Take a fresh look at your lifestyle.

الإنفاق أساس العدل الاجتماعي

0 178

         الحياة تصبح ممكنة وصالحة إن نحن نفذّنا التكاليف المفروضة في هذا الدين، ولكن النفس المسلمة تظل تعرج في معارج الكمال بما يوجه إليه الضمير البشري من تسامح وارتفاع وتسام، فالتوجه الوجداني في هذا الدين هو الجزء المكمل للتكليف المفروض فيه، ثم هو الكفيل بتنفيذ هذا التكليف عن طواعية ورضى وإقبال ويمنح الحياة البشرية قيمتها الإنسانية الكريمة المترفعة عن القيود والضرورات، وعن ضغط القانون ودفع التكاليف ايضًا، ومن تداخل النفس يعمل الإسلام ومن أعماق الضمير يحاول الإصلاح، ولكنه لا يغفل أبدًا عن الواقع العملي في محيط الحياة، ولا عن حقيقة النفس البشرية،

           جاء في التنزيل الحكيم قوله تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)(الجن: 16)

           (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(الأنعام:153).

         وحينما حاول الإسلام أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة، ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية محدودة، وأن يكون التكليف وحده هو الذي يكفلها، فجعلها عدالة إنسانية شاملة، وهدف الإسلام انتزاع الأنانية والأثرة من نفوس المقتدرين والأغنياء، ليسير مركب الحياة آمنًا، ونظامه يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة ثم يقيم لها النظام الذي تتبين فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية، لذلك شرَّع طُرقًا كثيرة لأعمال البر التي تعتبر من الأعمال الصالحة لتحقيق العدل الاجتماعي، وهو بدوره تعاون الجهود في المجتمع لإيجاد تضامن اجتماعي قوي سليم بين الأفراد :

         (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(المائدة: 2)، وقد وضع الإسلام نُظُمًا لا حصر لها كأساس للعدالة الاجتماعية وللتكامل بين أفراد المجتمع ولتقليل الفوارق بين الطبقات والأفراد وتقريب بعضهم من البعض الآخر، فالإسلام يكره أن تكون الفوارق بين أفراد الأمة، بحيث تعيش منها جماعة في مستوى الترف وتعيش جماعة أخرى في مستوى الشظف (يفترشون التراب ويطبخون الماء)،

          ثم أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري، فهذه أمة غير مسلمة لأن وراء هذه الفوارق أحقاد وأضغان تحطم أركان المجتمع، ولِما فيها من إثرة وجشع وقسوة تفسد النفس والضمير، ولِما فيها من اضطرار المحتاجين إما إلى السرقة والغصب وإما إلى الذل وبيع الشرف والكرامة، وكلها مخدرات يتجافى الإسلام عنها.

          لذلك اختار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مبدأ المساواة في العطاء، وهو مبدأ إسلامي سليم يتفق مع روح المساواة الإسلامية ويكفل للمجتمع الإسلامي التوازن، فلا يدع الثروات تتضخم إلّا بقدر الجهد والعمل وحدهما لا بفضل اتاحة فرصة للآخرين بوجود وفرة من المال للعمل فيه أكبر مما لدى الآخرين.

          كذلك يكره الإسلام أن يكون المال دُولة بين الأغنياء في الأمة، لأن في النهاية ينتهي بتجميد الحياة والعمل والإنتاج في هذه الأمة، بينما وجود الأموال في أيدي أكبر عدد منها يجعل هذه الأموال تنفق لشراء ضروريات الحياة لهذا العدد الكبير، فيكثر الإقبال على السلع، فينشأ من هذا كثرة الإنتاج فتترتب عليه العمالة الكاملة للأيدي العاملة وبذلك تدور عجلة الحياة والعمل والإنتاج والاستهلاك دورتها الطبيعية المثمرة.

