Take a fresh look at your lifestyle.

ظاهرة التكرار في نهج البلاغة « المثل أنموذجاً »

0 436

               لا يكون الكلام (مثلاً) حتى يتصف بسمات ويتطرز بأهلة تكسبه بهاء السطوح مع جلالة الهيبة التي ترافقه أينما حل وارتحل في ظله الذي لا يتغير، إذ الأمثال أقوال اكتسبت الشهرة وحظيت بالقبول ورفضت التغير أو التبدل، تضرب حيث تكون الحالة مشابهة للمصدر، فيستعان بها على توضيح الغامض من القول وتأكيد المعنى المفتقر إلى الحجة والدليل إذ تكون هذه الأقوال التي غدت أمثالاً يتداولها الناس صورة لحادثة تاريخية أو موقف أو رأي سديد اكتسب الذيوع ومنحه التداول الخلود والبقاء في ذاكرة الناس وفي العقل الجمعي للمجتمع.

ولعل أقوال الإمام علي(عليه السلام) التي صدرت من نبع صافي عذب حيث بيت الرسالة وحيث العلم والإيمان والحكمة والقول الفصل والبلاغة الساطعة والنشأة مع القرآن في بيت النبوة ـ وما أجله من بيت ـ فكانت لهذه الأسباب كلها وما يمتلكه الإمام علي(عليه السلام) من نبوغ وموهبة فذة جعلت أقوالاً له سديدة تنتشر كانتشار النار في الهشيم فصارت تحمل قوة المثل الذي عبر به عن ظروف الحياة وتقلب الأحوال وتبدل الوجوه وتغير الناس فأعطى لكل مقام قولاً دالاً عليه، جميلاً في صياغته، ثراً في معناه، تداولته الناس وحفظه التاريخ فكانت هذه الأمثال غاية في الصدق تمتلك من الصفات الفنية أكثرها دقة في الصياغة التي وفرت اتساعاً في المعنى وزادت في الجمال روعة مما يخلب اللب ويستهوي الأنفس التي تعشق البيان الواضح والبلاغة القوية، هذه التراكيب اللغوية ذات البناء المحكم والصورة الجميلة الموحية والإيقاع الجاذب والموسيقى الرائعة وما كانت هذه لتحدث إلا بعد أن ضمن تراكيبه اللغوية أسلوباً نراه ظاهرة بارزة إلا أنها ظاهرة التكرار إذ نراه في هذه الأمثال أنواعاً مختلفة من التكرار فهو على ثلاثة أنواع:
ـ تكرار الحروف.
ـ تكرار المقاطع.
ـ تكرار الكلمات.
وقد تطرق البحث إلى ماهية التكرار، فعرفه وتناول دلالاته الإيقاعية تارك دلالات ظاهرة التكرار الأخرى إلى وقت آت إن شاء الله تعالى.

التكــرار
التكرار في التعبير الأدبي هو (تناوب الألفاظ وإعادتها في سياق التعبير، بحيث تشكل نغماً موسيقياً يتقصدهُ الناظم في شعرهِ أو نثرهِ)(1).
والتكرار أسلوب أدبي من أساليب فن القول عند العرب، استعملوه في شعرهم ونثرهم وليس أدل من القرآن الكريم على وجود هذا الأسلوب عندهم (لأن القرآن نزل بلغتهم، وخاطبهم بما يألفون من أساليب القول، وبكلامٍ يدركون موقعهِ ومراميه)(2) وفيه دلالة على قيمة أدائهِ في التعبير البياني، إذ وفر للقول دلالات معنوية وأخرى موسيقية، يحتاجها العربي في التعبير عن ما في نفسهِ من حاجةٍ أو رغبة أو لذة.

