Take a fresh look at your lifestyle.

ثراء الدلالة في المفردة القرآنية

0 2٬455

             تعد المفردة القرآنية الأساس الذي تدور حوله الدلالة وتشكيلاتها، ويتعدد الاستدلال بها بفعل تعدد السباقات التي ترد فيها اللفظة القرآنية، إذ إن السياق يكون فعالاً في استدراج المعنى المطلوب بما يناسب الغرض الذي وردت فيه المفردة، فضلاً عن أن دلالتها في سياقها قد تنزاح عن أصل وضعها اللغوي إلى دلالات أخرى بما يتفق مع الغرض المطلوب في مجمل الآية أو السورة، فيوجهها إلى مواقع دلالية وزوايا لم تكن متصورة، في حين أن السياق هو الذي أمكنها في موقعها وبرز فيها الدلالة المطلوبة.
إذاً تبدو المفردة القرآنية في وضعها السياقي ذات دلالات كبيرة وواسعة، قد لا يحاط بها في زمن معين، بل تحتاج إلى زمن أطول ووقت أكثر، لأن التطور يضفي على المفردة سمات إثرائية في الدلالة، فضلاً عن كون المفردة اللغوية تحمل بين جنباتها عوامل التطور، لأن اللغة العربية لغة حية، ولها إمكان النمو، وكان القرآن الكريم معيناً ثراً يرفدها بدلالات لم تكن منظورة في زمن معين لكنها تظهر جلية في أزمان أخرى.
تميزت المفردة القرآنية كثيرة تختلف عما هي عليه لو استعملت في كلام العرب وعلى ألسنتهم، لأن القرآن الكريم يفعلها غاية الانفعال ليظهر مخزونها الدلالي بأوسع صورة، وأقصى مدياته، فالمفردة العربية مفردة مرنة في المعنى، طيعة في شكلها وصيغتها، كي تتوافق مع الغرض الذي يطلبه المتكلم. لذا نجدها في القرآن الكريم ذات خزين دلالي كبير من خلال تجدد معانيها وتمكنها في موقعها الذي هي فيه، وهذا مما يكسبها ثراءً دلالياً كبيراً، وتمثل في أوجهٍ عدة، فمنها على سبيل الاختصار:
أولاً: الأتساع الدلالي في المفردة القرآنية:
وهذا أكسبها ثراء كبيراً من خلال تعدد المعنى الذي ترفدنا به المفردة في سياقها ونظمها الذي أتت فيه.
إذ تميز الاستعمال القرآني في نظمه، فكان في غاية الانفعال حتى أعجز العرب عن الإتيان بمثله.
فدائرة الأتساع القرآني في الدلالة، إنما جاءت من حسن اختيار المفردة ووضعها في مكانها المناسب، فغنى المفردات وغنى الواقع المراد التعبير عنه وإحساس مناسبة المفردات للموضوع وإحساس مناسبة المفردات للمفردات في السياق، فضلاً عن عمق المعنى، كلها عوامل ساعدت على توسع دلالة المفردة القرآنية في سياقها، وعمق مدلولها الذي تفضي إليه، فالقرآن الكريم كله اتساع، فلا ترد المفردة إلا وقد تحكم فيها السياق، فساقها مساقاً يثور فيها المعنى، فينتج عنه دلالات جديدة ضمن التركيب الجديد، لأن الكلمات كائنات حية، تأخذ وتعطي وتساهم كلما استعملت في سياق لغوي لتتسع دلالتها وتتعدد.
إذا كان السياق مسوغاً فعالاً في إنتاج معنى جديد، وفضلاً عن ذلك نجد من مسوغات الاتساع، التركيب النحوي، الذي يتجلى من خلال التقديم والتأخير، والخبر والإنشاء، وغيرها. وكذلك تعدد المعنى المعجمي، فالمعنى المراد يتجسد من خلال السياق الذي ترد فيه المفردة، ومن ثم احتمالات الإعراب للمفردة، هي الأخرى تعزز دلالات جديدة يقررها المعنى النحوي، مضافاً إليها تقدير المحذوف، ففيه تتسع الدلالة أو يطلق بحسب السياق الذي يكون هو الحاكم في ذلك عند التقدير.
فمن موارد اتساع الدلالة في المفردة القرآنية ما يأتي:
1ـ المعاني المشتركة للمفردة الواحدة، وهو ما يسمى في العربية بالمشترك اللفظي، فإذا ازدحمت المعاني على اللفظة الواحدة، فإن السياق هو الذي يتكلف في إبراز المعنى المطلوب، فلفظة (قضى) في أصل وضعها اللغوي (القضاء، وهو الحكم)(1)، غير أن هذا المعنى قد ينزاح عن وضعه اللغوي الأول إلى معان ودلالات أخرى بفضل السياق، حتى بلغت معانيها العشرة. ففي قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)(2)، جاءت (قضى) بمعنى وصى، وفي قوله سبحانه (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)(3)،
جاءت بمعنى أخبرنا، ووردت في قوله عز وجل: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ)(4)،
معنى إذا فرغتم من أمر مناسككم وغيرها من الوجوه الأخرى(5)، وهذا يمثل ثراء دلالياً في المفردة القرآنية.

