Take a fresh look at your lifestyle.

المحدث الجليل.. الأصبغ بن نباتة المجاشعي مائة عام من العلم والجهاد

0 406
              علي الفحام

                    من موارد الضعف في التاريخ الإسلامي بشكل عام، والشيعي خصوصاً، الفقر المعلوماتي حول التراجم والسير لحياة المحدثين والرواة بحيث تكاد تنحصر في جوانب خاصة من حياتهم العلمية ودرجة وثاقتهم وطبقتهم وما شاكل، وباعتبار أن الراوي هو العدسة التي تنقل لنا أحداث التاريخ فمن النادر أن نجد عدسة أخرى تسلط الضوء على حياة هذا الراوي وتفاصيله ومتبنياته الفكرية وتوجهاته السياسية وأحواله الاجتماعية بما يرسم صورة متكاملة عن شخصية هذا الراوي أو ذاك، وبالتالي على المحققين وأصحاب الأقلام النظر في زوايا التاريخ وبين سطوره لتلمس بصيص ضوء حول كتابة ترجمة وافية عن حياة هؤلاء العظام الذين أسدوا لنا وللإسلام خدمة لا يعرف قدرها إلا من يعرف أهمية الحديث الشريف في المنظومة الإسلامية.

وكجزء من الوفاء سنقف اليوم في جولة سريعة مع واحد من قدماء وكبار محدثي الشيعة وأحد المخلصين من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو الأصبغ بن نباته المجاشعي الكوفي لنرى ملامح الولاء الشيعي التي جسدها الأصبغ في نحو قرن من الزمان.

الأصبغ .. النسب الوضاح
هو المحدث الجليل وصاحب أمير المؤمنين(عليه السلام): الأصبغ بن نباتة بن الحارث، ولقبه ابن الشام، بن عمرو بن فاتك بن عامر بن مجاشع دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (أنساب الأشراف 4/109).
وعليه فقد اشتهر من ألقابه: التميمي، ثم الحنظلي، ثم الدارمي، ثم المجاشعي
ـ بضم الميم ـ وأشهرها تردداً في المصادر الثاني والرابع بينما يندر أن يلقب بالدارمي.
وأخيراً فقد لقب بالكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة التي شخصها مع أمير المؤمنين علي(عليه السلام) (ت40ﻫ) عند اتخاذها عاصمة للخلافة الإسلامية وبقي فيها حتى توفي ودفن فيها على الأرجح.
كنيته أبو القاسم (الجرح والتعديل للرازي 2/319)، ولولده القاسم رواية قليلة، ذكر البلاذري من إخوته (غسان بن نباتة) وليس لغسان ما لأخيه من الفضل والذكر. (أنساب الأشراف 4/213) .
وفي معنى الأصبغ، بفتح الباء، ذكر الطريحي في مجمع البحرين 2/582: (والأصبغ من الخيل: الذي ابيضت ناصيته، أو ابيضت أطراف ذنبه. والأصبغ من الطير: ما ابيض ذنبه) ويقال في المؤنث: صبغاء.
أما (نُباتة) فهو بضم الباء على ما هو المشهور كما ضبطه الطريحي في مجمعه 4/261، والزبيدي في تاج العروس 12/38، وقال المزي (ت742هـ) في تهذيب الكمال 29/311: (المحدثون يقولون بضم النون، وسمعت أبا بكر ابن الأنباري يقول: الأصبغ بن نباتة بفتح النون).
هو من الرواة المعروفين في خاصة أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو من ثقاته العشرة على ما رواه الكليني في كتابه (رسائل الأئمة)، روى أيضاً عن الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)، وعن مجموعة من الصحابة منهم: أبو ذر الغفاري، عبد الله بن عباس، أبو أيوب الأنصاري، سلمان الفارسي وغيرهم، أما من التابعين فقد روى عن: الحارث الأعور الهمداني وزادان الكوفي صاحبي أمير المؤمنين(عليه السلام).

