Take a fresh look at your lifestyle.

عين علماء الشام أبو الصلاح الحلبي ت 447هـ

0 525

           من أعاظم علماء الشيعة وشيوخهم في القرن الخامس الهجري، علامة في فقه أهل البيت (عليهم السلام)، الشيخ الأقدم العالم الفاضل الفقيه المحدث النبيه، ثقة جليل عظيم الشأن، عين علماء الشام والمشار إليه بالعلم والبيان والجمع بين علوم الأديان وعلوم الأبدان. كان من مشاهير فقهاء حلب، ومعروفًا فيها ب‍ـ (خليفة المرتضى) في علومه، لأنه منصوب من قبل أستاذه (المرتضى) في البلاد الحلبية. تميز بالصلاح والزهد والتقشف الزائد والقناعة مع الحرمة العظيمة والجلالة، إنه الشيخ الأجل أبو الصلاح الحلبي (قدس سره).

  اسمه:

           تقي الدين بن نجم الدين بن عبد الله بن محمد الحلبي، ويلقب بالحلبي نسبة إلى مدينة حلب، كما يلقب أيضاً بالشامي نسبة إلى بلاد الشام. ويكنى بـ (أبي الصلاح).

  مولده:

           اتفقت المصادر على أن ولادته كانت في مدينة حلب. سنة 374 للهجرة على الأغلب. وحلب مدينة مشهورة في حدود الشام. طيبة الهواء، كثيرة الخيرات، صحيحة التربة، يزرع بأرضها القطن والسمسم والمشمش والتين وتسقى بماء المطر. وفي مدينة حلب مقامان للخليل (عليه السلام) يزاران إلى الآن(1).

          وكانت مدينة حلب قديمًا محطاً لعلماء الشيعة الإمامية، وأهلها من أسلم أهالي الشامات قلبًا وأجودهم ذكاءً وفضلًا وفهمًا. حيث دخلها التشيع قبل عهد الحمدانيين (293 – 392 ) ولكنه انتشر وقوي فيها على عهدهم وذلك لأن الدولة الحمدانية كانت من الدول الشيعية،

       وكان الحمدانيون يجاهرون بالتشيع وينصرونه ويكرمون الأدباء والشعراء والعلماء والمحدثين، وخصوصًا الذين يجاهرون منهم بالتشيع وولاء أهل البيت. ومن أبرز شعراء الحمدانيين أبو فراس الحمداني (320 -357) وله القصيدة الميمية الطائرة الصيت التي مستهلها:

     الحق مهتضم والدين مخترم             وفيء آل رسول الله مقتسم

         ولأجل تلك المناصرة، ووجود المناخ المساعد، أصبح التشيع مذهبًا بارزًا في تلك البلدة الخصبة ممتدًا إلى ضواحيها كالموصل، وتشهد بذلك نصوص كثير من المؤرخين.

           يقول ياقوت الحموي وهو يذكر حلب: والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية (2).

         وقال ابن كثير الشامي في تاريخه ـ عن مدينة حلب ـ: كان مذهب الرفض فيها في أيام سلطنة الأمير سيف الدولة بن حمدان رائجًا رواجًا تامًا(3).

          وقال مؤلف نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم حتى حل عصبتهم وأبطل أعمالهم نور الدين (543 هـ) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها.

           ثم ذكر أن مصطفى بن يحيى بن حاتم الحلبي الشهير ب‍ـ (طه زاده) فتك بهم في حدود الألف فأخفوا أمرهم، وذكر بعض ما يفعله الحلبيون مع الشيعة من الأعمال الوحشية والمخازي والقبائح التي سودت وجه الإنسانية ويخجل القلم من نقلها.

        وقال القاضي المرعشي: (أهل حلب كانوا في الأصل شيعة وإلى أواخر زمان الخلفاء العباسية كانوا على مذهب الإمامية، وقد أُجبروا في زمان انتقال تلك الولاية إلى حكم السلاطين العثمانية على ترك مذهبهم) وما مر من فعل (طه زاده) يؤيد ذلك فإن استيلاء العثمانيين على حلب كان في أوائل المائة العاشرة.

         وقال مؤلف نهر الذهب: إنه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع ويتهابون الزواج معهم مع أن ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنة(4).

