Take a fresh look at your lifestyle.

بلاغة الإمام الصادق(عليه السلام) وأثرها في التراث الأدبي القديم

0 802

         كان الإمام الصادق(عليه السلام) من أوسع الناس علماً وأكثرهم عطاءً واطلاعًا حتى قيل عنه: (إنه ذو علمٍ غزيرٍ في الدين، وأدبٍ كاملٍ في الوحدة، وزهدٍ بالغٍ في الدنيا، وورعٍ تامٍ عن الشهوات)(1).
وقد جعلته هذه الصفات مقدمًا بين أعلام عصره، وفقهاء زمانه، فتتلمذ على يديه في العراق إمام الأحناف (أبو حنيفة) النعمان بن ثابت (ت150هـ)، وفي الحجاز مالك بن أنس (ت179هـ) إمام الموالك، كما تتلمذ عليه شيخ المعتزلة واصل بن عطاء،ورائد الكيمياء جابر بن حيان، فضلًا عن شيوخ التفسير والحديث والفقه والأصول وغيرهم من العلماء والأدباء والبلغاء الذين تأثروا به كثيرا.
ومن الجدير بالذكر إن عصر الإمام الصادق(عليه السلام) شهد نموًا وازدهارًا وتفاعلًا على المستوى العلمي والأدبي والحضاري بين الثقافة والتفكير الإسلامي من جهة وبين ثقافات الشعوب ومعارف الأمم وعقائدها من جهة أخرى، ففي عصره نشطت حركة الترجمة، ونقلت كثير من المعارف والعلوم والفلسفات من مؤلفات أجنبية إلى اللغة العربية.
ولاشك في أن حركة الأدب في عهد الإمام الصادق(عليه السلام) كانت نشيطة، حتى إن الشعراء قد شكلوا طبقة مهمة من طبقات المجتمع، فقد أثروا في المجتمع، ولوحظ أن حركة الأدب أصابها النشاط في مختلف فنون الآداب العربية، وقد كشفت الإشارات التي وصلتنا عن الإمام اهتمامه بهذه الحركة، وكان خبيرًا في أمور الأدب والبلاغة، فقد أخذ بيد الشعراء وناصر الأدب ودرس تلامذته الأدب وتاريخه وأصوله وكل ما يتعلق به، وأوضحت تلك الإشارات أن الإمام كان يوجه الأدب نحو الوجهة الإسلامية التي تخدم الأمة وصلاحها.

قضية البلاغة في فكر الإمام(عليه السلام):
يرى المطلع على كلام أهل البيت(عليهم السلام) أن البلاغة قد تحقّقت في كلامهم ، وهي قبل ذلك قد تحقّقت في نصوص الوحي المبين، وكلام الأنبياء والمرسلين، والأئمّة والوصيّين، صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين. لأنّ هذه النصوص الشريفة جاءت في أسمى معانٍ وأقصر كلمات، فبلَغَتِ المراد بلا إطالةٍ مُمِلّة أو إيجازٍ مُخِلٍّ مُنقصٍ للمعنى، ودونَ حَشْوٍ أو تكلّفٍ للمحسِّنات البديعية على حساب تبيان المعنى المراد والهدفِ الإلهيّ المطلوب.. فجاءت مُشرِقةً بيِّنةً، ونافعةً مؤثّرة، وذلك يُسمّى أبلغُ الكلام وأحسنه.
لقد ورد في كلام الإمام الصادق(عليه السلام) أقوال عن البلاغة وصفاتها يقول: (ثلاثة فيهنّ البلاغة: التقرّبُ من معنى البُغْية، والتبعُّد مِن حَشْوِ الكلام، والدَّلالةُ بالقليل على الكثير) ويقول: (من عرف شيئًا قل كلامه فيه) يريد أن من يعرف الشيء يصل إليه في أقل الكلام، ويقول: (وإنما سُميَ البليغ بليغًا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه)، ويقول: (ليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة)(2).
ويبدو أن سبب هذا الاهتمام بالبلاغة يعود إلى أن العصر شهد تطورات ثقافية ومنها العناية بتعريف البلاغة ومفهومها، والهدف هو توظيف الفن من أجل الخطابة والكتابة التي ازدهرت آنذاك.
ومن الجدير بالذكر أن بعض العلماء تنبّه إلى مسألة اهتمام الإمام
الصادق(عليه السلام) بقضية البلاغة وراح ينقل جانبًا من أقواله، فقد استشهد صاحب كتاب (نضرة الاغريض في نصرة القريض) برأي الامام الصادق(عليه السلام) في البلاغة وذلك في قوله: (وأما البلاغة فهي الفصاحة يقال بلغ الرجل بضم اللام فهو بليغ ولا فرق بين البلاغة والبيان إلا في اللفظ وسئل بعضهم عن البلاغة فقال: كلام وجيز معناه إلى قلبك اقرب من لفظه إلى سمعك، وقال جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام): إنما سمي البليغ بليغًا لأنه يبلغ حاجته بأهون
سعيه)(3).
ومن الباحثين من لاحظ اهتمام الإمام الصادق(عليه السلام) بالبلاغة والفصاحة لأنها واحدة من سمات الكمال للشخصية لأنها تعني المقدرة البيانيّة(4)، أي إن رؤية الإمام للفصاحة والبلاغة تتعدى المفهوم البسيط لتصل إلى أعماق الفكرة فهو لا ينحصر في انتقاء العبارة من حيث إيقاعها أو أحكام تركيبها بل يتجاوز ذلك إلى صياغة الدلالة.

