Take a fresh look at your lifestyle.

معيار التفاضل الاجتماعي في منظور القرآن الكريم

0 568

        عندما نستعرض تأريخ البشرية نجده حافلا بالمشاكل الاجتماعية التي تتنوع وفقا للمراحل والظروف التاريخية, ومن تلك المشاكل كانت مشكلة في غاية الأهمية ألا وهي معيار التفضيل الاجتماعي وما يترتب عليه من أثر سلبي في حياة المجتمعات, فقد تمثل هذا الأثر بعد أشكال وصور مأساوية عانت منها المجتمعات بسبب غياب النظم المتكاملة عن ساحة التطبيق, وبمجرد اختلاف أي معيار يحدد طبيعة أية علاقة في المجتمع يؤدي إلى خلق مشكلة اجتماعية.

ونحن بصدد تحديد المعيار الذي يلائم الطبيعة الإنسانية في تفاضل أفراد المجتمع, من خلال الوقوف على مشروعية التفاضل الاجتماعي, والأسس التي يرتكز عليها, مرورا بالأساس الواقعي للعلاقة الاجتماعية الذي تقوم عليه جميع العلاقات بحيث يكون أساسا متينا لا ينخره قطار الزمن أو يبعده ظرف المكان.

ولابد أن ننطلق من القرآن الكريم لكونه المصدر الأول لصياغة النظام الاجتماعي من خلال ما يعرضه لنا من خطوط  تمثل الأساس في بناء الهيكل الاجتماعي.

الأساس الواقعي للعلاقات الاجتماعية

كل علاقة اجتماعية لابد أن تقوم على أساس, أي ما يمثل البنية التي تتكون منها العلاقات الاجتماعية, و تختلف أسس العلاقات الاجتماعية بحسب طبيعة النظام الذي يحكم تلك العلاقات, إذ هناك عدة أسس يمكن اعتبارها في صياغة الأساس الذي تبنى عليه العلاقة الاجتماعية, فهناك الأساس القبلي الذي يقوم على انتماء الفرد إلى قبيلة معينة, وفي هذا الأساس كثيرا ما يرفض الآخر بمجرد عدم انتماءه, وبالتالي يفرز لونا من العنصرية القبلية, وهناك الأساس القومي وهو أيضا منشأ للحواجز التي تقف أمام بناء العلاقة الاجتماعية, وكثيرة تلك الأسس التي تعاني مشكلة الانغلاق حول دائرة اجتماعية ضيقة, مثل الأساس العرقي والوطني..

والإنسان – بما هو إنسان ذو نزعة فطرية – يطمح نحو أساس أكثر شمولية ليكون حاكما على العلاقة الاجتماعية, ووحدة النوع الإنساني تمثل أساسا شاملا للعلاقات الاجتماعية, فتكون العلاقة بين أفراد المجتمع قائمة على أساس  إنسانية كل فرد وما تحمله من قيمة تفرض احترام الآخرين للفرد.

والقرآن الكريم يجسد هذا الأساس في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء/70.

وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام/98.

فبعد أن يقرر مبدأ تكريم الإنسان في الآية الأولى, ووحدة أصل الإنسان في الآية الثانية, يكون من الواضح أن إنسانية الإنسان تمثل رابطا أساسيا للعلاقات الاجتماعية.

وهناك أساس آخر يمثل دائرة أضيق من أساس (الإنسانية), وهو الأساس الإيماني المستفاد من قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات/ 10.

أي أن العلاقة الاجتماعية يمكن أن تكون مبنية على أساس الإيمان بالله تعالى, باعتبار أن الآية حصرت الأخوة بالإيمان.

ومن خلال تحليل لغوي آخر للآية يمكن أن يستفاد منها حصر الرابطة التي تربط المؤمنين بالأخوة, فيكون المستفاد من خطاب الآية هو:(إنما الرابطة التي تربطكم أيها المؤمنون هي الأخوة لا غير), وبالتالي يمكن أن تبتني رابطة الأخوة على أساس إنسانية الفرد أيضا..

وعلى كل حال ومع وجود أساس إيماني للعلاقة الاجتماعية فإنه لا يلغي الأساس الإنساني بل يقره ويأمر به.

مشروعية التفاضل الاجتماعي

تنبثق مشروعية التفاضل الاجتماعية من قيمة العدل, والعقل الإنساني دائما يبحث عن صياغة عادلة لكل قيمة اجتماعية, إلا أن الخلط قد يقع في مفاهيم لا يتم الفرز بينها منطقيا, ولا تتم أيضا معرفة العلاقة التي تحكم تلك المفاهيم بالرغم من تداولها بشكل واسع, فعندما يطرق مفهوم العدل والمساواة فإن البعض يكاد يمازج بينهما, وربما لا يعرف العلاقة بينهما إذا ما فرق بينهما.

