Take a fresh look at your lifestyle.

مقاربة دلالية في آيتي قبول التوبة وعدمها في سورة النساء

0 196

           لما كان الإنسان مجبولاً على الدخول إلى عالم الخطأ، ومُقيَّضاً له الولوج إلى نطاق الخطيئة بلحاظ نزعاته النفسية ودوافعه الذاتية؛ باعتبار قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 7-10). فإنَّه كان من الواجب بمكان أنْ يفتح الله سبحانه له منفذاً ليزيح ما علق بنفسه من ذنوب تلك الخطيئة وشوائب ذلك الخطأ، وإلا من المحال ـ والحال هذه ـ أن ينجو المرء ما لم يكن هناك بديل تعويضي يمكن أن يمر من خلاله لينقي نفسه من درأ الزلل واتباع الهوى وتلبية دعوة الشيطان.
من هنا فتح سبحانه باب التوبة لعباده وحثهم إليها بتحفيز ودعم عاليين، بيد أنه سبحانه بالمقابل قد وضع جملة من الأسس التي يجب أن يتمثَّلها المرء ويسير على نهجها كي تقبل توبة العبد، وتأسيساً على هذا سنقف على آيتين من سورة النساء قد ذكر فيهما سبحانه دواعي قبول التوبة وأعرب بالمقابل عن علل رفضها، وذلك تحديدًا في قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (سورة النساء: 17- 18).
ولما كان النص القرآني على درجة مطلقة من الإعجاز الصياغي فإنَّه يمكن القول باطمئنان أنَّ الله سبحانه قد صاغ نص قبول التوبة والدعوة إليها بحيثية غاية في الروعة والإبداع، سواءٌ من حيث انتقاء الأداة الموافقة تماماً للمطلب الدلالي المبتغى أم من حيث توظيف الصيغة الصرفية لبيان المضمون الـمُنتَج بفعلها مواءمةً مع الدلالة العامة لسياق النص الكريم، أو من حيث نحت التركيب الجملي بحيثيات معبرة عن الداعي الدلالي الموصول إلى المتلقي بمنطق كيفية بنائها، وبناءً عليه سنقرأ هذين النصين الكريمين قراءة دلالية بمنطق تحليل الخطاب لاستظهار ما بهما من مكنونات مضمونية ـ في ما يخص قبول التوبة أو عدمها ـ قد صيغت بأروع أساليب الإعجاز النصي والبنائيات السماوية المبدعة.
فإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) فإننا نجد أنَّ (إنما) أداة حصر جاءت في النص الأول – نص قبول التوبة- لتحصر قبول التوبة على وفق ضوابط معينة لا تتجاوزها و (التوبة) تعني الرجوع عن الذنب والمعصية، أما قوله (عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ) فالناظر أول الأمر يحسب أن المعنى يقتضي عبارة (إنما التوبةُ على العبدِ) باعتبار أن العبد هو الذي يتوب وليس الله تعالى وللرد على هذا ذهب بعض المفسرين إلى ضرورة وجود محذوف في النص فتقدير الكلام هو (إنما قبول التوبة على الله) (1)، وذهب آخرون إلى أن معنى (التوبة على الله) هي رجوع الله على العبد بالمغفرة والرحمة أي إن التوبة واجبة على الله سبحانه في حال توجه العبد إليه بتوبة نصوح (2)،