موضوع الإيجاز في تصوّر الإمام(عليه السلام):
من أبرز سمات لغتنا العربية ميلها الواضح إلى الإيجاز(5)، واختصار القول وهذا هو أدب أهلها وعاداتهم في خطاب بعضهم، وها هو رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوصي جرير بن عبد الله البجلي فيقول: (يا جرير إذا قلت فأوجز، إذا بلغت حاجتك فلا تتكلف)(6).
من هنا كان الإمام الصادق(عليه السلام) يتأسى بقول جدّه المصطفى ويسير على سيرته في اتباع الإيجاز في القول البليغ الحكيم المؤثر، وقد لاحظ العلماء ذلك منه، وتأثروا به كثيرًا ومنهم القزويني الذي كان يستشهد عند حديثه عن ظاهرة الإيجاز بقول الامام(عليه السلام)، إذ ورد هذا في قوله: (ومن أمثلة الإيجاز أيضًا قوله تعالى في ما يخاطب به النبي: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(7)

فإنه جمع فيه مكارم الأخلاق لأن قوله خُذِ الْعَفْوَ أمر بإصلاح قوة الشهوة فإن العفو ضد الجهل… أي خذ ما تيسر أخذه وتسهل، وقوله وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ أمر بإصلاح قوة الغضب، أي أعرض عن السفهاء واحلم عنهم ولا تكافئهم على أفعالهم، هذا ما يرجع إليه منها، وأما ما يرجع إلى أمته فدل عليه بقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي بالمعروف والجميل من الأفعال، ولهذا قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في ما روي عنه: أمر الله نبيه (بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لها من هذه الآية)(8) .
لقد أدرك الإمام(عليه السلام) أن مع التطويل الملل وانصراف السامعين عن الكلام إذ لنشاط السامعين نهاية، ويرى الدكتور عبد الهادي خضير أن اعتزازهم بالكلام الجيد والشعر الرصين هو الذي دفعهم إلى قياسه بالأشياء الثمينة التي غلى ثمنها وخف محملها، ففضلوا الكلام الموجز الألفاظ الكثير المعاني(9).
فضلًا عن هذا أورد صاحب جمهرة خطب العرب خطبة للإمام الصادق(عليه السلام)
لما امتازت به هذه الخطبة من فنون الإيجاز والبلاغة، وقد جاءت هذه الخطبة في معرض حديثه عن الإمام الصادق(عليه السلام) والخليفة العباسي المنصور يقول:
(وكان أهل المدينة لمّا ظهر محمد بن عبد الله أجمعوا على حرب المنصور ونصر محمد، فلما ظفر المنصور أحضر جعفرًا الصادق بن محمد الباقر فقال له: قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربي، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعور ويجمر نخلهم، فقال له جعفر الصادق: يا (أمير المؤمنين) إن إسماعيل أُعطي فشكر وإن أيوب ابتُليَ فصبر، وإن يوسف قَدَرَ فغفر، فاقتدِ بأيّهم شئت)(10).
وتكمن بلاغة الإمام في هذا القول بقدرته على بلوغ غايته في تأكيد المعنى وهو العفو عن أهل المدينة الذين ثاروا على الخليفة العباسي مع الحفاظ على جمال الأسلوب وقدرته على التأثير في المتلقي.

نشرت في العدد 52


(1) كتاب الملل والنحل للشهرستاني 1/166.
(2) تحف العقول للحرّاني:317، ونضرة الاغريض في نصرة القريض: 1\43.
(3) نضرة الاغريض في نصرة القريض: 1\43.
(4) الإمام جعفر الصادق دراسات وأبحاث: 116 وما بعدها.
(5) ظ: معجم المصطلحات البلاغية: 1\344.
(6) كتاب الكامل:1\8.
(7) الآية 199 من سورة الأعراف.
(8) الإيضاح في علوم البلاغة: 1\ 176.
(9) ظ: النقد البلاغي عند العرب:189.
(10) جمهرة خطب العرب:3\ 40.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.