Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في كتاب (مآثر الكُبراء في تاريخ سامراء) تأليف الشيخ ذبيح الله المحلاتي نزيل سامراء

0 555

            بعثت الحياة من جديد في مدينة سامراء بعد أن حل فيها المجدد الشيرازي (ت 1312هـ) وتحولت من قرية صغيرة إلى حاضرة علمية عريقة بعد انتقال الهيئة العلمية من النجف إليها بانتقال السيد محمد حسن الشيرازي في سنة 1291هـ. فكانت هذه الفترة هي الأكثر ثراء وعطاء فكريًا وعلميًا بعد فترة الإمامين العسكريين (عليهما السلام).

             فعندما رحل إليها المجدد ولحقه أهل العلم من فضلاء طلابه كانت هذه المرحلة هي بداية لعهد جديد دخلته هذه المدينة وبرزت فيها معالم حضارية من حركة علمية وفكرية وبناء المدارس وإنشاء المكتبات وتعمير للمدينة، وشهدت انفتاحًا لحركة جديدة أنعشت المدينة(1).

          وفي هذه الأجواء أنتجت تلك الأقلام المؤلفات والكتب والقراطيس لتشهد بوجود ذلك الأثر العلمي والثقافي والحركة العقلية الشيعية.

          عاش في هذه الفترة تقريبًا من سنة انتقال المجدد الشيرازي إلى وفاته علماء كثيرون وفقهاء وبعضهم كانت لهم مكتبات خاصة ضمت نفائس المخطوطات كمكتبة الميرزا محمد بن رجب علي الطهراني وهي مكتبة عامرة كانت بسامراء تربو على ألفي مجلد خمسها مخطوط(2) وقد دونت مؤلفات في هذه الفترة لهؤلاء الأعلام منها فقهية وأصولية ورسائل مختلفة وغير ذلك.

          ومن الذين حازوا السبق في التدوين هو الشيخ ذبيح الله المحلاتي في كتابه (مآثر الكُبراء في تاريخ سامراء) حيث تكمن قيمة هذا الكتاب في كونه يعد الأول من نوعه في تعرضه لمدينة سامراء حيث استغرق من وقت المؤلف قرابة عشرين سنة وكان حينها نزيلًا في سامراء ليخرج بموسوعة تبلغ (12) جزءًا(3)،

              وإليك عزيزي القارئ نبذة عن حياة المؤلف ومن ثم عن كتابه.

  المؤلف في سطور(4):

              ولد العلامة والمحدث الفقيه الشيخ ذبيح الله المحلاتي سنة (1310هـ) وبعد أن درس المقدمات للعلوم الشرعية في بلدته محلات (إيران) رحل مع والده إلى النجف الأشرف سنة (1330هـ) وهناك درس وتتلمذ على يد بعض العلماء منهم الشيخ جواد البلاغي وغيره،

            وبعد إقامته لأكثر من عشر سنوات في النجف انتقل الشيخ المحلاتي إلى سامراء وتولى تدريسه هناك الشيخ أغا برزك الطهراني والميرزا محمد الطهراني، وبعد أن اهتم الشيخ المحلاتي بالخطابة والوعظ شرع بالتأليف مفيدًا من المكتبة الضخمة للميرزا محمد الطهراني المذكور والتي كانت من المكتبات الكبرى في سامراء،

           فأقام الشيخ المحلاتي في سامراء (25) سنة قضاها في التحقيق والتأليف والتبليغ، وبعد هذه الرحلة الطويلة في سامراء رجع إلى بلده إيران فاستقر في طهران مخلفًا آثارًا قيِّمة.

           لقد عاصر الشيخ مجموعة من العلماء منهم: السيد الخميني، الميرزا النائيني، السيد أبو الحسن الأصفهاني، السيد حسن الصدر الكاظمي، والسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي حيث أجازه ثلة من الأعلام(5).

 

  آثاره(6) العلمية وكتابه مآثر الكبراء:

           إن اهتمام الشيخ المحلاتي بالكتب وتأليفها لم يكن بدافع الشهرة أو سعيًا للمال فقد كان يتنازل للناشرين عن حقوق الطبع ليتسنى لهم طباعتها بشكل سريع ورخيص، الأمر الذي يؤكد حبه للمعرفة وسعيه لنيل رضا الله تعالى.

    وآثاره العلمية على قسمين مطبوع ومخطوط، منها:

كشف المغيبات في أخبار غيبيات أمير المؤمنين (عليه السلام).

كشف الهاوية في مظالم معاوية.

كشف الغرور في المفاسد الناتجة من عدم ارتداء الحجاب.

مجالس الواعظين في (12) جزء.

