضيق المقام، وهي كما يأتي:

1. إيمان أعداء الإمام الحسين (عليه السلام) إيماناً تاماً أن الإمام الحسين(عليه السلام) له شخصية مميزة على المستوى الإيماني والاجتماعي والعقائدي والإعجازي وأن التعرض له سيجلب لهم خزي الدنيا وعار الآخرة، لكن عمي البصرة والسعي وراء الصفقة الخاسرة هو ما جعلهم يصرون على قتاله ومعاداته، فنلاحظ ان أعداءه حرصوا أيما حرص على عدم السماح للجيش الأموي بالاستماع لخطب وتوجيهات الإمام الحسين(عليه السلام) خوفا من الانقلاب وإيقاظ الضمائر وتنبيه البصيرة، وهذا الأمر شكل هاجسا قوياً لدى أعدائه وقلقاً مفرطا تجاهه.

2. إن تركيبة جيش الإمام الحسين(عليه السلام) كان يحمل في طياته الشخصيات الاجتماعية البارزة ذات الأثر الإيماني الطيب والأخلاق الحميدة والروح السامية والتي اكتملت سجاياهم بإدراكهم الفوز بالشهادة، فمنهم صحابي جليل، ومنهم قارئ للقرآن، ومنهم من هو سيد قومه وذو دين وسمو ورفعة وإقدام، ومنهم ذو خلق رفيع معروف بتقواه وورعه، هذه التركيبة الطيبة للجيش الناجح الذي يقوده الحسين الإمام(عليه السلام) جعلته يزلزل الأرض تحت أقدام الجيش الأموي ،الذي مع كثرة عدده وقوته إلا أنه كان ضعيفا من الناحية النفسية، ومع انتصاره عسكرياً، لكنه يقر ويعترف بداخله أنه مهزوم معنويا وخاسر لكل مبادئ القتال والقيم والرجولة فضلاً عن إقراره بالذنب العظيم الذي ارتكبه، ولا سيما أنه جيش غير عقائدي وغير مؤمن بعدالة قضيته إنه جيش جلبه الطمع والحرص والجشع والنظرة المادية الضيقة والمنفعة الشخصية.

3. أن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاستغناء عن الأفراد الآخرين فإنه بحاجه إلى العيش والتألق معهم والانتماء إليهم، لتحقيق شعوره بالاطمئنان وعدم الخوف من المستقبل والثقة به وأن أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) عاشوا النقيض من ذلك بل إن منهم من تعرض للنبذ الاجتماعي والمحاربة الاجتماعية من أقرب الناس إليه دليلاً على عدم المقبولية والرفض وشناعة العمل الذي قام به، فمنهم من رفضته أسرته ومنهم من رفضه أهله ومنهم من رفضته زوجته وهي أقرب الناس إليه من الناحية الجسدية والنفسية والروحية.

4. ما يؤكد حالة القلق في قيادة الجيش الأموي هو استمالة أعداء الإمام الحسين (عليه السلام) بالمال والإغداق عليهم بالهدايا الثمينة وشراء ذممهم لتأكيد ولائهم للمعسكر الأموي من جانب ولكسبهم في المعركة من جانب أخر.

5. من الملاحظ في أحداث كربلاء أن بعض الأشخاص حرصوا على مبدأ (لا لكم ولا عليكم) أي التزام النظر والتفرج، هؤلاء وإن لم يدركهم الفتح إلا أنهم أدرك أغلبهم فيما بعد الشعور بالخيبة والقلق والحزن وتأنيب الضمير، ومن المتوقع أنهم لم يسلموا من ردود أفعال أنفسهم وأهليهم والمجتمع تجاههم فكيف بأعداء الإمام الحسين(عليه السلام).

6. إن ما يؤكد مبدأ القلق النفسي لدى أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) هو حرصهم الدائم على عدم النزول إلى المعركة بصورة فردية وذلك لإيمانهم التام والمطلق بضعفهم وانهزامهم النفسي وقوة عدوهم الذي يملك القناعة التامة بالمبدأ الذي يقاتل من أجله والعقيدة التي ينتمي إليها.