وهو الأرجح لدينا تأسيساً على أن عدم التقدير أولى من التقدير ثم إن حرفي المعنى (على) و (اللام) في (اللذين) يعضدان هذا الترجيح؛ إذ يشير أنه بوجوب قبول التوبة من الله للعبد، فإن (على) تدل على الوجوب و (اللام) تدل على الاستحقاق وذلك في مثل قولك: (لي على زيدٍ حقٌّ ولمحمدٍ عليَّ مبلغٌ من المالِ) فنجد أن فيها معنى الاستحقاق من جهة ووجوب القبول من جهة أخرى، لأنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة للعباد.
أما لفظة (يعملون) فهي أينما وردت في السياقات القرآنية فهي دالة على أن أداء العمل مستمر دون إنجازه، أما لفظة (يفعلون) ومشتقاتها فهي تدل على أداء العمل بإنجاز كامل، وقد جاء النص بلفظة (يعملون) حتى يدل على أن جميع من قام بذنب ولم يتب عنه فهو مازال في نطاق الذنب والمعصية، وكأن المعصية التي نفَّذها لم تنتهِ بعد ولا يكون الانتهاء منها إلا بالتوبة، ثم إن ثمة أمراً آخر يستدعي مجيء لفظة (يعملون) دون لفظة (يفعلون) وهو أن داعي المعصية يكون من عمل الشيطان ، وإذا كان الشيطان دائم العمل لإغواء الناس كان عمل المعصية من قبل الإنسان هو امتداد لعمل الشيطان غير المنتهي، فكان في لفظة (يعملون) إشارة إلى عمل الشيطان الدؤوب.
أما قوله (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) فالتساؤل يرد في أنه لِمَ أضاف لفظة (بجهالة)، ولو عمل الذنب بغير جهالة ثم تاب ألا تُقبَلُ توبته؟ لقد مال المفسرون إلى قوله (بجهالة) تعني جهالة بقبح المعصية، وسوء عاقبتها لا الجهل في أنها معصية أم لا، بل الجهل بما يترتب عليها من محذور (3)، ونؤيد هذا المعنى لدى علماء التفسير إذ نرى أن الباء في لفظة (بجهالة) هي التي حققت هذه الرؤيا لأنه لو قال: (يعملون السوء جاهلين) لكانت لفظة (جاهلين) هنا (حال) فتعطي معنى أنهم يعملون السوء وهم جاهلون في معرفة أن عملهم هذا معصية أم أنه لا يمثل المعصية فيكون الجهل هنا معرفة المعصية ذاتها، على حين أنه أورد الباء فقال (بجهالة) ليدل بالباء على السببية أي يعملون السوء بسبب جهلهم بعقابه (4)،

وقد تفيد الباء معنى (في) الظرفية فيكون المعنى: يعملون السوء في الوقت الذي هم يجهلون عاقبته أو يعملون السوء وهم في جهل من عاقبته، لكن القول بمعنى السببية هو أرجح لدينا لأنه هو الداعي إلى ارتكاب الذنب، و (الجهالة) هنا تمثل القيد التوضيحي الأول للتوبة.
أما قوله (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) فقد أورد فعل التوبة ههنا على صيغة المضارع لينفتح فعل التوبة على كل زمان ومكان دون تحديده بوقت دون آخر، ثم إن هذه الصيغة للتوبة تتناسب مع صيغة فعل العمل السيئ (يعملون) ليفهم الناس أنهم متى عملوا سوءاً وأرادوا التوبة فإن باب التوبة مفتوح، أما قوله (من قريب) فرُبَّ سائلٍ تستوقفه هذه العبارة فيقول: هل الذي يعمل الذنب ثم يتوب بعد ذلك من بعيد، أي بعد وقت بعيد لا تُقبَلُ توبته؟ وللإجابة نقول: إن كلا المذنبين تقبل توبته، إذ ليس المراد بالقرب معنى مقابل البعد لأن التوبة إذا كانت قريبة من ارتكاب الذنب أم بعيدة فإن حكمهما واحد في القبول إذا كانت توبة نصوح حقيقية، وإنما المقصود بلفظة (من قريب) قبل ظهور علامات الموت ومعاينة سلطانه فهذا الوقت لا تقبل فيه التوبة ويعضد هذا المعنى الآية التالية، وما يسند هذا المعنى أيضاً هو حرف المعنى (ثم) الذي يفيد التراخي البعيد في الزمن، مما يفتح المجال أمام المذنب للتوبة بعد زمن قد لا يكون قريباً،