قرة العين في حقوق الوالدين.

الحق المبين في قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام)، تمت طباعته في طهران بأحجام وأشكال مختلفة.

فرسان الهيجاء في ترجمة أصحاب سيد الشهداء، مرتبة حسب الحروف الأبجدية في جزئين، طبع مرتين في طهران.

رياحين الشريعة في ترجمة النساء طالبات العلم من الشيعة، في ستة أجزاء والسادس منها عن النساء المسلمات من السنة والشيعة.

وله غير ذلك من المؤلفات التي بلغت أكثر من (40) عنوانًا.

  إن من أهم الآثار القيِّمة التي تركها الشيخ المحلاتي في سامراء:

  الأول:

           كتابه (مآثرالكُبراء في تاريخ سامراء) وهو في (12) مجلد باللغة العربية، وهذا الكتاب يعد موسوعة جليلة جامعة لوقائع سامراء منذ تمركز الخلافة العباسية فيها وإقامة أئمة الهدى (الهادي والعسكري والحجة)(عليهم السلام).

  الثاني:

          كتابه (الكلمة التامة في تراجم أكابر العامة) باللغة الفارسية في مجلدات خمسة، وينطوي على (2500) صفحة يسرد فيه الشيخ أحداث إقامته في سامراء وحواراته مع علماء أهل السنة ونقاشاته العقائدية في سامراء وحواراته مع علماء أهل السنة ونقاشاته العقائدية معهم، فهو بمثابة جزء موجز من سيرته الشخصية في سامراء المقدسة.

          أما بخصوص كتابه (مآثر الكُبراء) فقد فرغ الشيخ المحلاتي من مجلده الأول سنة 1354هـ وفرغ من تبييضه ثانيًا سنة 1360هـ(7) وقد طبعت منه ثلاثة مجلدات في طهران، حيث يبدأ المؤلف في موسوعته هذه من تاريخ سامراء القديم ويعرج على أيام ازدهارها كعاصمة للدولة العباسية متعرضًا لقصورها ومساجدها وأسوارها ومقابرها ومشاهدها وصولًا إلى هجرها وتحول مقر الدولة إلى بغداد مارًا بأبرز أحداث تلك الفترة وأهم رجالاتها.

           وتعرض في الجزء (الثاني) لمراحل إعمار مشهد العسكريين (عليهما السلام) وأخبار من دُفن حول الحضرة المقدسة وتعيين مشهد أبي جعفر السيد محمد بن الإمام الهادي (عليه السلام) وفضائله، وأيضًا بيان المعجزات التي ظهرت من مشهد العسكريين (عليهما السلام).

          وأما في الجزء (الرابع) فقد تعرض لحياة العسكري (عليه السلام) تفصيلاً، وخصص الجزء (الخامس) و(السادس) لحياة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) والجزء (السابع) لأحوال العلماء الذين دخلوا سامراء مفيدًا ومستفيدًا وزائرًا، والجزء (الثامن) تكملة للسابع ويبدأ بحرف الضاد من أسماء العلماء. والجزء (التاسع والعاشر والحادي عشر) لسيرة الخلفاء العباسيين وخصوصًا من عاصرهم الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام).

           لقد تبنى مركز تراث سامراء التابع للعتبة العسكرية المقدسة فرع النجف الأشرف تحقيق وطباعة الأجزاء المتوفرة لديهم بعد حصولهم على نسخ (مآثر الكبراء) المخطوطة.

           فشكر الله سعي العاملين فيه جميعًا على خدمة تراث أهل البيت (عليهم السلام).

 أهمية الجزء الرابع من مآثر الكبراء وأسلوب المؤلف فيه:

   1ـ إن المتتبع لسيرة وحياة الإمام العسكري (عليه السلام) يجد ضالته في هذا الجزء الرابع من موسوعة مآثر الكبراء فهو يختص بسيرة الإمام العسكري(عليه السلام) بأبعادها المختلفة، وهو كتاب شامل ومفصل في هذا الباب، ويكفيك نظرة إلى فهرس المحتويات لترى بعينك حجم الجهد المبذول في جمع تراث الإمام العسكري (عليه السلام) وأقواله والحوادث التاريخية المرتبطة به (عليه السلام) ليعد الكتاب بحق من المصادر المعتبرة لمن أراد الاطلاع وتتبع مجريات حياة وسيرة الإمام العسكري (عليه السلام).

              لقد بدأ المؤلف في كتابه هذا بذكر ولادة الإمام العسكري (عليه السلام) وذكر الأقوال في ذلك، وذكر شمائله وصفاته وعلمه وأخلاقه (عليه السلام)، ثم ذكر نبذة من توقيعاته المقدسة في مختلف الحوادث إلى شيعته. ونبذة مما جاء عنه (عليه السلام) في المواعظ والحكم والوصايا.