           وعلى هذا ليس غريبًا أن يبرز المترجم له ـ أبو الصلاح الحلبي ـ قطبًا من أقطاب الإمامية وعلمًا من أعلامها من هذه المدينة الموالية لأهل البيت (عليهم السلام).

  الثناء عليه:

          أثنى على الشيخ أبي الصلاح الحلبي كثير من العلماء، منهم: أُستاذه الشيخ الطوسي حيث قال عنه: (ثقة، له كتب، قرأ علينا وعلى المرتضى)(5).

           وقال عنه العلامة الحلي: (ثقة عين، له تصانيف حسنة ذكرناها في الكتاب الكبير، قرأ على الشيخ الطوسي رحمه الله وعلى المرتضى قدس الله روحه)(6).

           وقال الفقيه يحيى بن سعيد الحلي: (الفقيه البارع أبو الصلاح الحلبي صاحب الكافي في الفقه)(7).

          وكان الفيض الكاشاني كلما ذكره في كتابه الوافي والمكون من 26 جزءًا يقول عنه: (الفقيه الأقدم أبي الصلاح الحلبي).

          وقال الشيخ المنتظري عنه: أبو الصلاح الحلبي، من أعاظم فقهاء الشيعة الإمامية(8).

          وقال ابن داود عنه: (عظيم القدر، من علماء مشايخ الشيعة)(9).

       وقد اتفقت كلمة العلماء والباحثين على إطلاق اسم التقي على أبي الصلاح الحلبي، كما اطلقوا اسم علم الهدى على الشريف المرتضى، وشيخ الطائفة على الشيخ الطوسي والعلامة على العلامة الحلي، والشيخ الكبير على الشيخ جعفر كاشف الغطاء رحمهم الله جميعًا…وهكذا.

         كان الشيخ الحلبي من أذكياء الناس وأفقههم وأكثرهم تفننًا، ومن هنا نعرف أنه هاجر إلى بغداد في تلك الحقبة الزمنية التي كانت بغداد فيها حاضرة من حواضر العلم الهامة في ذلك العصر. كما كان خليفة السيد المرتضى في البلاد الحلبية.

 

 

   مقامه العلمي:

           نستطيع أن نتوصل إلى مقدار ما من مقامه العلمي السامي عند ملاحظة مؤلفاته بدقة وإمعان نظر… ففي كتابه (الكافي في الفقه) نرى عمقه في المطالب الفقهية مع سلاسة عبارته، ووضع مقدمات لطيفة للكتاب تدل على قدرته العلمية العالية في شتى المجالات.

          وفي كتابه (تقريب المعارف) يلاحظ القارئ مدى سعته العلمية على المطالب الكلامية التي أوردها، بحيث يلقم المخالف حجرًا لا يستطيع الوقوف أمامها، ففيه من المطالب المنطقية والفلسفية العميقة، وتطرق إلى مسائل بكر لم يسبقه فيها أحد.

          وكان سلار الديلمي إذا استُفتيَ من حلب يقول: (عندكم التقي). وهذا يدل على مكانته العلمية، لأن هذا الفعل صادر من سلار وهو أحد علماء الشيعة من أساتذته.

          أما ابن ادريس الحلي فلقد ذكر الشيخ أبي الصلاح الحلبي في كتابه (السرائر) غير مرة، منها قوله: (من جملة أصحابنا الحلبيين من تلامذة المرتضى). وقال أيضًا: (الفقيه أبو الصلاح الحلبي تلميذ السيد المرتضى رحمه الله)(10).

           وقال عنه الشهيد الأول: (الشيخ الإمام السعيد خليفة المرتضى رضي الله عنه في علومه)(11).

           وقال المحقق الحلي: (هو من أعيان فقهائنا)(12). وقال أيضًا: (وهو أحد الأعيان ولا بأس باتباع فتواه)(13).

           وقال عنه الشهيد الثاني: الشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الحلبية(14).

          وقال الشيخ عباس القمي عنه: الشيخ الأقدم، الفاضل الفقيه المحدث، الثقة الجليل، من كبار علمائنا الإمامية(15). وقال أيضًا: ثقة جليل، عظيم الشأن، . . . عالم فقيه محدث، من كبار الشيوخ وعلماء الشيعة(16).