المراحل المميزة في حياة
الأصبغ بن نُباتة
الأصبغ بن نباتة من المعَّمرين الذين امتدت بهم الحياة ـ على ما نرجحه ـ أكثر من قرن من الزمان، ومثل هذه الحياة الطويلة والقاسية لا يمكن النظر إليها ودراستها على طولها دفعة واحدة مع تعدد الأشواط والمراحل التي قطعتها، ومع تنقلها بين بلاد مختلفة، ومعايشتها لحكومات شتى، فضلاً عن الشخصيات التي عاصرتها وتفاعلت معها.
أضف إلى ذلك كله أن طول العمر يقضي تنوع القدرات والتوجهات والقناعات الشخصية للفرد ووجود تحولات في حياته قد تشكل تطوراً ايجابياً باتجاه واحد أو تبدلاً بالاتجاه المعاكس.
وبالنسبة للأصبغ بن نباتة تبرز طبيعة علاقته مع أمير المؤمنين(عليه السلام) كأفضل عامل يمكن على أساسه تقسيم حياته إلى مراحل وأدوار مميزة بحيث تكون لكل مرحلة طبيعتها وظروفها ومميزاتها التي تختلف عن المراحل الأخرى.
يمثل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في حياة الأصبغ مركز الثقل لكل نقاط التأثير النفسي والروحي والعاطفي، فقد كان الأصبغ شغوفاً بسيده وإمامه منذ نعومة أظفاره يدفعه رسوخ العقيدة وتجذر الولاء في تركيبته السيكولوجية الرفيعة والمتميزة، ولم يغير الأصبغ اتجاه بوصلته مع كل ما مر على البلاد الإسلامية من تحولات وفتن وابتلاءات سقطت فيها كل الولائج وانكشفت فيها أقنعة الوجوه لتفصح عن معادن الرجال الكامنة في قلوبها.
وعلى أساس ما ذكرنا فقد قسمنا حياة الأصبغ بن نباتة إلى ثلاث مراحل متميزة:
المرحلة الأولى: منذ ولادته حتى عام 36ﻫ.
المرحلة الثانية: من عام 36ﻫ ـ عام 40ﻫ.
المرحلة الثالثة: من عام 40ﻫ ـ حتى وفاته.

المرحلة الأولى: منذ ولادته ـ سنة 36ﻫ
بدأت هذه المرحلة بولادة الأصبغ بن نباتة التي انطلقت معها حياته في هذه الدنيا الفانية مروراً بلقائه بأمير
المؤمنين(عليه السلام) وملازمته له خلال المدة التي قضاها معتكفاً عن الحياة السياسية بعد أحداث السقيفة وما تلاها من وقائع مؤلمة، لتنتهي هذه المرحلة بتسلم أمير المؤمنين(عليه السلام) زمام الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان سنة 36ﻫ إثر موجة من الاحتجاجات العاصفة التي عمت مناطق واسعة من الولايات الإسلامية نتيجة لتصاعد النقمة الشعبية على سياسات الخليفة الاستبدادية وتصرفات الحاشية وذوي السلطة والنفوذ وعلى رأسهم بنو أمية وآل مروان وآل أبي معيط.
لا يعرف على وجه التحديد تاريخ ولادة الأصبغ، ولا مكانها (و إن كان الأرجح أنه لم يكن بالمدينة أو مكة)، وكذلك لا يعرف تاريخ التقائه بأمير المؤمنين(عليه السلام)، ولكن بالإمكان لبعض الشواهد التاريخية أن ترسم ملامح التاريخ التقريبي لولادة محدثنا الجليل ، فهو ـ على الأرجح ـ
ولد قبل الهجرة ببضع سنين، ومما
يؤيد ذلك:
أولاً: روايته عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في بداية عهد أبي بكر بن أبي قحافة:
ومن أشهر تلك الروايات رواية الرجل الحضرموتي التي ذكرتها كتب العامة والخاصة:
روى ابن عساكر في تاريخه 36/138، والحموي في معجم بلدانه 1/116، ومن الخاصة رواها أبو الفتح الكراكجي (ت449هـ) في كنز الفوائد 179: عن مرة بن عمر الأبلي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: (إنا لجلوس عند علي بن أبي طالب ذات يوم في خلافة أبي بكر، إذ أقبل رجل من حضرموت…).
ولو افترضنا أن عمر الأصبغ في هذه الرواية كان بين (10ـ20) سنة فهذا يعطي ترجيحاً كبيراً أن يكون الرجل قد ولد قبل الهجرة النبوية الشريفة لأن خلافة أبي بكر انتهت سنة 13ﻫ.
ثانياً: ما ورد في التاريخ أن الأصبغ بن نباتة كان في معركة صفين (38ﻫ) شيخاً، أي قد تجاوز الأربعين من عمره، وهذا يعضد الترجيح الذي اخترناه لولادته قبل الهجرة.