فالتكرار وقعٌ جميلٌ إذا ما أحسن استعماله على أذن المتلقي، وهذا ما كان يعرفهُ العربي إذ (أن من سنن العرب التكرار والإعادة أرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر)(3) وهذه العناية كانت تخضع لرقابةٍ شديدةٍ من ذوق عربي متمرس، في هذا الفن وغيرهِ، إذ كان باستطاعة العربي أن يميز بين الغث والسمين من التكرار فاستقبح التكرار الذي تأتي فيه الحروف متقاربة من حيث المخرج لأن فيها صعوبة في النطق واستعذب التكرار الذي تأتي فيه الحروف متباعدة ولا معضلة في نطقها(4)

والى ذلك أشار ابن سنان الخفاجي (ت466هـ) حين رأى ولع الشعراء والكتاب في زمانهِ بتكرار الألفاظ، فقال (حتى لا يكادُ كلام الواحد منهم يغفل عن كلمةٍ واحدةٍ، فلا يعيدها في نظمهِ أو نثرهِ ومتى اعتبرت كلامهم وجدتهُ على هذه الصفة)(5) وهذا ما يؤكد أن التكرار لا يعدُ عيباً إذا كان المعنى المقصود لا يتم إلا به (فربما كانت الألفاظ المختارة يسهلُ الأمر في إعادتها وتكرارها إذا لم تقع إلا موقعها)(6)، وهذا شرط يراهُ ضرورياً كي يضمن للمعنى سلامتهِ.

والتكرار لا يوفر للنص قيمةٍ معنوية فقط، بل أنه يوفر قيمة موسيقية يحتاجها منشيء النص لجذب مسامع المتلقي والتأثير فيه (لأن تكرار اللفظ يفيد قرع الأسماعِ وإثارة الأذهان)(7)، كما أنه يمثل قيمة نغمية يحدثها هذا الترجيح للألفاظ وضمن وحدات زمنية قد تطول أو تقصر، وإلى هذا أشار السكاكي (ت626هـ) إذ عدّ قيمة التكرار تكمن في ترجيع النغم وجعلهِ فناً من فنون الكلام(8) إذ باستطاعته أن يوفر مظهراً موسيقياً للنص الأدبي عندما (يردد الكلمة أو المقطع على شكل اللازمة الموسيقية أو النغم الأساس الذي يعاد ليخلق جواً نغمياً ممتعاً)(9)،

يأخذ باهتمام المتلقي ويثير في نفسهِ إحساسات المتعة والاستجابة والتكرار الذي يوفر هذه الدلالات لا يأتي إلا بإخضاع القول إلى قوانين تتحكم في إحداث هذا الإيقاع أو النغم الموسيقي، لأن الإيقاع يعتمدُ على قوانين، وجب توفرها ومن هذه القوانين (النظام والتساوي والتوازي والتوازن والتلازم والتكرار وهو أهم هذه
القوانين)(10) وهذا القانون الذي وفر نغماً موسيقياً للنص نجدهُ متحققاً في أمثال نهج البلاغة وعلى أشكال هي:

تكرار الحروف
إن من مظاهر التكرار في أمثال نهج البلاغة، هي ظاهرة تكرار الحرف الواحد في نص المثل ولعدة مرات، وبصورةٍ لافتةٍ للناظر ومسترعية للسامع ِ، وهذا التكرار لا يتم إلا لمسوغات أوجبتهُ كحاجة النص إلى النغم الجميل أو حاجة المعنى إلى التأكيد وهذا التكرار جاء بأنغام سلسة لا أثقال فيها لأذن سامع، ولا إجهاد فيها للناطق ومن ذلك قولهُ(عليه السلام): (اختلف النجر وتشتت الأمر)(11) ففي هذا المثل نلحظ تكراراً لحرف (التاء) فقد ورد في هذا النص (أربع مرات) وهو صوت شديد، والشديد عند ابن جني (ت 392هـ) هو (الحرف الذي يمنع الصوت [الهواء] من أن يجري فيه)(12)

فتكرار صوت شديد وبهذا العدد في مثل واحد يوحي بدلالة معنوية هي شدة الاختلاف، وتمكنهِ بين الناس في ذلك الزمان كما يورث في مسامع المتلقي قرعاً قوياً ومكثفاً، يولدُ أنغاماً موسيقية ذات طابع شديد الوقع على مسمع المتلقي، وهذه الإيقاعات المتكررة بما تحملُ من صفات أصواتها التي ولدتها، توقظ من تغافل عن فهم الأمر والنظر إلى الحالة التي أشار إليها النص، إذ الناس متفرقين لا يجمعهم جامع ولا يوحدهم قائد، فجاء المثل ليصور حالتهم مستخدماً معطيات الصوت وصفاتهِ في الإيحاء بالدلالة في إثارة انتباه من أنكر فضل الإسلام على الأمة أو حاول ذلك.