وهذا الخلط أدى إلى زعزعة المفهوم الناصع للتفاضل, فهناك من ينادي بالعدل والمساواة دون أن يجعل فاصلة بين آثار كل منهما, وتارة نسمع دعوة إلى المساواة بعيدة عن حاكمية العدل على المساواة, إذ إن المساواة نفسها لابد أن تخضع لمبدأ العدل, وإلا ناقضته, وعلى هذا فإن المساواة ليست مبدأ مستقل بحيث يتجرد عن القيم التي تحكمه.

لذلك نجد القرآن الكريم قد أقر ذلك التفاوت الطبيعي بين أبناء البشر الذي يؤدي وبشكل تلقائي إلى التفاضل, لأن التفاضل قائم على تفاوت في صفة ما, وهذا المعنى لا يؤدي إلى خدش في كرامة الإنسان مادام التفاضل لا يقوم على أساس تفاوت في درجة الإنسانية.

ويتضح إقرار القرآن الكريم  للتفاوت والتفاضل بين أبناء البشر من خلال قوله تعالى: (..وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) الزخرف/ 32.

أما تعبير (سخريا) في الآية فإنه لا يشير إلى معنى السخرية, بل يفيد معنى السخرة, وهي ظاهرة إنسانية تنبع عن حاجة بشرية, لذلك كان تفضيل البعض على البعض الآخر يسير في خط تلك الحاجة.

المعيار الأمثل للتفاضل

ولنا أن نسأل أنه من بين تلك المعايير المتعددة التي يفرضها التفاوت الطبيعي بين البشر.. ما هو المعيار الحق والأمثل؟

ومعروف أن التقوى هي معيار التفاضل الحق والأمثل بين المجتمع, من خلال قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ 13.

ونلاحظ أن قوله تعالى كان: (أكرمكم عند الله) ولم يكن (أكرمكم عندكم), فيمكن ـ والله العالم ـ أن تكون التقوى معيار غير محرز من قبل أفراد المجتمع, إذ ليس باستطاعة أي فرد أن يعرف فلان تقي أم لا بحسب الواقع, وإذا كان المطلوب هو الظاهر فإن المعيار سوف ينهار أمام الكثير من المزيفين, وربما يكون التعبير (عند الله) يعنى أن الله يفاضلكم حسب معيار التقوى, لأنه وحده عالم به, إلا أنه لا يمكن التخلي عن تقييم الفرد من خلال سلوكه العبادي, ومع وجود معيار آخر غير التقوى فلا يمكن أن نعتمده من دون اعتبار التقوى عند الفرد, ويطرح القرآن الكريم المعيار الآخر  وهو العلم, من خلال قوله تعالى: (..يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) المجادلة/ 11.

وقوله تعالى: (..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر/ 9.

وهناك أحاديث كثيرة رويت عن المعصومين(عليهم السلام) تشيد بفضل العلم حتى فضلت العالم على العابد, فقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله): (إن فضل العالم على العابد كفضل الشمس على الكواكب، وفضل العابد على غير العابد كفضل القمر على الكواكب). شرح ميزان الحكمة/ الريشهري ج7 ص61.

ونحن لسنا بصدد تقديم أحد المعيارين على الآخر, لأنه موكول إلى الله تعالى, لكن علينا أن نستفيد من المعيار الذي ينسجم مع الواقع الذي تعيشه الإنسانية, التي تعيش علاقاتها الاجتماعية في ضوء ما يمليه ظاهر الإنسان, وبما أن صفة العلم أظهر من صفة التقوى كان لابد من اعتبارها معيارا آخرا مع التقوى معتدا به من بين الكثير من المعايير المقننة إلهيا أو بشريا.

ومن ناحية أخرى لنا أن نسأل عن كيفية إحراز صفة العلم عند الفرد, فهل تقتصر على وجوده بين صفوف طلبة العلم مثلا؟ أم بمقدار ما يحمله من وعي وثقافة إسلامية رصينة تصقل شخصيته بين المجتمع على أساس القيم الإسلامية الصحيحة..

وهكذا نعرف أن القرآن الكريم يضعنا أمام خطوط عامة تمثل صياغة اجتماعية لأسس التفاضل الاجتماعي بين الأفراد من خلال فلسفته لأسس العلاقات الاجتماعية .

نشرت في العدد 33

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.