          كما قال عنه السيد الخوانساري: الشيخ الفقيه النبيه، الوجيه السامي . . . الثقة العين، الفاضل الإمامي، كان من مشاهير فقهاء حلب، ومنعوتًا بخليفة المرتضى في علومه(17).

        وكذلك أطرى عليه كثير من علمائنا ولا يسع المقام لذكر أقوالهم فيه، منهم: المحقق الكركي، المحدث النوري، الحر العاملي، الشيخ أسد الله الدزفولي، الشيخ المجلسي، التنكابني، القاضي عبد العزيز، والبحراني، والمحدث القمي، والتستري في المقابيس، وغيرهم الكثير(18).

         وكذلك قال عنه ابن حجر في لسان الميزان/ج2ص71: … الحلبي أبو الصلاح مشهور بكنيته من علماء الإمامية، …طلب وتمهر وصنف وأخذ عن أبي جعفر الطوسي وغيره ورحل إلى العراق فحمل عن الشريف المرتضى.

          وأيضًا قال عنه الذهبي في تاريخه: التقي ابن نجم بن عبد الله أبو الصلاح الحلبي شيخ الشيعة وعالم الرافضة بالشام.
وكانت له يد طولى في علم الأبدان، حيث قرنه بعلم الأديان، فكان علماً في علم الأبدان كما هو علم في علم الأديان.

        فقد قال عنه يحيى بن أبي طي الحلبي في تاريخه: هو عين علماء الشام والمشار إليه بالعلم والبيان والجمع بين علوم الأديان وعلوم الأبدان(19).

  مشايخه وأساتذته:

           لم تذكر المصادر المتوفرة لدينا من أساتذته ومن روى عنهم سوى أربع:

   الأول: السيد علم الهدى الشريف المرتضى، وقد دخل – الحلبي – العراق ثلاث مرات فقرأ على الشريف المرتضى.

   الثاني: الشيخ الطوسي. نص عليه الشيخ الطوسي بنفسه.

   الثالث: سلار الديلمي: وكان إذا استفتي من حلب يقول: عندكم التقي.

   الرابع: أبو الحسن محمد بن محمد(20).

  تلامذته والراوون عنه(21):

             أما تلامذته والراوون عنه فقد حضر درسه جمع غفير من العلماء، منهم:

   الأول: أبو القاسم سعد الدين بن البراج، المتوفى سنة 481هـ كان قاضيًا بطرابلس.

   الثاني: الشيخ عز الدين عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي القاضي.

   الثالث: الداعي ابن زيد بن علي بن الحسين ألأفطسي الحسيني الآوي.

   الرابع: الشيخ أبو محمد ريحان بن عبد الله الحبشي المصري. كان عالمًا فقيهًا محدثًا زاهدًا.

   الخامس: الشيخ عبد الرحمن الخزاعي الرازي.

   السادس: الشيخ التواب ابن الحسن الخشاب البصري. فقيه مقري صالح.

   السابع: الشهيد المصلوب في سبيل الله أبو الحسن ثابت بن أسلم (أحمد) بن عبد الوهاب الحلبي. من كبار النحاة، وأحد علماء الشيعة. وكان من كبار تلامذة أبي الصلاح، تولى خزانة الكتب بحلب، وقد أحرقت بعد صلبه في حدود سنة 460 للهجرة، وكان فيها عشرة آلاف مجلد من وقف سيف الدولة الحمداني. وكان صلبه بسبب تأليفه كتابًا في كشف عوار الإسماعيلية وتزييف معتقداتهم، فأمر صاحب مصر، بصلبه فصلب.

  مؤلفاته:

            أما مؤلفات شيخنا أبي الصلاح الحلبي فله مصنفات في الأصول والفروع مشهورة بين العلماء ونحن نذكر بعضها:

   1- البداية في الفقه.

   2- البرهان على ثبوت الإيمان في الكلام.

   3- تقريب المعارف في الكلام.

   4- التلخيص في الفروع أي: الفروع الفقهية.

   5- الكافي في أصول الدين وفروعه. لقد حاز هذا الكتاب اهتمام العلماء والدارسين، ونال استحسان وإعجاب كل من اطلع عليه.

 

    تدبير الصحة في الطب. ذكره الذهبي في تاريخه وقال: صنفه لصاحب حلب نصر بن صالح(22).