ولو أراد سبحانه بلفظة (من قريب) أن التوبة يجب أن تكون قريبةً من وقت حدوث الذنب حتى تقبل لقال: (للذين يعملون السوء بجهالة فيتوبون من قريب)؛ لأن (الفاء) تدل على قرب وقت حدوث التوبة على المعصية، ليتناسب ذلك مع قوله (من قريب)، على حين أنه استعمل (ثم) ليكون المجال واسعاً للتوبة لكن مشروطًا بعدم ظهور علامات الموت على المذنب. من هنا نصل إلى أن قبول التوبة في هذه الآية الكريمة لها قيدان، الأول (بجهالة) والثاني قوله (ثم يتوبون من قريب) ولو قال: (إنما التوبة على الله للذين يتوبون من قريب لعملهم السوء بجهالة) لوجب أن تكون التوبة قريبة من وقت حدوث المعصية.
ونلحظ في بداية الآية أنه قدَّمَ سبحانه لفظة (على الله) وآخر لفظة (للذين) وكان يسعه أن يقول (إنما التوبة للذين يعلمون السوء على الله) غير أن هذه العبارة الأخيرة لا توحي بحصر التوبة لله وحده، على حين أن التقديم الذي هو في الآية أفاد تخصيص التوبة لله تعالى وحده دون غيره فهو الوحيد القادر على أن يرحم عباده المذنبين.
أما قوله (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) فنجد فيه أن التعبير قد تغير، فبدلاً من أن يقول (أولئكَ على اللهِ تَوبتُهُم)، قال (أولئكَ يَتوبُ اللهُ عليهم) وذلك لأنه قد قدَّم في بداية الآية ليفيد معنى اختصاص الرحمة به من جهة وأحقية العباد عليه من جهة أخرى، كما أن فيها تشويقاً للعبد المذنب في التوبة لله،إذ إن التوبة حقٌّ له على الله كما هي مُصوَّرة بالتعبير، أما في الموضع الذي نحن فيه فنلحظه لم يقدِّم لانتفاء السبب فهو ليس بصدد التحفيز لأنَّ المذنبين قد تابوا، لذا جاء على الأصل الصحيح للجملة ونجده استعمل المضارع أيضاً (يتوبُ) ليتوافق مع ما قبله من الأفعال، ويؤكد استمرارية توبته على الناس جميعاً، وعبَّرَ عن التائبين بلفظة (أولئك) للدلالة على علو المكانة ورفعة الشأن، ثم قال (وكان اللهُ عليماً حليماً) فنجده ختم الآية بهذه العبارة وكنا نخال أنه سيقول (وكان اللهُ غفوراً رحيماً) توافقاً مع التوبة، بيد أنه استعمل (عليماً وحكيماً) لعلمه وحكمته بمن يعمل السوء بجهالة، لأن من يقترف ذنبًا بداعي الاستعلاء والاستكبار عليه سبحانه لن يغفرَ له أبداً.
قال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)، الواو في بداية الآية استئنافية لأنه استأنف الحديث عن فئة أخرى، أما لفظة (ليست) فقد أفادت النفي المطلق غير الـمُقيَّدِ بزمن وقد أجمع علماء النحو قدامى ومحدثين على أن (ليس) تدل على الإطلاق عند دلالتها على الحال وعدم ظهور القرينة كقولك (ليس زيدٌ قائماً)، فهذه العبارة خالية من وجود قرينة تصرفها إلى زمن غير زمن الحال فالمقصود (ليس زيدٌ قائماً الآن) أما إذا وجدت قرينة صارفة لها إلى زمن آخر غير الحال فلا تدل على الإطلاق كقولك: (ليس زيدٌ قائماً أمساً أو غداً) فهنا تدل على الزمن الماضي أو المستقبل بحسب القرينة، ولنا أن نخالف النحاة فنقول إنَّ الحال زمن مُقيِّد أيضاً، فكيف تدل على الإطلاق من الزمن عند دلالتها على الحال الذي هو زمن مُقيِّد، بل تدل على الإطلاق من الزمن بحسب السياق ففي الآية أعلاه تدل على النفي المطلق من الزمن، لأن الله تعالى لا يتوب على المذكورين في الآية أبداً ولو قلنا بقول النحاة لكان المعنى أن الله لا يتوبُ عليهم الآن لكنه قد يتوبُ عليهم في ما بعد وهذا ما لا يتحمله النص.
ونلحظ أنه سبحانه لم يُظِهرْ اسمَهُ هنا على حين أظهره في الآية السابقة، وذلك لأنه قد أظهره في الموطن الذي يجمل فيه أن يظهر فذكره في سياق التوبة على العباد، أما هذه الآية فلم يذكر اسمه لأنه في صدد الحديث عن المستكبرين بالذنوب والكفار.
أما قوله (يعملون السيئاتِ) فنجده جمع (السيئات) ليُنبئ أنَّه قد أحصاها عليهم وهي كثيرةٌ على حين قال في الآية السابقة (يعملون السوءَ) فوصف العمل بأنه سوء ويمكن تغيره إلى حسن بالتوبة، أما في الآية هذه فقد قال (يعملون السيئات) فنجده قد وصف نتيجة العمل الذي بقيت لأنهم لم يتوبوا، ولهذا لم يستعمل لفظة (السيئات) في الآية السالفة لأنها لم تبقَ، بل ذهبت بفعل التوبة.
أما حرف المعنى (حتى) في قوله (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) فيفيد انتهاء الغاية، ونجده استعمل أداة الشرط (إذا) لأنها تدخل على الجمل اليقينية الحدوث، أما الفعل (حضر) فهو فعل الشرط، وإذا ما تتبعنا وروده في النص القرآني فإنا نألفه مساقاً مع لفظ الموت دائماً إلا في آية واحدة وهي (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) (النساء: 8.)،