2ـ خصوصية الاستعمال القرآني، وذلك أن بعض الألفاظ لها استعمال خاص عند العرب، بيد أن القرآن الكريم استعملها باستعمال آخر، فالمفردة (لعل) هي كلمة رجاء وطمع وشك، من نحو قوله سبحانه (لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)(6)، إذ نستشعر فيها الطمع لوقوع الهداية والرحمة لكن في قوله تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)(7)، أو قوله سبحانه: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)(8)، ففيهما لا يتمنى الله قطعا وكذا الحال في (عسى)وفي غيرها، ما جاء منها مخالفاً لسياقات العرب، وبدلالات جديدة أعجزتهم عن الإتيان بمثلها، مما زاد المفردة القرآنية ثراءً وغنى.

3ـ التضاد، فقد أثرى المفردة دلالات أخرى، وكان محل اجتهاد، ومنها (القرء) ففي قوله سبحانه (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ)(9)، اجتهد العلماء في معناها وافترقوا في دلالتها بين الطهر والحيض إعتماداً منهم على المعنى اللغوي والنحوي، ومنها أيضاً (التواب)، و(بعد) وغيرها من المتضادات التي وسعت الدلالة وأثرتها في القرآن الكريم.

4ـ تعدد المعنى للمفردة القرآنية، إذ تبتعد عن أصل معناها اللغوي بفعل تقادم الزمان، فيتكون معنى جديد، وربما يكون مغايراً للمعنى الأصل، فيظهر وكأن للفظة أكثر من معنى، مما يزيدها إثراء دلالياً، فالمفردة (أستوى) في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(10)، وردت بعدة معانٍ، منها بمعنى (علا) عن أبي عبيدة(11) أو بمعنى (استقر)(12)، ونقل جماعة منهم الفرّاء والزمخشري أن معنى قوله (استوى): أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه وسماه استواء(13).
فهذا وجه من أوجه الأتساع، وهناك أوجه أخرى لا يسع المجال لذكرها.

ثانياً: تجدد الدلالة في المفردة القرآنية:
وهذا يعد من وسائل إثراء الدلالة فيها، إذ أن تقدم العلوم وتطورها يؤدي إلى اكتشاف حقائق علمية كبيرة تفتح آفاقاً جديدة للبحث والتقصي، وهي من إعجاز القرآن الكريم، فمن لطائف ذلك ما جاء في قوله سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(14)، فالوهن في الآية المباركة ربما يكون مرجعه إلى الضعف في البنية، وهنا تشبيه هو أن ما تولوه واعتمدوا عليه من دون الله بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة، وهو نسيج العنكبوت(15)،

غير أن ما توصل إليه العلم الحديث قد أضاف معنى جديداً غير ما ذكر وهو (أن العناكب تتميز بصفة لا مثل لها بين الأحياء فأنثاها بمنتهى السوء تجاه زوجها لأنها تقوم بعد التآمهما مباشرةً…تقوم بقتله وافتراسه والتهامه)(16)، فيا له من ضعف، ويا له من بيت تفترس الزوجة فيها زوجها يوم عرسه، وذلك هو بيت العنكبوت الشديد الوهن من الناحية الأدبية والأخلاقية المعنوية فضلاً عن ضعفه المادي، فلا حماية ولا أمن ولا طمأنينة ولا راحة ولا استقرار فيه، إلاّ بالتمسك بحبل الله القوي الأمين(17)، وهذا إثراء في دلالة الوهن.
وفي قوله سبحانه: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)(18)، فقد نقل أن (أدنى) جاءت بمعنى القرب، قال الزمخشري: (والمعنى غلبوا في أدنى العرب منهم، وهي أطراف الشام، أو أراد أرضهم، على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم، قال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس، وعن ابن
عباس(رضي الله عنه) الأردن وفلسطين)(19)،

