Take a fresh look at your lifestyle.

(المجاز قنطرة الحقيقة) حكاية رمزية

0 574

           كانت هناك مملكة في غابر الزمان أمرها عجيب، ذات يوم وصلها رجل غريب كان فقيرًا حافيًا يرتدي ثوبًا مزّقه الفقر عيناه زائغتان بسبب الجوع اتجه إلى السوق لعلّه يعثر على كسرة خبز أو يصادف إنسانًا يرحمه ويتصدّق عليه؛ فإذا به يصادف حرسًا وجنودًا مسلحين فانخلع لمنظرهم قلبه.

          رآهم يتجهون إليه فأراد أن يهرب لكنهم أمسكوا به دون سؤال استغاث الرجل الغريب، تضرع إليهم وبكى ولكنهم حملوه كما تحمل الجنائز وأخذوه متجهين نحو تلال خضراء لاحت له في أطراف المدينة؛ مرّوا به خلال الحقول الخضراء والحدائق الغنّاء وعبروا السواقي والجداول إلى أن وصلوا إلى قصر منيف تحيطه الأسوار العالية وأبراج الحراسة الشاهقة.

             ولمّا رأى الرجل أنه يستغيث فلا يغاث ويبكي فلا يلتفت إليه أحد؛ استسلم لمصيره، بل ونسي جوعه وعطشه.

           اتجه الجنود نحو بناء من الرخام الأبيض وسلّموا الرجل الغريب إلى رجل عملاق ضخم الجثة ومعه رجل آخر عبوس الوجه أيضًا. كان البخار يتصاعد من حوض مبني من المرمر الصقيل، أُدخل الرجل إلى غرفة وخلعوا ثوبه الوحيد الممزق ليوضع في صندوق مركون في الزاوية.

         أشار الرجل العملاق إلى بعض الخدم فتلقفوا الرجل الغريب ووضعوه في الحوض وباشروا عملهم في تنظيفه حتى أزالوا عن بدنه الأوساخ وجاء الحلاق والمزيّن فأزال عنه الشعر الزائد وقص له شعر رأسه حتى أصبح متألقًا ثم دهنوه بالعطور الفواحة والزيت، وأخذوه إلى غرفة مليئة بالحُلل الحريرية الناعمة المطرزة والمزركشة بالخيوط الذهبية والفضية، وقدّموا له حذاءً مرصعاً بالجواهر واتجهوا به إلى البلاط الملكي، فلاحَ له عرش ذهبي.

           الرجل الغريب ما يزال مشدوهًا لا يفهم ماذا يجري له، ظن نفسه في حلم، ففرك عينه وصفع خدّه لكي يستيقظ ولكن دون جدوى، شيء يجري على أرض الواقع!

            وضعوا التاج على رأسه وقادوه إلى العرش ليجلس، ولمّا استقر به الجلوس، رأى الجميع ينحني له ويهتفون بصوت واحد.

 ـ سمعًا وطاعة للسلطان!

            ظل الرجل الغريب ساكتًا تدور عيناه في محجريهما؛ ينتظر نهاية لما يجري، فجأة زقزقت عصافير بطنه فتذكر جوعه كان يتمنى كسرة خبز يسدّ بها رمقه، تمتم بصوت مخنوق: كم أنا جائع !!

          فإذا بالخدم وبأسرع ما يكون يمدّون الخوان ثم رأى آخرين يحملون الأطباق، فيها ما لذ وطاب من البط المشوي والخبز الطازج الطري وألوان الفاكهة وثمار الفصول الأربعة، ومن أنواع الحلوى، فامتلأ الخوان بأصناف الطعام من الحامض والحلو والمالح:

           وانحنى له رجل توّج رأسه بعمامة تشع في مقدمتها ياقوته حمراء وقال:

   ـ تفضل يا جلالة السلطان!

           التفت الرجل الغريب حواليه ليرى من يخاطب؛ فإذا هو لا يرى شخصًا سواه!

           تمتم بصوت منقطع بعد أن بلع ريقه:

  ـ كل هذا الطعام لرجل واحد !!

  ـ قال الرجل الذي انحنى له:

  ـ وأنا أيضًا بصفتي كبير الوزراء سوف أجلس وأتحدث معكم في شؤون المملكة!