المميزات العامة لهذه المرحلة
أولاً: قلة المرويات التاريخية حول الأصبغ وتفاصيل حياته وعلاقته مع الدولة والاصطفافات السياسية التي كانت قائمة.
ولكن الذي يظهر من بعض المرويات أن الأصبغ كان نافذ البصيرة في دينه، دخل في إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) مباشرة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد تسلح في عقيدته بالحجة والبرهان وصفاء القلب ونقاء السريرة، ولم يدخل في العقيدة وراثة عن أب أو انحيازاً لعشيرة بل العكس هو الصحيح، إذ لم يعرف التشيع في بني تميم إبان تلك الحقبة، ولم يكن التشيع قد اصطبغ بالصبغة القبلية أو المناطقية كما حصل في الحقب اللاحقة.
ثانياً: يظهر من المرويات أن الأصبغ كان شديد الملازمة لأمير المؤمنين(عليه السلام) من خلال حضور مجالسه كما قرأنا قبل قليل أو حتى التردد عليه في بيته، وقد ساهمت هذه الهمة العالية في صحبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في صقل شخصية صلبة الإيمان سخرها الأصبغ في خدمة العقيدة الحقة والدفاع عنها ونشرها بين الناس، كما اكتسب الأصبغ خلال هذه الفترة نفساً أخلاقياً تربوياً منقطع النظير.

ثالثاً: روى الأصبغ جملة من قضاء أمير المؤمنين(عليه السلام) وأحكامه في زمن الخلفاء الثلاثة وخصوصاً أبا بكر وعمر، وقد كشفت هذه المرويات زيف الخلفاء المتسلطين على رقاب المسلمين وأوضحت للتاريخ جهلهم وعجزهم وأبرزت مظلومية أمير المؤمنين وأهل بيته(عليهم السلام)الذين أبعدوا عن قيادة الأمة وهدايتها قسراً. وللأصبغ كتاب باسم (أحكام أمير المؤمنين(عليه السلام)) سنذكره إن شاء عندما نأتي على ذكر مصنفاته.

رابعاً: وكنتيجة لشدة التصاقه بأمير المؤمنين(عليه السلام) ظل الأصبغ في هذه المرحلة بعيداً عن الحياة السياسية ودهاليزها، فقد اتخذ جانب الانعزال السلبي كما إمامه أمير المؤمنين(عليه السلام) فلم يسجل له التاريخ اشتراكه في الفتوحات العسكرية التي كانت قائمة على قدم وساق، ولم يتسلم أي منصب في إدارة الدولة أو الخدمة فيها لمصحة الخلفاء، كما لم تعرف مخالطته للخلفاء ولا حضور مجالسهم بل ولا حتى الرواية عنهم.
وفي الحقيقة فإن قلة نشاط الأصبغ في هذه المرحلة وقلة المرويات عنه يعزى إلى قلة نشاط أمير المؤمنين(عليه السلام)وانعزاله عن المشهد السياسي وبالنتيجة فقد عكس الأصبغ في هذه المرحلة حقيقة التشيع الصحيح والإتباع الأمثل للأئمة(عليهم السلام)، فللمؤمن إمام يأتم به وحسبه أن يقوم إن قام وأن يقعد إن قعد ولا يتكلفن من نفسه فيهلك ويهلك غيره.
خامساً: لم يشترك الأصبغ على ما يبدو في (فتنة مقتل عثمان) رغم انخراط عدد من الشيعة المخلصين في الاحتجاجات التي كانت قائمة ضد سياسات الخليفة التي نشرت الفقر والظلم والتمييز الطبقي وأججت الأحقاد بين القبائل والبيوتات الإسلامية.