ومن اقتران الفعل (حضر) مع الموت دائماً نصل إلى أنه لا يستعمل في الخطاب القرآني إلا في دلالة المفاجأة ونلمس جمالية القدرة التعبيرية في انتقاء هذا الفعل دون غيره وإقرانه مع لفظة الموت، إذ إن الموت شيء مرهوب يخافه الناس وإن استعمال (حضر) يوحي بأن الموت تجده أمامك فجأة دون تَحسُّب، فلا تتمكن من الفرار منه، وفي هذا إضاءةٌ إلى ضرورة السعي لعمل الخير قبل أن تجد الموت شاخصاً أمامك وأنت غافلٌ غير متوقِّع له، وهذا أهيب وأكثر ترويعاً من استعمال الفعل (جاء) مثلاً، حيث لا ينطوي على دلالة الحضور المفاجئ الذي يناسب الموت.
ونجده قدم المفعول به (أحدهم) على الفاعل (الموت) لأن سياق الحديث منصب بشكل كلي على المذنب، فهو المخصوص بالحديث وليس (الموت)، و (حضر) الذي هو فعل الشرط قد جاء بصيغة الفعل الدال على الزمن الماضي (فَعَلَ)، بيد أنه في النص خرج عن نطاق الدلالة على الماضي للدلالة على المستقبل، أما عبارة (قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) فهي جملة جواب الشرط ونجدها مؤكدة بـ (إنِّ) المشددة مما يوحي بعظمة ما رآه المذنب في أثناء عملية الموت الأمر الذي دفعه إلى أن يؤكد توبته بعد أن كان سادراً عنها في حياته، أما الفعل (تبتُ) فهو فعل ماض يدل على زمن الحال بفعل القرينة اللفظية (الآن) فلا يمكن أن ينصرف زمن الفعل للماضي مع وجود لفظة (الآن).
ثم نجده يعطف على هؤلاء المذنبين بقوله (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فاستعمل أداة النفي (لا) بدلا من (ليس)؛ لأنه إذا استعمل (ليس) هنا خرجت (الواو) الـمُصدَّرة بها العبارة من الدلالة على العطف بالمشاركة إلى الدلالة على الاستئناف، فكان الحديث عن (هؤلاء الكفار) يختلف عن الحديث عن (الذين يعملون السيئات) فتحتاج الجملة هنا إلى خبر فنقول: (وليس للذين يموتون وهم كفار) فتكون العبارة مبهمة غير مكتملة، حيث لا نعرف حكم هؤلاء الكفار؛ لذا جاء بأداة النفي (لا) لتشرك الكفار في حكم (الذين يعملون السيئات) وتكون (الواو) عاطفة، وكذا الحال في حذف (لا) فإن الواو ستعد استئنافيةً لا عاطفةً، وتبقى الجملة لها حاجة إلى تتمة، فقولك: (ليس زيدٌ بشجاعٍ ولا خالدٌ)، فإن الواو فيه عاطفة، على حين أن قولك: (ليس زيدٌ بشجاعٍ وليس خالدٌ بضعيفٍ كما يدَّعون)، فإن الواو فيه استئنافية، من هنا نلحظ دقة النص القرآني في وضع الكلمة في المكان المناسب لها؛ بل في وضع الحرف في المكان المناسب له، فنشهد روعة اختيار اللفظ وجودة انتقاء الموقع المناسب له في النص بما يتواءم مع الدلالة المطلوبة.