           وكذلك ذكر معاجزه وخوارق الأمور منه (عليه السلام)، وأيضًا نبذة من احتجاجاته، وكذا جملة من تفسيره لبعض الآيات والحديث عن اعتبار تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) والاستدلال على ذلك، وذكر أدعيته (عليه السلام) وتسبيحه وصلاته على أهل البيت (عليهم السلام)، ثم ذكر كيفية وفاته وأقوال العلماء فيها، ومدة عمره الشريف (عليه السلام).

           فقد كان هذا الجزء شاملًا للروايات والدراسات التاريخية ومنها ما يرتبط بذكر تراجم وأخبار أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) والرواة عنه على ترتيب الحروف، فذكر المؤلف ذلك من ص230 مستخرجًا لتلك التراجم من رجال العلامة الفقيه الشيخ عبد الله المامقاني (قدس سره) فذكر أكثر من (300) اسم من المشهورين بالكنى واللقب أيضًا، فأخذت هذه التراجم لرجال الحديث قسطًا كبيرًا من الجزء الرابع بلغ من ص230 إلى نهاية الكتاب حيث يبلغ عدد صفحات الكتاب أكثر من (526) صفحة.

   2ـ اعتماد المؤلف في جمع مادته التاريخية على المصادر الموثوقة فهو يقول في مفتتح الكتاب بعد البسملة والحمد: (وبعد، فهذا الجزء الرابع من مآثر الكبراء أو تاريخ سامراء يبحث عن حياة أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) ويتضمن تراجم أصحابه وأصحاب أبيه (عليه السلام) بصورة تفصيلية، فإليك أيها القارئ الكريم فصوله معنونه مفصلة منقولة من أوثق المصادر لعلمائنا الأعلام وحملة الدين وحفظة الأخبار …)(8)

           ومنه يظهر تصريحه باختيار مصادره وتتبعه لأجل الخروج بنتيجة واضحة تعبر عن اجتهاده وجهده العلمي وكأنه يجعل من القارئ مشاركًا معه في استقرائه، فيسوق إليه الأدلة والنتيجة معًا، وإليك مثالًا واضحًا من كتابه:

          فلما ابتدأ المؤلف الحديث عن حياة الإمام العسكري (عليه السلام) وولادته يقول: (ولد (عليه السلام) في المدينة المنورة في يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الثاني سنة (232هـ)، وكان سن أبيه يوم ولادته (16) سنة وشهورًا وشخص إلى العراق بشخوص والده إليه وله أربع سنين وشهور،

           وكانت مدة إمامته بعد أبيه ثمان سنين، وكانت في بقية ملك المعتز، ثم ملك المهتدي، وتوفي في ملك المعتمد بعد مضي خمس سنين منه مسمومًا، وعاش مع أبيه (20) سنة ودفن في داره بسر من رأى، ومرض في أول شهر ربيع الأول سنة (260هـ) ومات مسمومًا لثمان خلون من هذا الشهر في يوم الجمعة، وخلف ابنه المنتظر لدولة الحق، هذا هو القول المختار بعد تتبع تام)(9)،

            ومن عبارته الأخيرة يظهر ما أشرنا إليه من استعماله الاستقراء والتتبع للخروج بنتيجة عبر قرائن يطمئن إليها وهذا الأمر يستدعي نقل مختلف الأقوال وقد فعل المؤلف ذلك وذكر الأقوال المختلفة في ولادته (عليه السلام) آخذًا بسرد المصادر المعتمدة في البحث، واختتم ذلك بقوله: (فإذا وقفت على ما تلوناه عليك علمت أن الصحيح ما اخترناه والله أعلم)(10).

              فسعة الاطلاع ونقل الأقوال المتعددة والخروج بنتيجة تعبر عن خبرة وجهد مبذول وملحوظ للقارئ والمطلع.
فشكر الله تعالى سعي المؤلف (قدس سره) وخلد ذكره عبر التاريخ لما قدمه من خدمة جليلة لتراث أهل البيت (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) انظر العدد 56 من مجلة ينابيع بحث منشور (المرجعية الدينية في مدينة سامراء).
2) انظر الذريعة ج6 ص292.
3) انظر مآثر الكبراء ج4، ص9 المقدمة.
4) انظر المصدر السابق ص19.
5) انظر المصدر السابق، المقدمة ص21.
6) المصدر السابق ص21.
7) انظر الذريعة ج19، ص6.
8) مآثر الكبراء ج4، ص25.
9) م.ن، ص26.
10) م.ن، ص30.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.