Take a fresh look at your lifestyle.

الخلاصة في لغة القرآن الكريم

0 356

           كانت الحياة في الجزيرة وأطرافها تدور وتتحرك عبر القرون دورات متوازية حول مركزها مكة من جهة وحول مراكز ممالكها من جهة أخرى، وتتداخل فيما بينها في بواديها غزوات وحروباً تتآكل فيها المجتمعات القبلية، تتسع في جوانب وتختفي في أخرى، فالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وزبدتها اللغوية كانت بين الثبات والتحول لكنها تتحول دائماً بين الأجيال، فمن مكة تخرج القوافل نحو الشمال مارة بالكتل القبلية في طريقها تتعامل معها مستأمنة إياها بكل وسيلة، لأن حياة الصحراء كان قوامها الغزو، وهذا يقتضي القوة فلا حياة ولا شأن للضعيف، فكلما اتسعت القبيلة وكثر عددها ازدادت قوة وازدادت نفوذاً على ما حولها ونصبت زعماء يقودونها، وكل ذلك يزيد من توحيد الخطاب في الأخذ والعطاء.

ومرت حروب واسعة دام بعضها أربعين سنة كما تحدث الرواة والإخباريون كحرب البسوس بين تغلب وبكر وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وهذه الأسماء كل واحد منها مجموعة قبائل تتحالف فيما بينها وتتفاهم وهي جميعاً تتحدث بلسان عربي تتداخل فيه الظواهر اللهجية وإن كانت كل قبيلة تحتفظ بإرث تسلمته من أجيالها الماضية، وهذا الإرث لا يصمد عبر الزمن، وتتابع الأجيال وتغير الأحوال خصوصاً إذا كانت القبيلة وسط حركة دائبة وصلات بغيرها مستمرة. هذه الحال للكتل القبلية التي في الصحراء لا يمسكها ولا يجمعها نظام سوى نظامها القبلي.

أما الممالك التي تأسست في مواطن من الجزيرة وعلى أطرافها كمملكة كندة الواسعة النفوذ الممتدة من اليمن حتى نجد والحجاز إلى مملكة اللخميين في الحيرة(1)، ومملكة الحيرة في شرق الجزيرة على حدود فارس ومالها من السيطرة والقوة، ومملكة الغساسنة في الطرف الشمالي على حدود البيزنطيين. فهذه الممالك بسطت نفوذها وصلاتها الواسعة بين العرب، وما كان لسانها إلا العربي الذي تفاهمت به الأجيال، ولا ننكر ما كان من ظواهر لهجية محلية خاصة. وكان بهذه الممالك نشاط غير السياسة والاقتصاد وهو نشاط في المجال اللغوي باجتذاب الشعراء وتشجيع الخطباء إذ كان الشعر هو حكمة العرب ووسيلتهم الإعلامية لنشر فضائل القبيلة ومدح حكام المملكة وذيوع صفاتهم وكرمهم. وكان الشعراء يتنقلون بين هذه الممالك والأوطان ينشدون شعرهم ويذيعون بين الأقوام، ويتناقل الناس ما يرونه صالحاً بديعاً. وفي الجاهلية انتخبت قصائد عرفت بأنها ذات قيمة فنية عالية سميت بالمعلقات أو الأعلاق أو المذهبات….

وهذه الممالك والقبائل كان لها تقاليد في الاجتماع والعيش، فكان لها منتديات ومقامات تجتمع فيها وكان لها مواسم وأسواق تلتقي فيها، وكانت لها مناسبات دينية وحج تقصد محجته وتقضي مراسيمه وقد يطول بها المقام في اللقاء والتفاهم ولم يكن لسانها إلا العربي الذي اعتادت عليه عبر أجيالها وحياتها، وإذا عرفنا أن الممالك الثلاثة المذكورة كان قوامها وأعمدتها من جرات اليمن، كلهم يمنيون، وأصلهم سواء كندة في الحجاز وتهامة واللخميون في الحيرة والغساسنة في الشام إضافة إلى من سكن أماكن أخرى ممن هاجر من اليمن مثل خزاعة التي استوطنت مكة والأوس والخزرج الذين استوطنوا المدينة كل هؤلاء لم يكن لسانهم يختلف عمن باشروا لقاءهم وتعاملوا معهم في ممالكهم بدليل ما روي من الشعر والأمثال والحكم والخطب التي رويت في عهدهم وتناقلها الناس وفهموها.