المرحلة الثانية: من 36ـ40 هـ
جسدت هذه المرحلة بالنسبة للأصبغ بن نباتة العصر الذهبي حين تسلم أمير المؤمنين(عليه السلام) زمام الحكم ودفة القيادة الفعلية للأمة ليقود أول دولة للعدل بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، واتسمت بيعة الناس لأمير المؤمنين(عليه السلام) باندفاع منقطع النظير افتقدته كل البيعات الثلاث التي تمت قبله، وقد عكس هذا المشهد حالة الإحباط واليأس الذي وصلته الأمة من الحكومات التي تعاقبت على حكم المدائن الإسلامية بسبب فشل الأخيرة في تحقيق العدل وتطبيق الأطروحة الإسلامية المتكاملة، كما أوضح هذا المشهد أن الأمة استعادت هامشاً من وعيها السياسي والديني الذي اكتوى بفتنة السقيفة وما تلاها من أحداث حرفت البوصلة الإسلامية بعيداً عن منظومة الممانعة (كتاب الله وأهل
البيت(عليهم السلام)) التي خلفها رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمته.
انتهت هذه المرحلة باستشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام) سنة 40ﻫ بتدبير وتنفيذ من حركة الخوارج التكفيرية وبمساعدة لوجستية قدمتها الشخصيات المعادية للشرعية التي كانت تملاً حواضر البلاد الإسلامية ولاسيما في مدينة الكوفة عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك.
وعلى الرغم من قصر المدة الزمنية لهذه المرحلة في حياة الأصبغ بن نباتة، فإن الباحث يمكن إن يعتبرها أكثر المراحل الزمنية غناءً من حيث المرويات التاريخية والحديثية التي ورثناها عن الأصبغ وشخصيته وتفاصيل حياته (محدثاً ومجاهداً)، فقد مثلت ذروة عمله الجهادي والروائي مع أهل البيت(عليهم السلام)، واختصرت في سنواتها الأربع شخصية الأصبغ بن نباتة المحدث الشيعي الصدوق، والمجاهد المخلص والتلميذ النجيب لأهل بيت
نبيه(صلى الله عليه وآله)، والأخ الناصح والسند المتين لإخوانه الشيعة، وفي الوقت نفسه الخصم اللدود والسعير الملتهب على النواصب ورموز التيار الانقلابي وأذنابهم.
وبشكل عام يمكن أن نجمل المميزات العامة لهذه المرحلة بالنقاط التالية:
أولاً: كشفت هذه المرحلة بشكل واضح مقدار الارتباط والالتصاق الوثيق للأصبغ بن نباتة بأمير المؤمنين(عليه السلام) فلم يتخلف عن ملازمته لا في حرب ولا في سلم.
اشترك الأصبغ بشكل فاعل في الجمل وصفين والنهروان وسطر فيها المفاخر التي تحدثت بها كتب السير ورواها أصحاب المغازي والتراجم، ولم يترك صحبة إمامه في صلاة أو سفر أو عبادة أو عمل قضائي أو جولة إدارية، بل حتى في آخر لحظاته كان الأصبغ هو الحاضر الأول في المشهد وله في ذلك روايات مشهورة (راجع: وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري 406، مناقب الخوارزمي 205، بحار الأنوار 32/272، أمالي المفيد 352 وغيرها).
ثانياً: تسلم الأصبغ باعتباره واحداً من ثقات أمير المؤمنين(عليه السلام) مناصب مهمة في الدولة الإسلامية، على عكس ما كانت حاله في عهد الخلفاء الثلاثة، ومن أبرز ما يتحدث عنه التاريخ هنا وصول الأصبغ إلى منصب (رئيس شرطة الخميس) وهي الفرقة العسكرية الخاصة التي شكلها أمير المؤمنين من عناصر النخبة وأصحاب الإخلاص من شيعته.
ثالثاً: استقر الأصبغ بن نباتة في مدينة الكوفة واتخذها موطناً وسكناً بعد أن قصدها أمير المؤمنين(عليه السلام) وأعلنها عاصمة للدولة الإسلامية بعد انتهائه من حرب الجمل الطاحنة، وظلت الكوفة موطناً للأصبغ أكثر من ستة عقود ومن المرجح أن يكون قد دفن فيها أيضاً.
رابعاً: ظلت السمة البارزة والشغل الشاغل للأصبغ في هذه المرحلة جمع الأحكام والحكم الواردة على لسان أمير المؤمنين عليه السلام وصحابته المنتجبين، وتحمل أبو القاسم الأصبغ بن نباتة بكل شرف مسؤولية نقل هذا التراث الكبير إلى أجيال الشيعة بالرغم من حملات التوهين والتسقيط التي واجهها من الأجهزة الفكرية المرتبطة بالأنظمة المعادية لأهل البيت(عليهم السلام).