كما إننا نجدهُ(عليه السلام) يكرر حرفاً آخر في مثل واحد كما في قوله (ولتسلطن سوط القدر)(13) فقد ذكر حرف (السين) مرتين على مسافة زمنية قصيرة، وهذا الحرف من الأصوات المهموسة المتوسطة(14) في الوضوح السمعي، وهذه الصفة ربما أوحت بشيء أو بظل من ظلال المعنى كما أنها أحدثت نغماً موسيقياً انبثق من خلال هذا التكرار لهذا الصوت وعلى مسافة زمنية قصيرة في نصٍ موجزٍ، فأحدث في ذلك وقعاً في مسامع المتلقي، أثار انتباهاً لديه والى هذا يسعى النص وبه يحقق مقصدهِ.

وفي مثل آخر للإمام علي(عليه السلام) يتكرر حرف الميم (أربع مرات) حيث يقول: (ما أنقضَ النوم لعزائم اليوم)(15)، وصوت الميم هو صوت مجهور متوسط الشدة فهو واضحٌ في السمع ما أعطى للمثل إيقاعاً جميلاً حين اقترن صوت الميم بما جاورهُ من أصوات المد (صوت الألف) في لفظة (ما) التي ابتدأ بها قوله كما أنهُ(عليه السلام) قد ختم قولهُ بصوت الميم أيضاً ليحدث ترجيعاً جميلاً يولد بما تكاثف معهُ من أصوات الميم المكررة داخل النص إيقاعاً موسيقياً جميلاً.

وهذا التميز النغمي والإيقاع الجميل المتولد من إعادة الأحرف، نلحظهُ في نصوص أمثال نهج البلاغة، إذ نجد أن كل مثل قد تميز بصوت معين أحدثهُ التكرار لأكثر من مرة، ومن ذلك ما نجدهُ في تكرارهِ لحرف (القاف) في قولهِ(عليه السلام) واصفاً معاوية وراداً على تزويفهِ وإدعاءاتهِ بأنه قد وصل إلى مرحلة من الغي (تقصر دونها الأنوق ويحاذي بها العيوق)(16)، ففي هذا المثل تكرر صوت (القاف) وهو صوت عدهُ ابن جني (ت392هـ) من الأصوات التي قال عنها بأنها (مشربة تخفز في الوقف وتضغط عن مواضعها وهي [حروف القلقلة] لأنك لا تستطيع أن تقف عليها إلا بصوت، وذلك لشدة الحفزّ والضغط)(17)، وهذه الصفة تدلُ على (المبالغة في الصوت لئلا يعتريه بعض الهمس)(18)

ولعل هذه الصفة قد عمقت الدلالة التي قصدها المثل من جهة، وأحدثت إيقاعاً قوياً كان متلائماً مع السياق الذي ورد فيه هذا النص، لأنه قد سبق بألفاظ تكرر فيها صوت القاف، إذ سبق هذا المثل قوله(عليه السلام): (وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام) فصوت القاف كان صوتاً غالباً في النص، واضحاً فيه، وهذا ما سوّغ تكرار صوت (القاف) في نص المثل، كما أن لصفة الجهر، وهذه القلقلة التي تميز هذا الصوت أثرٌ في الاختيار، إذ أن الموقف يتطلب الجهر والشدة، لأنه ردٌ على باطل، وإدحاض الادعاء، فلا بد من صوت عالٍ يجلجل، كي يزلزل أسماع المدعين والساردين بغيهم، كما نجد تكرار الحروف في قوله(عليه السلام) لمن مدحهُ وهو متهم له، فقال موبخاً له (أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك)(19)،

ففي هذا القول تكرار حرف (الواو) أربع مرات، وهو حرف صائت، أي إنه حرف مد طويل، والذي من صفاتهِ الوضوح التام في السمع، لأنه ينطلق مع الهواء دون عائق أي إنه (صوتاً هوائياً)(20) كما سماهُ الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170هـ).
وهذه الصفة التي يمتلكها هذا الصوت استثمرها النصُ استثماراً رائعاً لأنه كرر صوت (الواو) فأعطى نغماً واضحاً أنتجهُ الإيقاع المتولد من إعادة الصوت على مسمع المتلقي، كما أنه قد كرر صوتاً آخر في هذا المثل وهو صوت (الفاء) الذي يمتاز بكونهِ (صوتاً مجهوراً احتكاكياً)(21)،