أما قوله (وهم كفار) فهي جملة حالية انبنت على الإسناد الاسمي لتدل على الثبات، وجاءت لفظة (الكفّار) على زنة (فعّال) وهي صيغة مبالغة لتدل على كثرة الكفر وثباته في هؤلاء، فهم مدمنون عليه بدأب حتى الموت، ولو قال (ولا الذين يموتون وهم قد كفروا) بالجملة الفعلية لما دلَّ على كثرة الكفر وديمومته مثل استعمال لفظة (كفّار)، ثم إن مجيء الحال بالجملة الاسمية (وهم كفار) أبلغ في المعنى وأثبت من ورودها بالجملة الفعلية التي تدل على التجدد والحدوث وعدم الثبات، فقولك: (زيد متعلم) أثبت من قولك: (زيد يتعلم) وقولك: (محمد يحفظ) أبلغ وأثبت من قولك: (محمد حافظ)، ولا بد من الإشارة إلى أن الفعل (يموتون) مُفرَّغ من الزمن، فهو يدل على مطلق الأزمنة دون تحديد، ولا يدل على زمن الحال كما يذهب النحاة، بل إن السياق هو الحكم في تحديد زمن الفعل وليس (الصيغة).
أما خاتمة الآية (أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) فإنا نلحظ فيها أن الله تعالى قد آثرَ استعمال لفظة (أولئك) للإشارة إلى من لا تُقبَلُ توبتهم، وهي اسم إشارة تدل على البعيد وناسب مجيؤها هنا لأن الـمُتحدَّث عنهم بعيدون عن رحمته تعالى، أما قوله (اعتدنا) فهو فعل مزيد على زنة (افتعل)، لأن أصله (عدّ) وإذا صيغ الفعل على زنة (افتعل) دل على الاجتهاد والطلب والمبالغة في العمل، وهذا أكثر تخويفاً لهؤلاء الكفار وأنسب لمقامهم وصفتهم، وقدَّمَ (لهم) على المفعول به (عذاباً) لدلالة التخصيص وَوَصَفَ العذابَ بالأليمِ ليتمَّ المعنى في صورة العقاب، ونلحظ أن جميع الأفعال الواردة في النص قد خرجت عن الزمن الأصلي الذي وضعه لها النحاة، وهذا يتلاءم مع مضمون الـمُتحدَّث عنهم، لأنهم خرجوا عن جادة الصواب إلى سبيل الغي والخطيئة.
بهذا ننتهي إلى أنَّ قبول التوبة مشروع إلى كل إنسان ما لم تَنْتَبه اثنتان: الأولى ظهور علائم الموت عليه وهو ما زال في نطاق الذنب، أو بقاؤه على الكفر وصولاً إلى حد الموت، ففي كلتا الحالين لا تقبل توبة الإنسان مطلقاً، ومن دونهما فإن باب التوبة مفتوحٌ لكل من يبتغي ذلك بنصح ونية خالصة إلى الله سبحانه، (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53).

نشرت في العدد 50


(1) ينظر: البيضاوي: تفسير البيضاوي: 1/160، والالوسي: روح المعاني:4/238.
(2) ينظر: الطباطبائي: الميزان: 4/237.
(3) ينظر: الالوسي: روح المعاني:4/238، والطوسي: التبيان: 3/146، والشوكاني: فتح القدير:1/660.
(4) ينظر: الالوسي: روح المعاني:4/238.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.