المرحلة الثالثة: من 40 هـ ـ وفاته
وهي أطول المراحل من حيث الفترة الزمنية، وقد شهدت تراجعاً في الحضور الشعبي والسياسي للأصبغ بحكم طبيعة التحول السياسي بعد استشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام) وما تلاه من إرهاصات انتهت بتوقيع اتفاقية الهدنة بين الإمام الحسن(عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان، وقد اعتبرت هذه الحقبة من أسوأ الحقب التي مرت بها الحالة الشيعية في العراق حيث مارست الدولة الأموية سياسة التصفية الطائفية ولاحقت رموز الشيعة وشخصياتها تحت كل حجر ومدر، ووفقاً للتأسيس الذي قدمناه فقد آثر الأصبغ الركون للهدوء وعدم المواجهة مع السلطة بعد توقيع الإمام الحسن اتفاقية الهدنة وبعد لزوم الإمام(عليه السلام) جانب العزلة السلبية عن الأحداث، وبالتالي عزز الأصبغ موقفه العقائدي بضرورة الإقتداء بإمامه وعدم التقدم أو التأخر عليه.
ومن الجوانب المهمة التي تذكر في هذا الحقبة موقف الأصبغ بن نباتة من خروج الإمام الحسين على يزيد بن معاوية، ولماذا لم يذكر اسمه ضمن أنصار الإمام
الحسين(عليه السلام)؟ وفي الحقيقة نظراً لشحة المصادر التاريخية فإن الصورة غير واضحة إلا أن المؤكد أن الأصبغ ظل محافظاً على البوصلة نفسها في ما يخص ولاءه لأهل البيت(عليهم السلام)، ومما عثرتُ عليه في هذا المجال ما أورده المحدث الثقة السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه (مقتل الحسين) ص151 بقوله: (أمر (ابن زياد) صاحب شرطته الحصين بن تميم وحذره بالفتك أن أفلت مسلم وخرج من الكوفة… فقبض (الحصين) على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي وعمارة بن صلخب الأزدي فحبسها ثم قتلهما وحبس جماعة فيهم الأصبغ بن نباتة والحارث الأعور الهمداني…) وهذا النص وإن لم نجده في الكتب التاريخية القديمة ولكن ـ اعتماداً على وثاقة المقرم في النقل ـ يمكن التأسيس عليه والقول أن الأصبغ باعتباره شخصية شيعية مميزة ومخضرمة فقد شمتله الأحكام العرفية التي أعلنها ابن زياد في الكوفة وظل حبيس السجن إبان وقعة الطف الأليمة، ليس على هذه النتيجة أي اعتراض تاريخي يذكر وهي تنسجم مع التوجه العقائدي المعروف للأصبغ.
لقد مثلت هذه الحقبة مرحلة النضج في التبليغ العقائدي والرسالي للأصبغ بن نباته، فقد طفق ينشر ما سمعه من أحكام وأحاديث وخطب من أمير المؤمنين وأهل بيته وصحابته المخلصين، وكانت الكوفة هي المسرح الرئيسي لروايته فقد بلغ عدد الرواة عنه وفق ما وصل إلينا من كتب التاريخ والحديث نحواً من أربعين راوياً، رووا عنه في مختلف أصناف العلوم كالأحكام الفقهية والعقائد والأخلاق والتفسير والتاريخ، ولقد كان لفضائل أهل البيت(عليهم السلام) النسبة الأكبر من مروياته الحديثة مما سبب في نقمة المدرسة الفكرية الأموية عليه فرماه وعاظ السلطة ومحدثو البلاط بالضعف والغلو لا لشيء إلا لتشيعه وانحرافه عن بني أمية، وهذه جملة من تلك التضعيفات الطائفية بحق هذا المحدث الجليل:
1ـ النسائي في (الضعفاء والمتروكون) 157: (الأصبغ بن نباتة متروك الحديث).
2ـ العقيلي في ضعفائه 1/129: (أصبغ بن نباتة الحنظلي كوفي كان يقول بالرجعة…).
3ـ الذهبي في ميزان الاعتدال 1/271: (قال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال النسائي وابن حبان: متروك. وقال ابن عدي: بين الضعف. وقال أبو حاتم: لين الحديث وقال ابن حبان: فتن بحب على، فأتى بالطامات، فاستحق من أجلها الترك…)!! وقال في المغني في الضعفاء 1/93: (واه غال في تشيعه)!!
ولا ندري كيف أصبح حب علي(عليه السلام) ـ وهو من علامة المؤمن ـ سبباً للطعن في الراوي واستحقاقه الضعف والترك والوهن! أما أنها موازين علم الرجال الأموي العوراء؟!
4ـ ابن حجر في تقريب التهذيب: 1/107: (أصبغ بن نباتة التميمي الحنظلي الكوفي، يكنى أبا القاسم، متروك، رمي بالرفض، من الثالثة).
5ـ المزي في تهذيب الكمال 3/308: (قال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: قد رأى الشعبي رُشيداً الهجري، وحبة العرني، والأصبغ بن نُباتة. ليس يساوي هؤلاء كلُّهم شيئاً،… وقال الدارقطني: منكر الحديث).
ولو أردنا الحقيقة فإن طعن هؤلاء من ذوي النزعة الأموية والأهواء الدنيوية في الأصبغ بن نباته لهو خير دليل على جلالة قدره ووثاقته وحسن عقيدته، لأن الأمور تعرف بأضدادها.