إذ ورد هذا الصوت (ثلاث مرات) في نص المثل وعلى مسافات زمنية متقاربة وهذا التكرار لصوت الفاء الذي يحدث حفيفاً عند النطق به قد امتزج مع صوت (الواو) فأحدث نغماً موسيقياً جلياً مضافاً إلى النغم الذي يولدهُ حفيف صوت الفاء، وهذا يكسب النص كثافة موسيقية، تعزز الإيقاع، وتوفر لنص المثل مساحة نغمية أوسع، تترك تأثيراً على المتلقي لأنها تقرع سمعهِ بأصوات مكررة، وعلى مسافات متقاربة، تساعدُ في إثراء الجو الموسيقي للألفاظ وتعملُ على جذب انتباه السامع وتحريك إدراكهِ، وهذا مقصد من مقاصد المثل، وهدف يسعى إليه منشئ النص، إذ أن من أولى مهام المثل هو تقريب الفهم، وإيصال الفكرة بأسهل الطرق، وإحداث الرغبة في سماع القول لامتلاكه أنغاماً تستحوذ على نفس السامع فتشدهُ إلى القول، فتحدث صلةً ودية بينه وبين النص، وتفاعلاً يؤدي إلى إدراك المعنى وفهم القصد.

إن تكرار الأصوات نلمسهُ بوضوحٍ في كثير من أمثال نهج البلاغة، مما ميز أمثالاً بأصوات خاصة بها، وتلك إيقاعات تورث في المتلقي حب الاستماع. وفي نهج البلاغة كثيرٌ من هذه الأمثال(22).

تكرار المقاطع
في أمثال نهج البلاغة نجد تكراراً لمقاطع صوتية، وهذا التكرار قادر على إحداث أنغام موسيقية جميلة، قصد منشؤها منها جذب انتباه السامع، لكي يحقق لنصهِ ما يريد من تأثير قد يتخذ شكل استجابة لفكرةٍ أو تنبيهاً لأمرٍ، أو توبيخاً لجاهل معاند أو تقويماً لمخطئ، فتكرار المقطع الصوتي في داخل اللفظة أو النص أكثر تأثيراً في السمع من تكرار الحروف، لأنه يعيد على أذن السامع مقطع تشكل، واستوعبتهُ مسامعه، وأدركت إيقاعاتهِ فإذا به يُعاد مرة أخرى وبدون فاصلة أو تغيير في مواقع الأصوات، وهذا يُحدث تأكيداً للنغم وقرعاً للسمعِ متناسق متساوٍ في زمنهِ وفي صفات أصواتهِ فمن ذلك ما ورد في قوله(عليه السلام) واصفاً حديثاً له بأنه (شقشقةٌ هدرت ثم قرت)(23)

وهذا المثل قد تطرق له البحث في الفصول السابقة وحللهُ وأبان معانيه ودلالاته إلا إننا في هذه الفقرة من البحث نركز على الإيقاع الذي تولد من تكرار المقطع الصوتي (شق) في لفظة (شقشقة) فهذا المقطع هو مقطع صوتي تكون من صوت الشين وهو صوت صامت (صحيح) والفتحة هي حرف مد قصير وحرف القاف وهو صوت من أصوات القلقلة، صوت مجهور شديد(24) وهذا المقطع الصوتي المتكون من هذه الأصوات الثلاثة، هو مقطع صوتي مغلق(25)،

أعيد مرة أخرى بدون أي فاصل، مما أحدث إيقاعاً بارزاً في النص ولّدهُ هذا التكثيف للأصوات في الوحدة الزمنية القصيرة وهذا التناسب الدقيق والنظام الذي جاء به، فتحقق للإيقاع قانونين من قوانينه هما النظام والتكرار(26)، مما أكسبه عمقاً أكثر وتمكناً واضحاً في أذن المتلقي، أكسب النص القدرة على إثارة انتباه السامع وشد أحاسيسه إلى هذا القول الجميل.

