Take a fresh look at your lifestyle.

الشيخ علي حيدر.. فكر معطاء (1328 – 1387هـ)

0 372

مسلم عقيل الشاوي

 

       هو الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ عيسى بن الشيخ محمد علي بن حيدر وأسرته آل حيدر من الأسر العلمية المعروفة بعروبتها والمشهورة بفخرها (وهم بقية بني وثال زعماء آل أجود حلفاء المنتفك)(1).
فلأسرته اليد الطولى في العلم والأدب ولها ماضيها المشرِّف في الجهاد، والحق يقال ما كان للحركة الأدبية أن تنهض في سوق الشيوخ لولا وجود هذه الأسرة التي توارثت حمل راية نشر الدين والأدب، ففي وسط هذا الجو المملوء بحب العلم والمعرفة ولد الشيخ علي آل حيدر في عام 1328هـ ـ 1907م بمدينة السماوة في العراق، تحديدًا في قضاء الخضر(2) إذ كان أبوه عالمًا جليلًا نال درجة عالية من العلم والفقه في الدين أهلته لأن يكون عالم مدينة الخضر وداعيتها(3)، وقيل في عام 1902م في سوق الشيخ، كما قال الشيخ جميل آل حيدر في كتابه (موجز مختصر تاريخ آل حيدر)، له من الأشقّاء كان لهم من الشأن الكبير وهم الشيخ طالب آل حيدر، والشيخ أسد حيدر، والحاج منصور(رحمه الله).
عاش الشيخ منذ بداية حياته اليتم إذ توفي والده في عام 1333هـ عند رجوعه من معركة الشعيبة في مواجهة الانكليز(4) فلم يتمتع بعاطفة الأب ولم يذق طعم حنانه إلا لسنوات قليلة، وقد رافق هذا الحرمان الفقر الشديد إلا أنهما جعلاه يرسم منهاج حياته مبكرًا على الرغم من اشتداد المحن، وصعوبة الظروف تترك آثارًا سلبية في نفس الإنسان كما يقول علماء النفس إلا أنه شق طريقه نحو الهدف الذي سعى إليه، فواجه كل الظروف التي واجهته، فقد أخذ من رسول الله(صلى الله عليه وآله) قدوته وأسوته الحسنة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21) في بناء شخصيته، فالرسول(صلى الله عليه وآله) عاش قبله هذا الحرمان فأخذ يستلهم منه(صلى الله عليه وآله) العلم والأدب والفضيلة والشجاعة.
توجه منذ بداية حياته إلى الكتاتيب الموجودة في مدينته، تعلم القراءة والكتابة، وبعد وفاة والده انتقل إلى النجف الأشرف، كان مشغوفًا بالقراءة والمطالعة وكان سريعًا في التعلم، الذي أهلَّه لأن يكون له الباع الطويل في الكثير من العلوم القديمة والحديثة. درس بعض العلوم الرياضية والعربية والفقه والأصول على يد جماعة من العلماء منهم الشيخ جعفر محبوبة والشيخ يحيى الجواهري والشيخ عبد الأمير البصري(5).
قصد ناحية (قضاء) المدينة في البصرة لزيارة أقاربه فشاءت له المقادير أن يقيم فيها حتى وفاته، كان فيها مثابرًا على نشر الفضيلة والتعاليم الدينية والفقهية،كذلك تصديه للمواكب الحسينية من خلال قصائده التي نظمها والنابعة من عقيدته بحب الآل(عليهم السلام)، مما حدا بأهالي قضاء (المدينة) إلى التقدم بطلب إلى الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء(قدس سره) بأن يكون في القضاء وكيلًا عنه الشيخ علي آل حيدر، وكان حينها معقلاً (يرتدي العقال) فاستدعاه الشيخ كاشف الغطاء ليوجه له أسئلة فقهية وغيرها والشيخ يجيب، حينها أمره الشيخ كاشف الغطاء بخلع (العقال) وألبسه بيده الكريمة العمامة، وقال له اذهب فأنت وكيلي هناك.
وعندما وافت الشيخ آل كاشف الغطاء(قدس سره)
المنية أصبح الشيخ علي آل حيدر وكيلًا للسيد أبو الحسن الأصفهاني(قدس سره)، وبعدها أصبح وكيلًا للسيد محسن الحكيم(قدس سره)، ولم يقف الشيخ(رحمه الله) في الدعوة إلى نشر الفكر الإسلامي والإصلاح الديني والثقافي والسياسي، بل وقف في محاربة المد الشيوعي، وكان كالأسد لا يثبت أحدٌ أمام فكره، فأخذوا يحاربونه بكل الأساليب. كذلك وقف كالصادح المحكي في وجه البعث في بدايات تأسيسه حتى قيل له: ما تقول في البعث؟ فأجابهم: (إنما البعثي والشيوعي إخوانا كلاهما كفر وإلحاد)، كساه الله رداء العفة والفضيلة والشرف الرفيع، حتى وصل إلى مرحلة باع فيها سجادة صلاته لأجل إطعام عائلته.
كان زاهدًا عابدًا يقوم بأعماله بنفسه، فقد حرص على أن لا يكلف أحدًا في أعماله، بل كان يقوم بخدمة نفسه بنفسه حتى في التفاصيل الصغيرة، وكان يبادر الأحبة والأصدقاء والأقارب في مواصلتهم والزيارات المستمرة لهم في الأعياد والأيام العادية، واطلعت على رسائل العيد من أحبته ردًّا على رسائل لهم، أذكر منها أبياتًا للشيخ الشهيد محمد حيدر وهي:
رسول العيد قد ملك الزمانا
ففجر في فمي كبدي غراما
أضعت الرشد مذ وافت إليه
بطاقتكم فلم أطق الكلاما
وحسبي ـ أبا حسن ـ ضمير
على كفيك قد شرب الغماما
كان(رحمه الله) يجالس الجميع ويحضر وينظم جميع المناسبات الدينية فأحبه الجميع، وكان الجميع مستعدًا للتضحية عنه. فكان اجتماعيًا يألف الناس ويألفونه.
كما أسهم الشيخ علي آل حيدر في بناء المساجد والجوامع في قضاء المدينة اذكر منها جامع القبلة الذي أرخ بناءه بهذه الأبيات:
نفحت فينا يا زكي النسمات
نفحة طيبة من آل عات
يا أهل بيت صلحت أعمالهم
فحظوا بالباقيات الصالحات
شيدوا ما كان في تشيده
قام إبراهيم في هذا الجهات
عرصات لجمى الله علت
شرفا فطوبى لها من عرصات
فسمى تاريخها مجدا به
صارت حيث مسجدا للصلوات
كما كان المؤسس والمتولي لمكتبة السيد الحكيم(قدس سره) فرع المدَيْنة التي غرس بذرتها الأولى السيد الحكيم(قدس سره) في النجف عام1957م، التي كانت في محل صغير، بعدها خصصت أرض للمكتبة، وعند البناء دفن الشيخ صورته وصورة السيد الحكيم وكذلك دفن أبياتًا من الشعر في الأساس وهي:
دفنت مثالي قبل موتي هاهنا
وإني لأعلم في التراب سأدفن
وجاورني في القبر تمثال محسن
فإني المسيء والمجاور محسن
وهي الآن أعيدت وتحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف كتاب, وقد كان يعتني في كثير من الأمور، أذكر منها حول الحياة الزوجية، والذي أكد فيه أن التشابه في الصفات هي أساس الحياة الزوجية، ففي مخطوطه وجدتها بخطه يقول فيها:
والسر في ذلك أن الوجود لا تلازم إلا بالتناسب ولا اتحاد إلا بصفات متناسبة، فكرة الأرض متجاذبة الأجزاء، هكذا كرة الهواء وكرة النسيم، فكل جزء من أجزاء هذه المواد لاحقة بشكلها مطيعة لمجموعتها ذلك للتناسب والتشابه في الصفات، ثم يبدأ مستنتجًا بقوله هكذا أخلاق الناس، فإنه متى تشاكلت صفاتهم اتفقوا، وإذا اختلفت تفرقوا، ومنهم الزوج والزوجة، فيستدرك ,لأن المراد من الزوجين دوام الحياة الزوجية السعيدة ولتتم هذه السعادة إلا بتناسب الصفات فإذا تشابهت أخلاقهما حصل بينهما الاتفاق وإذا اختلفت وقعت بينهما الفرق ولا حياة سعيدة للرجل الصالح مع امرأة السوء كما لا سعادة للمرأة الصالحة مع رجل السوء فلا تتم السعادة للزوجين إلا بتناسب الصفات وتشابه الأخلاق، فإذا حصل ذلك تم الاتفاق وإذا اختلفت أخلاقهما اختلفا، ولا يزال النزاع بينهما حتى يقع الفراق، وفي ذلك قال الشاعر: إن الطيور على أمثالها تقع.
ترك الشيخ (رحمه الله) مؤلفات عديدة لم يطبع منها شيء لحد الآن علما أن هذه المؤلفات لو طبعت لكان لها شأن كبير، ومن أبرز مؤلفاته:
1ـ منتخب الروايات في تفسير مغلق الآيات (قيد التحقيق).
2ـ الرد على أن النبي لا يقدر على القراءة والكتابة (سمعت عنه وقرأته في ديوان شعراء الحسين(عليه السلام) يروى أنه مطبوع).
3ـ جغرافية المدينة (سمعت عنه وقرأته في ديوان شعراء الحسين(عليه السلام)).
4ـ السؤال والجواب في حل مشكلات الكتاب (أملك منه فقط ورقتين بخطه).
5ـ ديوان شعر (أملك منه بعض القصائد الحسينية، وكذلك الهزلية السياسية وموشحة ألقيت في بعض الحفلات التي أقيمت ليوم الغدير في ناحية (قضاء) المدينة عام 1365 هجري) وغيرها من المؤلفات التي قد تلفت وأخرى سرقت بسبب الإهمال.
توفي في محراب صلاته في سنة 1387هـ/ 1967م فترك حسرة في القلوب إلى الآن يسمع جواها. رثاه العلماء قبل الشعراء وبكته الرجال قبل النساء، فمن جملة من رثاه الحاج عودة عبد الصاحب الشاوي في قصيدة من مطلعها:
حك نبجي ونزيد النوح
دار العلم حزنانه
لكينه مشيدة الأعلام
سود بباب ديوانه
وكذلك قصيدة للشهيد محمد آل حيدر عنوانها (يا غارس المجد).
فسلام عليك أبا محمد حسن يوم ولدت ويوم توفيت ويوم تبعث حيًّا .

نشرت في العدد 50


(1) ماضي النجف وحاضرها جعفر محبوبة 2\192 نقلا من ديوان الشهيد محمد ال حيدر ص39 .
(2) ديوان شعراء الحسين (عليه السلام) ص134.
(3) مشاهير المدفونين ص385.
(4) نفس المصدر.
(5) ديوان شعراء الحسين (عليه السلام) ص134.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.