الرواة عن الأصبغ
كما أسلفنا فقد روى عن الأصبغ نحو من أربعين راوياً وكان أغلبهم من الكوفة والعديد منهم من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، ومن هؤلاء:
1ـ سعد بن طريف الحنظلي الإسكاف الكوفي (توفي بعد 148):
وقد روى غالبية روايات الأصبغ، وربما ورد في الروايات بعنوان (سعد الخفاف) أو (سعد الاسكاف) أو (سعد الاسكافي) أو (سعد بن طريف التميمي) أو (سعد بن طريف الكناني).
2ـ علي بن حزور الكوفي الكناسي وقيل الغنوي (ت130).
3ـ أبو اسحاق السبيعي (ت127).
هو عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ذكره الطوسي في أصحاب الإمام
الحسن(عليه السلام)، وذكر الذهبي أنه ولد سنة 34 وتوفي سنة 127 (سير أعلام النبلاء 5/392).
4ـ محمد بن الجارود العبدي
5ـ محمد بن داود العبدي أو الغنوي: أورد حديثه الكليني في الكافي 2/281، ولا يبعد اتحاده مع السابق.
6ـ محمد بن فرات: لعله ابن (فرات بن الأحنف) الآتي.
7ـ رَزِين بن حبيب بياع الأنماط: روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
8ـ أبو الجارود زياد بن المنذر (ت150)
زياد بن المنذر أبو الجارود الهمداني الخارفي، كوفي، كان من أصحاب أبي جعفر، وروى عن أبي عبد الله(عليهما السلام)، وتغير لما خرج زيد(رضي الله عنه).
(النجاشي 170).
وثقه السيد الخوئي في معجم رجاله (8/335) كما لم يستبعد أنه عاد عن زيديته للحق فمات صحيح المذهب، يروي أبو الجارود عن الأصبغ بن نباته تارة بشكل مباشر وتارة أخرى بواسطة بينهما كسعد بن طريف.
9ـ الحارث بن المغيرة (توفي بعد 148هـ)
النَّصْريّ، من بني نصر بن معاوية، العالم الجليل أبو عليّ البصريّ، عاصر ثلاثة من الأئمة: الباقر والصادق والكاظم
ـ (عليهم السلام) ـ وروى عنهم.
10ـ الحارث بن حصيرة (توفي بعد 140هـ )
الاَزديّ، أبو النعمان الكوفيّ، عُدّ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق ـ عليهما السّلام ـ.
11ـ أبو حمزة الثُّمالي ( ت 150هـ)
ثابت بن أبي صفية دينار، أبو حمزة الثمالي الأزدي بالولاء، الكوفي، أخذ العلم عن الأئمة الأربعة: زين العابدين والباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام) وروى عنهم، وكان منقطعاً إليهم مقرباً عندهم، روى عن الأصبغ مباشرة مجموعة من الروايات كما روى عنه بواسطة سعد الخفاف وأبي يحيى زكريا بن ميسرة.
12ـ مسمع (توفي بعد 148هـ)
ذكر له الشيخ الكليني رواية واحدة عن الأصبغ رواها عنه محمد بن مطرف (الكافي 5/317)، ولم نظفر بتقريب دقيق لحقيقة هذا الراوي.
13ـ عبد الحميد الطائي (توفي بعد 170).
روى له الكليني رواية عن الأصبغ في باب الكذب (الكافي 2/340).
14ـ عبد الله بن جرير العبدي.
15ـ أبو مريم (توفي قبل 160ﻫ )
هو عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن قهد الأنصاري، الكوفي، كان من ثقات أصحابنا جليل القدر واسع الحفظ، له رواية عن الأصبغ بن نباتة رواها الكليني في الكافي 6/318، والبرقي في المحاسن بسندين (2/438 و2/469).
16ـ يحيى بن أبي الهيثم العطار
كوفي وثقه العامة، وردت روايته عن الأصبغ في السنن الكبرى للبيهقي 6/151، وفي مصنف ابن أبي شيبة 5/286 ولكن بعنوان (يحيى بن الهيثم العطار).
17ـ فرات بن أحنف
ويقال له أبو محمد الهلالي، روى عن الأئمة الطاهرين: السجاد والباقر
والصادق(عليهم السلام)، رموه بالغلو قال بن حجر: كان (من غلاة الشيعة) لسان الميزان 4/429 ويظهر من ذلك أن وصفه بالغلو إنما جاء من قبل العامة فروايات الرجل مستقيمة ولا توحي بشيء من الغلو، قد يروي عن الأصبغ بواسطة سعد بن طريف (كمال الدين 302)، ولعله أبا (محمد بن فرات) الرواي عن الأصبغ الذي تقدم.
18ـ محمد بن سالم
وفي الوسائل 17/329: (محمد بن سلام) ولعله تصحيف.
19ـ خالد النوفلي
أورد روايته عن الأصبغ الكليني 7/373، ولم نعثر على ذكره في كتب التراجم.
20ـ علي بن هارون العبدي
أورد روايته البرقي في المحاسن 1/291.
21ـ بريد العجلي (ت150 أو قبل 148).
هو أبو القاسم بريد بن معاوية العجلي، عربي، وجه من وجوه أصحابنا، روى عن الصادقين(عليهما السلام)، أورد الصدوق عليه الرحمة روايته عن الأصبغ في علل شرائع 1/39.