7. الذي صعد القلق عند أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) هو مشاهدتهم النهاية المؤلمة للعديد منهم في أثناء سير المعركة وبعدها كنتيجة حتمية للذنب الذي اقترفوه، والمتتبع للسيرة التاريخية يجد نماذج عديدة تعرضت للخزي في الدنيا ونالها عذاب عظيم، كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) دعا على العديد من الشخصيات العدائية والتي نالت حظها الوافر من هذا الدعاء ونزلت بها العقوبة الإلهية بصورة آنية.

8. كما يقال أن الأمراض الروحية والنفسية هي مظهر من فقدان الصحة الروحية والنفسية، قال تعالى: (مَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:124)، إن ضنك العيش الذي تعرض له أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) جعل بعضهم يعيش عدم الثبات النفسي وعدم الاستقرار واللوم الزائد للنفس والشعور بعدم الأمن وعدم حصول الفائدة، لأن كل من اشترك وأخذ لم ينعم بما أخذه، وكل من اشترك لوعد ولمثوبة وعد بها من السلطة الحاكمة، لم ينل مطلبه وخسر ما سعى إليه جاهدا، وهدم بنيانه بيديه، كما وأنه من الناحية العلمية فإن هذه الضغوط تجعل الإنسان عرضة للانهيار العصبي والوقوع فريسة للاضطرابات النفسية والجسمية التي تسبب له الكثير من الاضطرابات السيكوسوماتية والأمراض النفسية التي يعاني منها وتشير الدراسات النفسية إلى أن الضغط إذا كان شديداً أو مستمراً إلى مدة طويلة فأنه ينهك ويقتل الكائن الحي .

9. إن شخصية الإمام الحسين(عليه السلام) لم تكن خافية عن عقول ونفوس أعدائه، فمع ما يتمتع به من كونه ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) من جانب ولاتخاذه الحق سبيلاً من جانب آخر، إلا أن أعدائه أصروا على قتله بأبشع صورة وأوقح فعل والتشفي به بعد شهادته، وهذا يعطينا دليلًا واضحًا على مدى الحقد الذي يستقر في نفوسهم ومدى القلق الكبير والخوف العظيم من شخصيته المباركة.

 

10. حرص قادة السوء في الجيش الأموي على عدم حصول أية حالة تعاطف وميل تجاه الإمام الحسين(عليه السلام) أو أي احد من أهل بيته وأصحابه، مهما كان الأمر ومهما احتوى الموضوع من حالة إنسانية، خوفاً وقلقاً من تحول بعض الأشخاص أو تأثرهم أو تعاطفهم مع المعسكر الحسيني، فنلاحظ هجوم وقت الصلاة، منع الماء حتى عن الأطفال، قتل الطفل الرضيع عبد الله(عليه السلام) بعد حالة الجدل التي صارت في المعسكر الأموي بين مؤيد ومعارض لسقيه منعا من السلطة الحاكمة لحالة الانشقاق داخل الجيش الأموي الملعون.

           في الختام لا بد أن نشير إلى أن الساحة البحثية النفسية والتربوية في مسيرة أحداث كربلاء بأمس الحاجة إلى دراسات (تربوية ونفسية) على وفق منهج البحث العلمي لفهمها والإحاطة بأبعادها ومكوناتها كافة، إذ تبحث هذه الدراسات في الكشف عن الظروف الحقيقية المختلفة بين المعسكرين الأموي والحسيني ومدى الاختلاف في البناء النفسي والتربوي والاجتماعي بين المعسكرين ثم بيان أسرار النجاح الدائم الذي حصل عليه الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابهP ومن ثم نضع أيدينا على المقومات الأساسية لهذا النجاح والإفادة منه في حياتنا اليومية، ومن الله السداد.

 

نشرت في العدد 66


المصادر:
1- الصحة النفسية/نعيم الرفاعي، ص : 121.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.