كما نجد هذا التكرار في قوله(عليه السلام) واصفاً مسجد البصرة، مبلغاً عن حالة تحصل له في الزمن القادم على زمن إنشاء النص فهو (كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة)(27)، فقد تكرر المقطع الصوتي (جؤ) مرة أخرى في نفس الكلمة ومن دون أي فاصل، وهو مقطع صوتي مغلق، جاء مكرراً في الكلمة مما أكسبها إيقاعاً واضحاً يستعذب أسماع المتلقين، ويعطي للنص صفة مميزة وهي متولدة من هذه الأصوات المكررة وبانتظام في وحدة زمنية قصيرة، فكأنما يردد نغماً جلياً، إذ يعد ذلك بمثابة اللازمة الموسيقية في النص، تترك أثراً نفسياً لدى المتلقي، وتشدُ سمعه وانتباهه إليها.
وقد تتظافر في النص روافد عديدة للإيقاع كالجناس الذي يعد أشهر أنواع التكرار على اختلاف أنواعهِ وتعددها، فالتكرار في الكلمة أو تكرار المقطع في كلمة داخل النص، مما يزيد في كثافة الإيقاع ويقوي جرس الألفاظ ويساعدُ على إثارة المتلقي، ومن هذا التلازم بين روافد الإيقاع وتشابكها وانتظامها ما نجدهُ في قوله(عليه السلام) واصفاً حال قومه محذراً إياهم من فتن الزمان وصروفه (لتبلبلنَّ بلبلةً ولتغربلنَّ غربلة)(28)

ففي نص هذا المثل تكاثفت الأصوات وامتزجت، وفرها الجناس وزادها جمالاً هذا التكرار للمقطع المغلق (بل) في لفظة (بلبلة) فأحدث كل هذا التعاضد ما بين الأصوات وتواردها في صورة منتظمة متسقة إيقاعاً مميزاً، يمتلك القدرة على جذب انتباه المتلقي، لما امتلكهُ من إيقاعات متوالية منتظمة، فهي تتشكل في وحدة زمنية فتؤلف من مجموع هذه الروافد التي صقلها النظام الذي جاءت به والذي مزج بين أصواتها المتجانسة نغمةً موسيقية وإيقاعاً متميزاً عضدهُ قصر الفقرات المسجوعة مما يدلُ على (قوة التمكن وإحكام
الصنعة)(29) التي ميزت هذه الصيغة الدقيقة التي استطاعت أن تستثمر مجموع هذه الأصوات لتحدث نغماً موسيقياً متكرراً أسهم في الإيحاءِ بالمعنى، لأن البلبلة هي تحرك وارتجاع وعدم استقرار وهذا ربما ولدهُ هذا المزج بين الأصوات وهذا الترتيب الذي جاءت به وهي تتكرر تباعاً إذ تكرر حرف الباء (ست مرات) وتكرر حرف اللام (ثمان مرات) وتكرر حرف الهاء (مرتين)، كل هذا التكرار أنتج إيقاعاً صاخباً، فهو متميز وقادر على جذب انتباه المتلقي، وربما إسعادهُ بتحريك مكامن الإحساس للنغم الجميل والإيقاع الرشيق، وتلك فطرة الناس في حبهم للأنغام والموسيقى، وهذا الإيقاع الجميل نجدهُ في قوله(عليه السلام) الذي يصف فيه الخائفين المتخاذلين بأنهم ينفرون من الحرب (نفور المعزى من وعوعة الأسد)(30)

ففي هذا النص نلحظ ورود لفظة (وعوعة) وهي متكونة من تكرار المقطع الصوتي المغلق (وع) الذي يتكون من حرف المد الطويل (الواو) والفتحة وهي حرف مد قصير وحرف العين وهو من الحروف الصحيحة (الصامتة) وهو عند سيبويه (ت180هـ) مترجرج الصفة إذ يقول (وأما العين فبين الرخوة
والشديدة)(31) وهو عند المحدثين من الأصوات المتوسطة(32) وقد يكون لهذه الصفة أثرٌ في الدلالة على معناهُ.
وهذا التكرار لهذا المقطع الصوتي قد ولّد إيقاعاً خاصاً تميزت به اللفظة وأكسبت النص نغماً موسيقياً، أحدثهُ هذا التنظيم للأصوات في الزمن وهذا التكرار لها أكسبها إيقاعاً واضحاً. كما نجد هذا التكرار للمقطع الصوتي متحققاً في قوله(عليه السلام) واصفاً المتعلق بالدنيا قائلاً عنه (المتعلق بها كالوغل المدفع والمنوط المذبذب)(33)