22ـ أبو الصّبّاح الكناني (توفي بعد 170هـ).
هو إبراهيم بن نُعيم العَبديّ وقيل الأزدي، من أصحاب الباقرين(عليهما السلام).
أما روايته عن الأصبغ فقد أوردها الكليني في الكافي 8/157.
23ـ أبو يحيى زكريا بن ميسرة
ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الصادق(عليه السلام)، أورد روايته الكليني في الكافي 2/627 كما وردت روايته عن الأصبغ في تفسير (فرات بن إبراهيم الكوفي).
24ـ أبو خالد الكابلي
من خواص أصحاب السجاد والباقر والصادق صلوات الله عليهم، أورد روايته عن (الأصبغ بن نباته) الشيخ المفيد في أماليه ص3.
25ـ عباية
لعله عباية بن ربعي الأسدي الكوفي، أورد روايته الخزاز القمي في كفاية الأثر 223، وأورد الخطيب البغدادي روايته بعنوان (عباية الأسدي) عن الأصبغ بن نباتة (تاريخ بغداد 13/123).
26ـ محمد بن سعد
أورد روايته السيد ابن طاووس في اليقين 489، وفي بعض النسخ (محمد بن سعيد).
27ـ مبارك بن فضالة (ت165هـ).
هو أبو فضالة القرشي العدوي البصري الذي وثقه بعض العامة، أورد روايته الصدوق في خصاله 228.
28ـ فطر(ت153هـ).
ولعله (فطر بن خليفة أبو بكر الكوفي المخزومي) وثقه جملة من أعلام العامة وتركه آخرون لتشيعه! (سير أعلام النبلاء 7/30)، أورد روايته محمد بن سليمان الكوفي في مناقبه 2/16، وابن سعد في طبقاته 6/225.
29ـ مقاتل بن حيان (ت150هـ).
محدث سني معروف، أورد روايته الحاكم في مستدركه 2/528، وفي أمالي الطوسي 377.
30ـ جعفر بن برقان (ت154هـ).
وثقه العامة، ذكر حديثه عن الأصبغ، العجلوني في كشف الخفاء 2/20.
31ـ الكلبي (ت146هـ)
هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر قال عنه الذهبي: شيعي متروك الحديث! (سير أعلام النبلاء 6/248)، وردت روايته عن الأصبغ في مصنف الصنعاني 3/574.
32ـ سلمة بن أنس
أورد حديثه السيد ابن طاووس في الملاحم والفتن 288.
33ـ الفضل بن الزبير
قال عنه ابن داود نقلاً عن الكشي إنه (ممدوح). (رجال ابن داود 151)، أورد حديثه الحسن بن سليمان الحلي في مختصر بصائر الدرجات 208.
34ـ إبراهيم بن بشير الأنصاري
وفي بعض النسخ (إبراهيم بن شيبة الأنصاري)، أورد روايته محمد بن سليمان الكوفي في مناقبه 2/116.
35ـ الصباح بن يحيى المزني
أورد روايته شرف الدين الحسيني في تأويل الآيات 2/835، ويظهر أن فيها إرسالاً لأنه اعتاد أن يروي عن الأصبغ بواسطة الحارث بن الحصيرة
36ـ الحسين بن ثوير (توفي بعد سنة 114هـ).
لم نجد له رواية عن الأصبغ في كتب الحديث، إلا أن النجاشي ص155 ذكر في ترجمة (خيبري بن علي) أنه روى عن الحسين بن ثوير عن الأصبغ.
37ـ أبو العلاء الخفاف (توفي بعد سنة 114هـ).
اشتهر بهذه الكنية (خالد بن طهمان الكوفي) روى عن الباقر والصادق(عليهما السلام)، وهو من العامة على ما ذكر النجاشي إلا أن الرازي في الجرح والتعديل 3/337 قال: (من عتق الشيعة محله الصدق)، أورد له الصفار في بصائره ص71 رواية جليلة تدعم القول بتشيعه عن محمد بن سنان، عنه، عن الأصبغ بن نباتة.
38. ماهان الحنفي (ت83هـ): أورد روايته الطبري في تاريخه 3/558، هو ماهان الحنفي، أبو سالم الكوفي الأعور، قتله الحجاج سنة 83ﻫ.
39ـ أبو البلاد: قيل اسمه يحيى بن أبي سليمان، كوفي من أصحاب الباقر والصادق(عليهما السلام) (رجال الطوسي 321) وثقه بعض العامة، أورد روايته النعماني في غيبته 286.
40ـ خالد النواء: أورد روايته ابن مُردويه في المناقب 163.
41ـ خلف النواء: أورد روايته السيد محسن الأمين في كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين(عليه السلام) ص113، ولا يبعد اتحاده مع السابق.
42ـ هاشم بن البريد: أبو علي الكوفي وثقه العامة ورموه بالتشيع، ذكر المزي في تهذيب الكمال (30/125) أنه روى عن الأصبغ ولم نجد تلك الرواية في كتب الحديث.
43ـ مرة بن عمرو الإيلي أو الإبلي: روى عنه رواية الرجل الحضرمي كما ذكرنا سابقاً.
44ـ الوليد بن عبدة الكوفي: أورد روايته ابن أبي الدنيا في كتاب التواضع والخمول 133، قال عنه ابن حجر(مقبول من السادسة) تقريب التهذيب 2/287.