كل ذلك يبقى مرتبطاً بمركز مهم في الاتصال والحياة هو مكة موطن قريش وما كان فيها من نشاط اقتصادي وسياسي وديني ولغوي أيضاً فيما سبق من حديث رحلاتها التجارية وقيامها على البيت الحرام الذي كان العرب يقصدونه كل عام وله تقاليده ونظامه ومحللاته ومحرماته. وقريش لم تكن تميل في حياتها إلى الغزو والحروب وإنما اتجهت للتجارة وحسن المعاملة مع من يؤمها من العرب أو من تمر به في تجارتها منهم وصلاتها مع المماليك الأجنبية أيضاً بأخذها الإيلاف (الجعل)، لتمر قوافلها بسلام وأمان عبر الطرق الصحراوية المخيفة التي كان يكثر فيها السلب، فذلك عظيم التأثير والقلق لديها.وآخر ما رأينا القافلة الضخمة التي قادها أبو سفيان وسماعه بتحفز المسلمين عليها لكسر شوكة قريش وهياج قريش عند سماعها الخطر على قافلتهم وحدوث معركة بدر الكبرى.

وقد ظلت قريش ومن يتعاون معها من العرب بتجهيز القوافل أزماناً إلا ما كان من الحوادث التي جعلتها في موقف حرج انتصرت أخيراً كحملة أبرهة الحبشي لتخريب مكة والبيت وتحويل القداسة إلى صنعاء التي بنيت فيها كنيسة (القليس)، وارتباك قريش في الدفاع عن البيت الحرام وفشل محاولتهم السلمية لذلك لإقناع أبرهة حتى حصل بجيشه ما دمره وحطمه بقدرة الله وذكرت سورة (الفيل) في القرآن الكريم ذلك وكانت ولادة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السنة 570م أو 571م(2).
حتى إذا وصلنا إلى عهد قريب من الإسلام وجدنا لغة عربية يتفاهم بها العرب ويخطبون بها وينظمون شعرهم وأمثالهم، وتتداولها العرب في الجزيرة وأطرافها وممالكها. بها يتغنى الشعراء وبها تكتب العهود والمواثيق وبها تدور الوفود والأحلاف. هذه اللغة تتكلم بها قريش وتميم وغيرها من قبائل الحجاز ونجد وتهامة والعراق والشام واليمن ولكن لا ننكر ما ورثته بعض المواطن من ظواهر لهجية قد تصل حد الغموض كما لغة حمير في اليمن.

أما الظواهر الأخرى في عربية قبائل الحجاز ونجد وتهامة وغيرها فهي ظواهر لا تمس جوهر اللغة إنما هي فروق في نطق حرف بين أهل الحاضرة وأهل البادية كتخفيف الهمز لدى أهل الحجاز وتحقيقها لدى تميم أو نطق حروف أخرى كالجيم والقاف أو إبدال حروف مكان أخرى أو ما يوافق اختلاف البيئات الاجتماعية أو المكانية بين العرب. فمن سكن المدينة لديه كلمات قد لا تكون لدى ساكن البادية بسبب اختلاف البيئة.

نعم احتفظت قريش بنطق الحروف وقيس عليها نطق الآخرين لذلك وصفت قريش بالفصاحة بعد نزول القرآن الكريم بالعربية التي نطق بها الرسول ولكن حتى لغة قريش لم تسلم من بعض الظواهر اللهجية فقد روي أن في لغتها غمغمة وهي صفة ضعيفة في اللغة وروي في مكة من نطق حرف الجيم ياء في قراءة (الشجرة).

فاللغة الأدبية التي شاعت قبل الإسلام ونزل بها القرآن الكريم هي التي صارت مقصد الدارسين وتغلبت هذه اللغة على الظواهر اللهجية الأخرى الخاصة، وأصبحت لغة القرآن هي القياسية وهي التي وضعت لها القواعد والدراسات بعد أن استقر الإسلام والنظام الاجتماعي، وقد احتفظت القراءات القرآنية المختلفة بجملة من الظواهر اللهجية لمختلف القبائل العربية إلى جانب القراءات الصحيحة، وبذلك ورد الحديث الشريف: (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية ظهر وبطن)(3).
وروي أيضاً: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما يتيسر منه)(4)،

وروي بصورة أخرى أيضاً: إن أقرب الأقوال إلى المنطق هو القول: إن القرآن نزل بلسان عربي، يخرج بهذا الرأي من اعتمد النص القرآني وأهمل الخلاف (أنزل القرآن على سبعة أحرف) وهو حديث روي بطرق تحتاج إلى نقد وفيها ضعف، فقد أشار القرآن الكريم إلى لغة القرآن في أحد عشر موضعاً كلها يشير إلى أنه نزل بلسان عربي. قال تعالى:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)(5).
(… وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)(6).
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(7).
(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً…)(8).
وانظر سورة طه/113، سورة الزمر/28، سورة فصلت/3، سورة الشورى/7، سورة الزخرف/3، سورة الأحقاف/12، سورة إبراهيم/ 4 .

نشرت في العدد 32


(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، 3/148ـ249، وما بعدها، ملوك كندة، جونار أولند، ترجمة الدكتور عبد الجبار المطلبي، ص11 وما بعدها.
(2) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 3/399ـ402.
(3) المجازات النبوية، للشريف الرضي، ص51.
(4) النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، 1/19.
(5) سورة الشعراء/193ـ195.
(6) سورة النحل/103.
(7) سورة يوسف/2.
(8) سورة الرعد/37.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.