          ومن هذه النظم نظام (الزكاة) ونظام (الصدقات) الواجبة والمستحبة، ففي مجال الإنفاق ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أربع عشرة آية متوالية في أحكامه آخرها الآية: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 274)، وسبب نزولها عن ابن عباس أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان يملك أربعة دراهم تصدق بدرهم في الليل وآخر في النهار، ودرهم سرًا وآخر علنًا)(1)،

           وقد دعا القرآن الكريم الناس للبذل قبل فوات الأوان كما صرحت بذلك الآيات المباركة في قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)(إبراهيم:31)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)(البقرة: 254)، ومن طرق الإنفاق (الصدقة) التي تعتبر قرضًا لله مضمون الوفاء: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد:18)،

          وقال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)(النساء: 114)، والصدقة تطهير للنفس والمال، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ من قوم أذنبوا أو اعترفوا بذنوبهم قسطًا من مالهم ينفق في الخير تطهيرًا وتزكية لهم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة: 103)، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله): (الصدقة تدفع ميتة السوء)(2)،

           وهي تجارة رابحة مجزية: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر: 29)، وهكذا يرتفع بالشعور الإنساني في هذا المجال إلى مستوى رفيع كريم تتشرف به الإنسانية في أعصارها جميعًا، وتفتخر به في الماضي والحاضر والمستقبل إلى ما شاء الله.

         وهناك آداب في إعطاء الصدقة ترفعها عن التفضل والاستعلاء من الواجد والمحروم أو أن تكون رياءً صادرًا عن شعور غير كريم لأن الصدقة إن هبطت دوافعها أو تبعها المنّ على أخذها استحالت عملًا خسيسًا يؤذي النفس والخلق والضمير ويؤذي المجتمع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)(البقرة:264)، ويفضل في العطاء إخفاء الصدقة ودفعها سرًا للمعوزين حفظًا لكرامتهم من جهة ومنعًا للاختيال والتخرص من جهة أخرى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(البقرة:271)،

          دخل أحدهم على الإمام علي (عليه السلام) فقال (عليه السلام) ما عندك؟ فقال حاجة، فقال له (عليه السلام): (اكتب حاجتَك على الأرض؛ فإنّي أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجهك)(3)، وهذا تصور بارع جميل لكتمان البر واحتسابه من غير مفخرة ولا إعلان.

          ولسلامة المجتمع وتحقيق العدل الاجتماعي سار الإسلام فيهم بالإقناع الوجداني، كلما شرَّع تكليفًا ويقف بالتكليف عند الحد الضروري وفي حدود الطاقة العامة لجماهير الناس، ثم يخاطب الوجدان للإقناع بالتكليف وللسمو فوقه ما استطاع ليرتفع بالحياة الإنسانية ويجذبها دائمًا بخيط الصعود، ويدع المجال فسيحًا بين الحد الأدنى المطلوب والحد الأعلى المرغوب ليتسابق فيه الأفراد والأجيال على مدى الأزمان والقرون. وهذا التسابق يعتبر من الأعمال لصالحه التي يرفعها الله سبحانه (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).

           ومن طرق الإنفاق الأخرى (الزكاة) حق المال، وهي عبادة من ناحية وواجب اجتماعي من ناحية أخرى، وهي الدعامة الأولى لبناء المجتمع المتماسك الرصين، والزكاة طهارة للنفس والقلب من نظرة الشح وغريزة حب المال، وقد صرحت بها العديد من الآيات التي قرنت بينها وبين الصلاة وهي ست وعشرون آية، ومُنكر وجوبها يخرج من الإسلام، كما ورد في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام):

          (من منع قيراطاً من زكاة ماله فليس بمؤمن ولا بمسلم ولا كرامة، يا علي تارك الزكاة يسال الله الرجعة إلى الدنيا، وذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)(المؤمنون:99)(4)، لذلك جعلت الزكاة قاعدة النظام الإسلامي في مقابل النظام الذي يقوم على القاعدة الربوية ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي أو التعاون البريء من الربا

             (فرض الإسلام على مختلف فروع الثروة من أنواع الزكاة ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية ويسد حاجات المعوزين ويحول دون تضخم الثروات ويؤدي إلى تقليل الفروق بين الطبقات ويشيع روح التكامل والتواصل بالبر والإحسان، وقد جعل الإسلام الزكاة من أهم أركانه لما لها من وظيفة هامة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية)(5)، والزكاة لا تتحدد بالمعنى الفقهي الخاص فقط بل تشمل كل الوظائف المالية للمسلم من الخمس والفطرة والصدقات والإنفاق على المحرومين وأعمال البر والخير وما شاكل …..