مصنفــاته
1ـ كتاب مقتل الحسين: والظاهر أنه أول من كتب مقتل الحسين وكتابه أسبق كتب المقاتل (الذريعة 22/23)، ومع الأسف لم تصل إلينا روايات هذا الكتاب.
2ـ أحكام أمير المؤمنين(عليه السلام): وقد كانت نسخة منه موجودة عند السيد محسن الأمين(رحمه الله)، وقد ضم إليها روايات أخرى، وأخرجها باسم عجائب أحكام أمير المؤمنين(عليه السلام).
3ـ عهد أمير المؤمنين لمالك بن الأشتر لما ولاه مصر، فإنه مروي من طريق الأصبغ.
4ـ كان عند الأصبغ صحيفة من إملاء علي(عليه السلام) ففي كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي قال: في كتاب شرف النبي عن إبراهيم بن شيبة الأنصاري، قال: جلست إلى الأصبغ بن نباته، قال: ألا أقرئك ما أملاه علي بن أبي طالب، فأخرج إلي صحيفة، فإذا مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أهل بيته، فإن أهل بيته آخذون بحجزة نبيهم، وإن شيعتهم يأخذون بحجزهم من النار، فإنهم لن يدخلوكم نار ضلالة، ولن يخرجوكم من نور هدى.

وفــاتـه
عده ابن حجر في الطبقة الثالثة (وهم الذين توفوا بعد المئة الأولى)، ورجح الشيخ أغا بزرك في الذريعة والسيد محمد رضا الجلالي (تدوين السنة النبوية ص100) أن الأصبغ توفي سنة (100) هجرية أو بعدها بقليل، وقال عنه النجاشي أنه (عَمّر بعد أمير المؤمنين(عليه السلام))، ولا أستبعد أن تكون وفاته بين سنة 100 و109 هجرية لوجود قرائن عديدة من الرواة عنه حول بقائه في العقد الأول من القرن الثاني الهجري، ولا وجود لأثر عن قبره أو موضع دفنه والمرجح أنه توفي الكوفة ودفن في مقابرها.
هذا غيض من فيض من حياة هذا المحدث الكبير، وما لم نذكره أكثر، ولعل الله تعالى يوفقني أو أحد أخواني الباحثين لكتابة مصنف خاص يشتمل على تفاصيل حياته ورواياته، فإن فيها من العبرة والفائدة التاريخية والعقدية الشيء الكثير، والحمد لله رب العالمين .

نشرت في العدد المزدوج 35-36

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.