Take a fresh look at your lifestyle.

رثاء الإمام الحسين(عليه السلام) في شعر علي الجشي

0 946

          أدب الشيعة صدى لعواطف ملتهبة، أخمد الزمان لهيبها أن يظهر، وأطلق الأدب دخانها أن يثور، ففاح كما يفوح النَّدُ حين يحترق، وماء الورد حين يتصعد.
وفي الأدب الشيعي رقة الدمع ورهبة الدم، والحزن للقلوب الكئيبة، كالنار حين تنفي خبث الحديد وتنقي الذهب الإبريز، ويستطيع الأديب الشيعي أن يبكي في ثورته وأن يثور في بُكائه وأن يُسيطر على الموقف في كلتا الحالتين، لأنه يُلقي من شظايا فؤاده.
ويطلق اسم الشعر الشيعي على ذلك الشعر، الذي قيل في علي وآل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) مدحاً ودفاعاً ورثاءً. ومنذ القرن الإسلامي الأول برز شعراء كرسوا جل اهتمامهم في هذا المجال، فسموا شعراء الشيعة، ويعد الشيخ علي الجشي واحدًا منهم.
فلقد استطاع الشيخ علي الجشي أن ينقل لأهله القطيفيين من الأدباء تجربة الحليين التخصصية من الشعراء، فالقارئ لا يكاد يستمع إلى قصيدة حلية إلاّ وتتبادر إلى ذهنه واقعة الطف، لشدة ما ربط الشاعر مصير قصيدته بقضية كربلاء. فالجشي الذي ولد سنة 1297هـ في مدينة القطيف، الجزء الشرقي من جزيرة العرب، هاجر إلى النجف الأشرف واستقرَّ بها لتحصيل العلوم الدينية سنة 1317، وحضر في كربلاء عند بعض الأعلام، وكذلك الكاظمية وسامراء ثم آب عائداً إلى النجف الأشرف وأقام ثانية ما بين عامي 1334 و 1345 وحضر عند الميرزا النائيني وأغا ضياء العراقي والسيد أبو الحسن الأصفهاني، وأخيراً لدى السيد الحكيمJ وهو من القلائل الذين حظوا بالإجازة الخطية بالاجتهاد من لدن السيد الحكيم(قدس سره).
وتعد قصيدة الشيخ علي الجشي الداليّة من عيون شعر رثاء الإمام الحسين(عليه السلام)
وتمتاز بأنها ذات بناء فني يشبه بناء القصائد القديمة من حيث الوقوف على الأطلال وبكاء الربع، ويتحدث فيها الشاعر عن الشكوى وهو تقليد جاهلي توارثه الشعراء منذ قديم الزمان.

لغة شعر القصيدة
إن اللغة الشعرية التي تجعل من الصورة أساساً لها، تصبح وسيلة تواصلية مسعفة في التعبير عن أية حالة أو رؤية تعبر وجدان الشاعر وذهنه؛ بل تمكنه من طريقة سحرية في الإيحاء بالشيء الذي يجعل المتلقي قادراً على التقاط الإشارات وتحويلها إلى دلالات قد تضيق أو تتسع حسب طبيعة مرجعية المتلقي، وقدراته على التأويل نحو قوله :