فجاء بلفظة (المذبذب) وهي تشعرنا بتكرار مقطع صوتي متكون من حرف الذال والفتحة وهي حرف قصير والباء وهي حرف مجهور شديد(34) وهذا ما كوّن مقطعاً صوتياً مغلقاً أعيد وبدون أي فاصل مما ولد إيقاعاً واضحاً في المثل وأكسب النص نغماً موسيقياً متميزاً، واستطاع هذا الإيقاع أن يحدث انتباهاً لدى المتلقي الى نص المثل وبذلك يحقق غرضاً سعى له منشئ النص، وهو إيضاح الفكرة وإحداث الاستجابة، ولا تتم هذه إلا بالاستعمال الدقيق للألفاظ واستثمار صفات أصواتها وصياغتها صياغة دقيقة تجلب انتباه السامع وتحقق
إيصال الفكرة إليه.

تكرار الكلمات
في أمثال نهج البلاغة، قد ترد الكلمة مكررة، ولا يتم ذلك إلا لقصد معنوي يقتضيه سياق الموقف كتأكيد لدلالةٍ، أو إيضاح لإبهام، أو لقصد لا يتم إدراكهِ إلا من خلال هذا التكرار، كما أنه يوفر دلالة موسيقية هي حاجة ماسة وضرورة لنص المثل الذي يسعى دائماً إلى الانتشار والذيوع، لابد له من مظهر لفظي جميل، لا يأتي إلا بتوفر أجواء نغمية قادرة على إثارة انتباه المتلقي، وتوفير المتعة إلى نفسهِ، وهذا النغم قد يأتي من تكرار لفظة أو كلمةٍ، إذ أن إعادة كلمة في نص المثل، يعني إعادة للأصوات بالترتيب الذي أدركهُ سمع المتلقي، وهذا يمثلُ تكثيفاً للأصوات وتركيزاً عليها، يولد جمالية في الأداء إذ نلحظ أن الإمام

علي(عليه السلام) قد لجأ إلى (تكرار النغمة ذاتها بلا فاصل حسبما يريد المعنى من إصابة المقدار المطلوب من التأثير في أذن المخاطب ونفسه وعقله)(35) لما لها من وقع جميل، امتلكته من صفات الأصوات وجرسها الذي له تأثير يتفاوت بين القوي والضعيف، والجميل والمستكره، والعذب والثقيل على السمعِ، ومثل هذا النوع من التكرار نجدهُ في قولهِ(عليه السلام): (كيت وكيت)(36)

الذي يصفُ فيه من يُكثر الكلام ولا يأتي بعملٍ صالح، فهذا المثل جاء في سياق ذمٍ لهؤلاء، وهذا التكرار الذي جاء به المثل أفاد تأكيد المعنى، كما أفاد إحداث وقع موسيقي تحقق من تكرار الكلمة (كيت) مرة ثانية في النص بعد أن فصلها عن سابقتها بحرف يمتاز بالوضوح الصوتي وهو المد القصير(37) (الواو) الذي مكن النص من إظهار إيقاعٍ مكررٍ دون أن تكون هنالك فاصلة زمنية طويلة، وقد تثقل النص وتبادل ما بين الأصوات، فهذا التكرار السريع أحدث وقعاً متقارباً ومتجانساً في مسمع المتلقي، فأثار انتباهه.