          نزل الرجل الغريب مرتبكًا حذرًا وهو يتلفت ويتساءل في نفسه ماذا سيأكل؟ هل سيأكل من لحم البط المشوي أم إنه سيأكل عددًا من السياط؟!

            قام كبير الوزراء برفع العمامة من رأس السلطان باحترام بالغ ليضعها فوق طبق فارغ يحمله أحد الخدم.

           وجاء خادم يحمل إبريقًا وآخر طستًا، صب الذي يحمل الإبريق الماء على يدي (السلطان) الذي انهار أمام رائحة اللحم المشوي فمدّ يديه يمزّق اللحم تمزيقًا ويلتهمه بشراهة ثم عرّج على الحلوى فراح يبطش بها بطشًا ويقضم الفاكهة قضمًا !!!

        قال كبير الوزراء:

  ـ أكلت هنيئًا مريئًا يا مولاي السلطان؛ إن هذه المملكة مملكتك وأنا رهن إشارتك، تأمر وتنهى ومنا السمع والطاعة!!

  امتلأت بطن الملك الجديد! بالطعام فتثاءب للحاق بجيش النيام ومشاهدة الأحلام.

        قال كبير الوزراء:

  ـ تفضل يا مولاي السلطان إلى غرفة النوم للاستراحة والاستحمام!

          دخل الملك إلى حجرة واسعة يتوسطها سرير يكفي لأربعة أشخاص سمان، ألقى بنفسه فوق السرير الوثير ووضع رأسه فوق وسائد من الاستبرق والحرير، فشعر بأن جسمه يطفو على سطح بحيرة هادئة أو في قارب يتهادى وينساب!

           وهكذا أمضى الملك الجديد يومه العجيب، في الصباح كان حافيًا عاريًا جائعًا وأمسى شبعان ريّان يرتدي أفخر الثياب والحلل وقد ضربت دونه الستائر والكلل وبطنه مليئة بالطعام وكان نومه عميقًا زاخرًا بالأحلام، بدأ يصدق بأنه السلطان وإنه الملك وصاحب التاج والصولجان !!

            ومرّ يوم آخر وآخر وفي اليوم الرابع أسند ظهره إلى العرش باسترخاء وراح ينظر إلى الأعيان والوزراء بنظرة فيها ازدراء واستعلاء! وتناهى إليه صوت الخيول ونباح الكلاب فقال لوزيره ما هذا أيها الوزير؟!

    ـ قال كبير الوزراء:

  ـ إنها رحلة صيد لمولانا السلطان ففي لعبة الصيد والصياد تخفيف من عناء حكم البلاد وتدبير شؤون العباد!

          وهكذا ذهب الملك الجديد في رحلة للترفيه والصيد!

        لم تمض سوى أسابيع حتى اغتر الملك تمامًا بسلطانه وتاجه وصولجانه وراح يكثر من تناول الطعام والذهاب إلى الحمام، وامتلأ قصره بالغلمان والجواري الحسان، والمطربين والإكثار من إقامة الحفلات والسهرات!!

           وهكذا تمر الأيام والشهور حتى اكتمل عام بالتمام.

         كان الملك في صباح ذلك اليوم جالسًا على عرشه ولكنه كان وحيدًا في البلاط، لا وزراء ولا أعيان، فهل البلاد في عطلة أم أن ذلك بسبب سهرة البارحة والحفلة ويا لها من حفلة فاضحة؟! واستغرق في الفكر… آه لقد مرّ عام بالتمام .. في ذلك الصباح قبل عام كنت قرب السوق جائعًا دون طعام وحافيًا دون نعل وحذاء ممزق الثياب، وها أنا اليوم في هذا الصباح شبعان شبعان وريّان ريّان أرتدي أفخر الثياب وأنام في الليل والنهار أعيش كما تعيش الملوك في عزٍّ وفي فخار!

           وفيما كان الملك مستغرقًا في الخيال إذا بصيحات الجنود تكسر صمت المكان وإذا بهم يقتحمون البلاط ويتجهون إليه وينتزعونه من فوق العرش انتزاعًا، فصرخ بهم.