             وللأسف الشديد بهتت صورة الزكاة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ والتي لم تشهد نظام الإسلام مطبقًا في عالم الواقع فحسبت تلك الصورة إحسانًا فرديًا هزيلًا لا ينهض على أساس نظام عصري، وهذه الأجيال ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي القائم على الأساس الربوي وشهدت التكالب والتطاحن والفردية والإثرة التي تحكم ضمائر الناس فتجعل المال لا ينتقل إلى ما يحتاجون إليه إلّا في الصورة الربوية الخسيسة وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات مالم يكن لهم رصيد من المال أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسة التأمين الربوية فوفر في حس هذه الأجيال المنكودة أنه ليس هناك نظام إلّا هذا النظام، وأن الحياة لا تقوم إلّا على هذا الأساس.

         اهتم القرآن الكريم بذكر الإنفاق والتصدق والزكاة في كثير من سوره، وهذا يدل عن أهميته ودوره في إقامة الكيان الاجتماعي الذي هو هدف من أهدافه العظيمة، وعلى رأي الإمام الصادق (عليه السلام) أن أنواع الصدقات والإحسان هي من العوامل والمظاهر للقضاء والقدر التي تؤثر في المصير عبر المسارات المعنوية، كما في قوله (من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممن يعيش بالأعمار)(6).

          الإسلام يكره الفقر والحاجة للناس، والسؤال مما في أيدي الناس محرَّم لغير ضرورة، والفقر مؤلم وموجع، وقد صرح في ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: (ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر)(7)،

         وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في دعائه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ ومِنْ تَشَتُّتِ الأَمْرِ)(8)،

        فالنبي (صلى الله عليه وآله) كان يفهم سر الطبيعة البشرية ويدري أنها ضعيفة بطبيعتها فإذا لم يدارها المجتمع ويراع مصالحها تسفلت أو تزندقت! إننا لا نستطيع أن نجد ايماناً صحيحًا ونفسًا مطمئنة في أناس قد عظهم الفقر بنابه أو في أناس قد أبطرهم الغنى وأعماهم الترف والدلال، والفقر كلمة اشتقت من الفعل (افتقر) فإنها تعني الحاجة سواء أكان ذلك من الماديات أو المعنويات والفقر الحقيقي يكمن في النفس(9)، الفقير من لا يملك شيئًا أو له شيء لا يسد خلته، والمسكين من له بلغة من العيش قدر كفايته(10)،

        وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (إن الله فرض على أغنياء الناس في أموالهم قدر الذي يسع فقراءهم)(11)، فالفقراء في كل وقت هم ضحايا الأغنياء المفحشين، والأغنياء المفحشون في الغالب هم نتاج الأعطيات والإقطاعيات والمحاباة والظلم والاستغلال، والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها ورعاية مصالحهم وهي مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها، فإذا بات فرد واحد جائعًا فالأمة كلها تبيت آثمة مالم تتحاض على طعامه،

         وقد روي في الحديث: (وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمّة الله)(12)، والأمة المسلمة كلها جسد واحد، يحس إحساسًا واحدًا وما يصيب عضوًا منه يشتكي له سائر الأعضاء وهي صورة جميلة يرسمها رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله) فيقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى)(13)،

        وكما رسم (صلى الله عليه وآله) للتعاون والتكافل بين المؤمن والمؤمن صورة أخرى معبرة دقيقة في هذا الحديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)(14)، وذلك أسمى ما يتصوره الخيال للتعاون والتكافل لتحقيق العدل الاجتماعي في الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) تفسير الوسيط/ محمد جواد مغنية/ج1ص428.
2) وسائل الشيعة / الحر العاملي/ ج2ص255.
3) البداية والنهاية/ابن الأثير/ج8ص10.
4) من لا يحضره الفقيه/ الشيخ الصدوق/ج4ص367.
5) معجم العلوم الاجتماعية/ د.إبراهيم مذكور/ص304.
6) أمالي الشيخ الطوسي/ ص305.
7) شرح النهج/ابن أبي الحديد/ج20ص301.
8) الكافي/الكليني /ج4ص464.
9) معجم العلوم الاجتماعية /د . إبراهيم مذكور ص453.
10) المبسوط/الشيخ الطوسي/ج4ص34.
11) بحار الأنوار/المجلسي/ج93ص28.
12) المستدرك/الحاكم النيسابوري/ج2ص12.
13) 13- كنز العمال/المتقي الهندي/ج4ص2837. .
14) مسند أحمد/ج4ص405.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.