   7ـ التهذيب، ذكره الذهبي في تاريخه، والأمين في أعيان الشيعة(23).

   8ـ الشافية أو المسألة الشافية ذكره الحلبي نفسه في الكافي، والتستري في المقابيس، والأمين في الأعيان، والخياباني في ريحانة الأدب(24).

    شبه الملاحدة، ذكره الذهبي في تاريخه، وذكره في أعيان الشيعة بهذا العنوان: دفع شبه الملاحدة، وكذا أيضًا في الريحانة. وله مؤلفات أخرى لا يسع المقام لذكرها.

            ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من علمائنا نُسبوا إلى حلب، إما لولادتهم فيها وسكنهم أو لأمور أخرى، منهم:

          أبو شعبة الحلبي، علي بن أبي شعبة الحلبي، عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وغيرهم من آل أبي شعبة الذين قال عنهم النجاشي: وكانوا جميعهم ثقات مرجوعًا إلى ما يقولون. الشهيد أبو الحسن ثابت بن أسلم بن عبد الوهاب الحلبي، كردي بن عكبر نزيل حلب. الحسن بن الحسين الحلبي. الشيخ الجليل الحسن بن حمزة الحلبي. محمد بن علي بن الحسن الحلبي. محمد بن علي بن المحسن الحلبي. وأخيراً: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي. فاضل عالم ثقة جليل القدر.

          وهذا يكشف بشكل واضح انتشار علمائنا في الأقطار وفي جميع العصور وكذلك يبدو من وجود العلماء وجود متعلمين وتلاميذ وحلقات درس وهكذا.

  وفاته(25):

         في سنة أربعمائة وستة وأربعين هجرية، بعد أن سافر لأداء فريضة الحج وبعد أن أكمل المناسك وعاد إلى بلده وفي طريقه للعودة توفي شيخنا رحمه الله تعالى عن عمر ناهز الرابعة والسبعين ففجعت الشيعة بموته، وكان ذلك في المحرم الحرام من سنة أربعمائة وسبعة وأربعين حتى نصبت مأتمين مأتماً للحسين (عليه السلام) ومأتماً لشيخها وفقيدها أبي الصلاح الحلبي (رحمة الله عليه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) ينظر: روضات الجنات/الخونساري/ج2ص115.
2) معجم البلدان/ياقوت الحموي/ج2ص273.
3) غنية النزوع/ابن زهرة الحلبي/ص7.
4) أعيان الشيعة/محسن الأمين/ج1ص201.
5) رجال الطوسي/الشيخ الطوسي/ص417.
6) خلاصة الأقوال/العلامة الحلي/ ص84.
7) الجامع للشرايع/يحيى بن سعيد الحلي/ص5.
8) دراسات في ولاية الفقيه/ج2ص414.
9) رجال ابن داود: ص 75 ط المحدث.
10) السرائر/ابن ادريس الحلي/ص267، 33.
11) قاله في إجازته للشيخ شمس الدين أبي جعفر محمد بن تاج الدين عبد علي كما في البحار 107 /198.
12) نقله عنه في الروضات 2 / 113. وأعيان الشيعة 3 / 635.
13) المعتبر في شرح المختصر2/116.
14) قاله في إجازته لوالد الشيخ البهائي الشيخ حسين بن عبد الصمد كما في البحار 108 / 158، ونقل العبارة بنصها والد الشيخ المجلسي في إجازته لمحمد تقي اليزدي كما في البحار 110 /70.
15) الكنى والألقاب 1 / 99، سفينة البحار 1 / 295.
16) الفوائد الرضوية:57.
17) روضات الجنات /2/111.
18) ينظر: مقدمة الكافي في الفقه/ الشيخ رضا الأستادي/ص13.
19) مقدمة الكافي في الفقه/الشيخ رضا الأستادي/ص8.
20) م.ن/ص15.
21) ينظر: مقدمة الكافي في الفقه/ الشيخ رضا الأستادي/ص16.
22) أعلام النبلاء 4 /77، نقلًا عن تاريخ الإسلام للذهبي أو مختصره للشيخ أحمد ابن الملا.
23) أعيان الشيعة:14/194.
24) ريحانة الأدب: 7 /161.
25) ينظر: مقدمة الكافي في الفقه/الشيخ رضا الأستادي/ص4.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.