   ـ أنا السلطان! اغربوا عن وجهي واخرجوا من المكان!!

         ولكن الجنود الغلاظ الأجسام، اندفعوا نحوه وانتزعوه من عرشه واتجهوا به إلى ذلك الحمام الذي جاءوا به إليه قبل عام! فأدخلوه إلى ذات الغرفة وأخذوا التاج منه وخلعوا حلله وثيابه وجردوه من كل شيء، ثم فتحوا ذلك الصندوق وألبسوه ثوبه الممزق وسجنوه لحين حلول المساء.

           ولما حلّ المساء وأظلمت السماء انفتح الباب بقوة وأخرج الرجل عنوة؛ واتجهوا به في الظلام وجميع أهل المدينة نيام.
وقاد الحرس والجنود الرجل الممزق الثياب حتى وصلوا إلى ساحل البحر فدفعوه إلى داخل القارب وجذفوا طوال الليل إلى السحر حتى وصلوا إلى جزيرة صغيرة فألقوه في الرمال وعادوا من حيث أتوا به.

         فلما طلع الصباح وبزغ نور الشمس ولاح؛ وجد الرجل نفسه وحيدًا في جزيرة جرداء كالصحراء ورأى كثيرًا من الجماجم والعظام والأشلاء!

            وأما الجنود فإنهم لما أصبح الصباح انطلقوا في شوارع المدينة للبحث عن رجل غريب آخر!

           وفي نهاية المطاف وجدوا رجلًا غريبًا جالسًا على ضفة النهر وكان الرجل بالرغم من شدة الفقر يجيل النظر في وقار ويتأمل الأصداف والمحار والورود والأزهار، ثم ينظر إلى السماء والطيور سابحات في الفضاء.

            فإذا بالجنود يحيطون به وينتزعونه انتزاعًا ثم يمضون به سراعًا!

           متجهين إلى التلال الخضراء مخترقين المزارع والحدائق الغناء إلى أن وصلوا أسوار القصر، ثم أخذوا به إلى الحمام المبني من المرمر والرخام.

        وجرى لهذا الرجل ما جرى لسابقه، غير أنه تأمل وفكّر واستغرب الأمر واستذكر، وأدرك أن في الأمر سرًا وأي سرّ؟!
فلما جلس على العرش ووضعوا التاج على الرأس استغرق في الفكر أكثر فأكثر؛ انحنوا له وخاطبوه: يا جلالة السلطان ويا ملك البلاد! نحن رهن إشارتك تأمر فنطيع وتنهى فنطيع!

         ثم مدّوا الخوان وحلت الأطباق المليئة بالطعام والشراب من كل الألوان! وبكل ما لذّ وطاب، فأكل يسيرًا من الطعام والشراب، ونهض عن المائدة وتنحى وهو ما يزال مستغرقًا في الفكر يريد الكشف عن السرّ!

            ومرّت أيام والرجل ما يزال يفكر مستغربًا، لما يجري مستنكرًا! ثم قرر أن يبحث عمّن يحل له هذا اللغز.

           وفي ليلة من الليالي ارتدى الرجل ثوبًا بسيطًا وتسلل إلى خارج القصر لا يعلم به أحد وأخذ طريقه إلى المدينة ينظر في وجوه الناس فلعلّه يجد من يسأله ويستوضح منه حتى وقعت عيناه على شيخ وقور قد اشتعل رأسه شيبًا وحاز من التجارب نصيبًا.

             فسلّم عليه وحيّاه وقال له:

   ـ إني رجل غريب في هذه الديار وقد رأيت أمرًا حيرني؛ فأنا أفكر فيه منذ أيام.

   قال الشيخ الوقور:

  ـ وما الذي رأيت فحيرك ؟!

    قال الرجل:

  ـ رأيت قبل أيام جندًا هجموا على رجل فقير وأخذوه إلى قصر السلطان وألبسوه التاج وقلّدوه أمر البلاد، فكان في الصباح رجلًا فقيرًا وفي المساء ملكًا كبيرًا ؟!