وفي هذا تنبؤ، إذ إن الحرب بين الفرس والروم وقعت بين الأردن وفلسطين، لكن المتأمل في معنى (أدنى) في ضوء العلم الحديث أن لها معنى جديداً لم يكن باستطاعة علمائنا القدماء أن يتوصلوا إليه بسبب ضعف الإمكانات العلمية آنذاك، غير أن (أدنى) في اللغة جاءت بمعنيين هما (أقرب و أخفض) فهي من جهة أقرب منطقة للحجاز، ومن جهة أخرى هي أخفض منطقة على سطح الأرض، إذ أنها تنخفض عن مستوى سطح الأرض بـ(392) متراً، وهي أخفض نقطة سجلتها الأقمار الصناعية على اليابسة، كما ذكرت ذلك في الموسوعة البريطانية في أن البحر الميت أخفض جسم مائي على سطح الأرض، فانخفاضه يصل إلى نحو (1312) قدماً أو (حوالي 400متراً) من سطح البحر(20)، وهذا المعنى الجديد إنما جاء بفضل تقدم العلوم مما أثرى هذه المفردة بدلالة جديدة.
ثالثاً: اختزان الدلالة في المفردة القرآنية:
وهو من سمات الإثراء في المفردة القرآنية، إذ أنها تختزن دلالات عديدة في لفظة واحدة ومعبرة عن كل المعاني التي يطلبها السياق القرآني وإننا لنجد ذلك إيجازاً، وهو مناط السور المكية، وأن الإطناب أو دقة التفاصيل مناط السور المدنية، لأن المرحلة المدنية من نزول القرآن مرحلة تشريع فتتطلب بسطاً في الأمور(21).
إن إثراء المفردة بالخزين الدلالي إنما كان ينبع من كون العرب أهل فصاحة وبلاغة، فإذا خاطب تعالى العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، فيما إذا خاطب غيرهم من اليهود أو حكى عنهم جعل كلامه مبسوطاً وزاد فيه(22).
نلمح من هذا الثراء الدلالي في المفردة القرآنية جنوحاً إلى الإيماء، لذا تحتاج هذه المفردات مزيداً من التدبر كي يصل المفسر إلى كل الدلالات التي تتضمنها المفردة.
من ذلك قوله تعالى: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ)(23) إذ نجد خزيناً دلالياً في هاتين الكلمتين فقد جمعتا عيوب خمر أهل الدنيا، فالآية تشير إلى أن خمر الأرض تسبب السكر ثم التنازع والفراق وكثرة الإحن والشغب وفيها ذهاب العقل والمال، فاختصرت هاتان الكلمتان كل هذه القبائح المادية والروحية(24).
وكذلك قوله تعالى: (وَغِيضَ الْمَاء)(25)، فقد جمعت (غيض) كل الماء، قال ابن أبي الأصبع: (فإن (غيض الماء) يصير إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء، ولولا ذلك لما غاض الماء(26)، فاستعيض عن مجمل هذه الدلالات واختزنها في مفردة واحدة، فكانت خزاناً لها، فأوجز القول وأفصح عن المراد بأقل الألفاظ.
هذه بعض أوجه إثراء الدلالة في المفردة القرآنية لا كلها، وهذا إنما يعد من سمات الإعجاز في القرآن الكريم، وتنبه إليه العرب من قبل .

نشرت في العدد المزدوج 35-36


(1) لسان العرب/ابن منظور: 11: 209ـ قضى
(2) سورة الإسراء: الآية 23.
(3) سورة الإسراء: الآية4.
(4)سورة البقرة: الآية:200.
(5) انظر: الأشباه النظائر في القرآن الكريم: مقاتل بن سليمان:2: 294، مجمع البيان: الطبرسي: م1/193ـ194 الإتقان/ السيوطي: 1 :286.
(6) سورة المؤمنون: لآية:9.
(7) سورة الشورى: الآية:17.
(8) سورة الطلاق: الآية:1.
(9) سورة البقرة: الآية:222.
(10) سورة طه: الآية: 5.
(11) ظ: مجاز القرآن: أبو عبيدة:2: 15.
(12) ظ: البرهان/ الزركشي:2: 53.
(13) ظ:م.ن: 2: 53.
(14) سورة العنكبوت/ الآية:41.
(15) ظ: الكشاف/ الزمخشري:3: 458.
(16) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية/ يوسف الحاج أحمد:502.
(17) ظ:م.ن:502.
(18) سورة الروم : الآيات 1ـ3.
(19) الكشاف/ الزمخشري: 3: 471.
(20) ظ: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية/ يوسف الحاج أحمد:270.
(21) ظ: جماليات المفردة القرآنية: أحمد ياسوف: 269.
(22) ظ: الحيوان: الجاحظ:1: 94.
(23) سورة الواقعة: الآية:19.
(24) ظ: جماليات المفردة القرآنية: أحمد ياسوف: 271.
(25) سورة هود: الآية:44.
(26) بديع القرآن: ابن أبي الأصبع: 82.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.