حيّ إن جئت ربع أنسي زرودا
واحبس الركب عندها والخودا
فعسى تنقضي لبنات قلبي
فيرباها إذا التثمتُ الصعيدا
لست أنسى بها ليالي أنس
مشرقات وعهدنا المعهودا
قد نظمنا فيها حديث التهاني
ونثرنا عقد الهوى المنضودا(1)
استعمل الشاعر على الجشي كثيرًا من المفردات القديمة، وضمنها قصيدته في رثاء الإمام الحسين(عليه السلام)، وربما يعود السبب إلى إرادة الشاعر أن يعيش المتلقي في الأجواء القديمة واللغة السائدة في عصر الإمام، حتى يكون قريبًا من الأحداث التي حصلت آنذاك وما تلاها من استشهاد الإمام(عليه السلام) على يد الزمرة الضالة من أتباع الشيطان.
فضلاً عن هذا امتازت قصيدة الشاعر بجودة استعماله لفن حسن التخلص، فقد كان الشاعر ينتقل من موضوع إلى آخر دون أن يشعر المتلقي بهذا الانتقال، ويعود الفضل في هذا إلى براعة الشاعر في توظيف هذا الفن الشعري الذي يتعلق ببناء القصيدة، انظر إلى قوله :
شيمة للزمان شب عليها
لم يسالم من كيده موجودا
لا يراعي أخا العلى لعلاه
من حيا لا ولا يراعي الوليدا
أترى للعلا أخًا كحسين
أم ترى مثل طفله مولودا
ذاك أرداه بالحسام وهذا
سهمه قد أصاب منه الوريدا(2)
نلاحظ بعد هذه المقدمة التي اشتملت على الشكوى من الزمان أن الشاعر ينتقل للحديث عن واقعة الطف الأليمة بانسيابية تامة.
كذلك يلاحظ المتلقي على هذه القصيدة توظيف الشاعر لأساليب بلاغية متنوعة كان لها شأن في التأثير في المتلقي، منها أسلوب التقديم والتأخير في قوله :
وآزرته عصابة لو إليها
برز الموت في اللقا لأبيدا
فاصل الكلام هو (لو برز الموت إليها)، لكن الشاعر أراد من وراء تقديم النفس على الموت أن يدلل على أن الموت مخصص بالبروز إلى هذه النفوس دون غيرها، فقد حددها وشخصها فهي قادرة على أن تبيد الموت بفضل بسالتها وشجاعتها فهي لا تهاب الموت، وهذا ليس بالغريب على شخصية الإمام سيد الشهداء فشجاعته من شجاعة أبيه علي بن أبي طالب(عليه السلام): (قال أبو الفرج وحدثني محمد بن الحسين أيضًا بإسناد ذكره، أن الأشعث دخل على علي فكلمه فأغلظ عليٌّ له فعرض له الأشعث أنه سيفتك به فقال له علي أبالموت تخوفني أو تهددني فو الله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي)(3).
وقد جسد شاعرنا هذا بقوله :
أو هل يخشى لقاء المواضي
من بحجر الوغى تربى وليدا(4)
نلاحظ الإشارة الواضحة إلى البيئة التي عاش فيها الإمام (سلام الله عليه) فهي بيئة عز وشجاعة ومجد , لقد استفاد الشاعر من توظيف أسلوب الاستفهام.
أما بنية الاستفهام، في هذه القصيدة فقد كان لها حضور، وهذا الحضور إنما يعكس ما يمور به وجدان الشاعر من أرق وحيرة، وما يفعمه من توقٍ إلى اجتذاب المتلقي والزج به في أتون التجربة، بحيث يصبح التلقي فعلاً إيجابياً يضيف إلى النصوص مثلما يأخذ منها, لأن الشاعر يريد أن يبين حجم تضحية الإمام.
ويلاحظ القارئ أن الشاعر جسّد كثيرًا من قيم الشجاعة والبطولة والتمسك بالدين الإسلامي والسير على خطى النبي محمد(صلى الله عليه وآله) في هذه القصيدة، فهو يشير إلى أن الإمام الحسين(عليه السلام) جزء لا يتجزأ من النبي(صلى الله عليه وآله) وقد أشار إلى ذلك في قوله :
ولو الدهر لابن أحمد أبدى
في الوغى صفحة لكان الفقيدا(5)
نلاحظ أن الشاعر يكني الإمام بأنه ابن أحمد، وفي هذا شرف عظيم وردٌّ على من يرى أن الصلة بعيدة بين الإمام(عليه السلام)
والنبي(صلى الله عليه وآله)، وهي مسالة طبَّل لها أعداء الإمام ولم يصلوا فيها إلى شيء سوى الخيبة.
وفي الختام، التعبير الشعري تعبير يتميز بأنه تعبير تصويري لا تقريري، وأن التصوير في حاجة إلى التشبيهات والاستعارات والصور، ويعتبر عموداً يقوم عليه الشعر, وقد استطاع شاعرنا الجشي أن يقدم صورة مليئة بالفخر والاعتزاز عن الإمام الحسين (سلام الله عليه) .

نشرت في العدد 50


(1) الديوان : 122
(2) الأبيات في الديوان : 122.
(3) شرح نهج البلاغة 6: 118.
(4) الديوان :132.
(5) الديوان : 134.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.