     أطرق الشيخ وقال بحذر:

   ـ سأفضي إليك بالسرّ، فكن على حذر، وسأخبرك بحقيقة الأمر، واعلم أن هذا الرجل الذي رأيته في الصباح فقيرًا ثم أصبح ملكًا كبيرًا إنما هو رجل مسكين فلا تغبطه على ما وصل إليه، وما أصبح فيه من مُلْكٍ كبير وقصر منيف وسلطان وصولجان، لأنه ما إن يمر عام حتى يجردوه من ملكه وسلطانه ثم يأخذونه إلى جزيرة جرداء كالصحراء فينبذونه هناك فيهلك جوعًا وعطشًا! كما فعلوه من قبل برجال غرباء ملكوا كل واحد منهم عامًا واحدًا فقط ثم نبذوهم هناك في الصحراء في تلك الجزيرة القفراء!

 

           وهذه سُنّة في أهل هذه المملكة، فإنهم يأخذون الرجل الغريب الذي يجهل أمرهم فيملّكونه عليهم عامًا واحدًا ثم يطردونه وينبذونه؛ وهو لجهله لا يشك في أن ملكه دائم وحكمه قائم؛ فإذا مرّت سنة من ملكه أخرجوه ونبذوه عريانًا مجردًا سليبًا، فيقع في بلاء وشقاء.

              فلما سمع الرجل ذلك شكر الشيخ وعاد أدراجه إلى القصر.

             وأمضى ليله يفكر في عاقبة أمره، فلما كان السحر انقدحت في ذهنه فكرة من بعد طول تأمل وتفكر، فيما سيؤول إليه أمره والمصير، فنزلت عليه الفكرة بردًا وسلامًا وحينئذٍ أغمض عينيه ونام.

            وما أن طلع الفجر ولاح وأشرقت شمس الصباح حتى كان الملك جالسًا فوق عرشه مستيقظًا منتبه الحواس لم تبد عليه آثار السهر وطول التفكير حتى السحر!

            وجاء القادة والوزراء فصرفهم إلى أعمالهم ثم أمر بإحضار رئيس المهندسين وكبير البنّائين، فلما حضرا صرف الجميع ولم يبق غيرهما، فأخذهما إلى ناحية من القصر وأفضى إليهما بعزمه على بناء قصر جديد وعيّن لهما مكانه وقال لهما:

   ـ سأفتح لكما الخزائن تأخذان منها ما تشاءان! فرئيس المهندسين يخطط ويضع التصاميم وكبير البنّائين ينفّذ الخرائط والخطط ثم أمر آخر أريد أن يبقى هذا المشروع سرًا لا يعلم به أحد وأن يجري العمل ليل نهار، أما المدة فيجب ألا تكون أكثر من عام واحد فقط. أريد أن أرى قصرًا من الرخام يتوسط الجزيرة تحوطه الحدائق الغنّاء والمزارع الخضراء!

            وهكذا بدأت الزوارق والقوارب تنطلق إلى الجزيرة تحمل المؤن ومواد البناء والعمال وأصحاب الحرف.

            وكان الملك يتابع عمليات البناء وحفر الآبار ونقل فسائل الأشجار وشق السواقي والأنهار.

        وراح الملك يرسل إلى تلك الجزيرة الغلمان والجواري وثم تأثيث القصر بأنواع الأثاث الفاخر المرصّع بالدرر والجواهر وهكذا أصبحت الجزيرة المهجورة معمورة، وبات القصر جاهزًا للاستقبال، وبات الرجل في أشدّ الاستعجال! يترقب مرور الشهور والأيام واكتمال السنة والعام!

        فلمّا دار العام جاء الجنود فأخذوه وكان من شدة سروره مشرق الوجه مبتسماً منشرح الصدر متأهبًا، يعرف أن عاقبة أمره إنه سيعيش في الجزيرة متنعمًا، فالرجل الأول قضى على نفسه بجهله وأصبح مُلكه وبالاً عليه. والرجل الثاني فاز بعقله وفكر في عاقبة أمره فآل إلى ما آل إليه.

          وهذه هي حال الدنيا والآخرة فمن يعمل للدنيا يكون مصيره مصير ذلك الرجل الجاهل ومن يعمل للآخرة يكون مصيره مصير ذلك الرجل العاقل.

          (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.