كما نجد هذا النوع من التكرار في قوله(عليه السلام) واصفاً من تغيرت طباعه الإنسانية، ولم يبقَ له من الإنسانية إلا الشكل فقط، فإذا (الصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان)(38) فقد كرر كلمتي (الصورة) و(القلب) في النص ليحدث غايتين، غاية معنوية، تؤكد المعنى، وتزيدهُ إيضاحاً، وغاية موسيقية تحدثُ في النص إيقاعاً موسيقياً يجتذب إليه أسماع المتلقين، ويوفرُ للنص جمالية في الشكل للأداء، إذ أن تكرار الكلمة ومن دون فاصلة، هو طرق متوالٍ على مسمعٍ أثارهُ هذا الصوت، وشدهُ إليه هذا التكثيف للأصوات في الوحدة الزمنية القصيرة دون أن يخالطها صوت آخر، يولد نغمة مخالفة، تخفف التركيز، فذهب بالمتعةِ، والإثارة بعيداً.
فهذا التكرار للكلمة جاء من دون فاصلة، وقد يأتي تكرار الكلمة في نص المثل على مسافة أبعد، إذ قد يفصل بين الكلمة ومكررها، بحرفٍ أو كلمةٍ أو جملةٍ، فمن ما جاء على هذه الحالة
قوله(عليه السلام): (كل متوقعٍ آتٍ وكل آتٍ قريب دان)(39) ففي هذا المثل تكررت كلمتان هما (كل) و(آت)، كلمة (كل) جاءت في بداية الجملة الأولى وكُرِرت في بداية الجملة الثانية بعد أن عُطِفت بحرف العطف (الواو) وهذا التكرار يوفرُ للجملتين إيقاعاً موسيقياً متشابهاً، يقرع سمع المتلقي، فيترك فيه إحساساً لهذه النغمة الموسيقية المتولدة من أصواتٍ مكررة، كما أن هذا النص قد كرر كلمة (آت)، فجاء بها في آخر الفقرة الأولى، ثم أعادها بعد مقطع صوتي طويل تمثل في كلمة (وكل) فهذا التناوب بين الأصوات والعادة يولد إيقاعاً موسيقياً، يمنح النص تميزاً ويكسبهُ جمالية في الأداءِ.
وقد يأتي تكرار الكلمة تكراراً متوازناً لأنهُ استعمل الكلمة في بداية كل من جملتين متوازنتين وهذا ما نجدهُ في قولهِ(عليه السلام): (مثلُ من خبر الدنيا كمثل قومٍ سفر)(40)
فقد كرر كلمة (مثل) في بداية الجملة الثانية بعد أن فصل بين الكلمة ومكررها بجملة، وأن هذا التكرار يأتي كي يوفر للنص نغمة موسيقية ويؤكد الدلالة، فقد استطاع هذا التكرار أن يمنح النص إيقاعاً قرع أسماع المتلقين في بداية النص وأعادهُ في وسطهِ، ومن دون أن يخل هذا التكرار بجمالية التركيب، إذ أن التكرار يجب أن يأتي في العبارة في موضع لا يثقلها، ولا يميل بوزنها إلى جهة ما(41) وهذا التوازن متحقق في هذه العبارة وفي أمثال نهج البلاغة التي سبق أن أشرنا إليها، لأن التوازن هو أحد قوانين الإيقاع، كما التكرار قانوناً مهماً من قوانين الإيقاع(42).
وقد يأتي تكرار الكلمة في النص بعد فاصلة تكون شبه جملة كما في قوله(عليه السلام)
واصفاً الدهر بأنه: (يومان: يوم لك ويوم عليك)(43) فجاء بكلمة (يوم) مكررة في النص بعد أن فصلها بشبه الجملة (لك) وهذا الفصل القصير بين الكلمة ومكررها، يُحدث إيقاعاً أقل شدة من الإيقاع الذي يوفره التكرار المباشر ومن دون فواصل بين الكلمة ومكررها، وقد يكون لكل من هذه الأنواع من التكرار مسوغات أوجبتها وسياق قد فرض شكلاً يلائم ما ورد من تراكيب لغوية سبقتهُ وآثر أن يوافقها، وأن ينسجم معها، حتى يكون للنص الأدبي خطبة كان أو رسالة أو وصية،

إيقاعاً موسيقياً متوازناً، يستعذبهُ السامع ولا يثقلُ عليهِ، لأن التناسب والتوازن والنظام في الإيقاعات أمور لابد من توفرها بالنص حتى يخرج النص نصاً إبداعياً، يحمل دلالات جمالية وفنية مميزة، تساعدُ في إدراك المعنى وفي إحداث الاستجابة لأن الاستجابة لا تحدث إلا بإثارة أحاسيس المتلقي، ومنشئ النص دائماً يراعي ذلك، من خلال إثارة حاسة البصر وهو يقدم الصورة، وإثارة حاسة السمع وهو يقدم الإيقاع الرشيق، والنغمة الموسيقية الجميلة كل هذه تتضافر فتولد حسنة للنص من جمالية في الأداء ودقة في المعنى.
وهذه الإثارات الحسية السمعية نلمسها في أمثال أخرى في نهج البلاغة(44) .

نشرت في العدد 31


(1) جرس الألفاظ: 239.
(2) م. ن: 240.
(3) الصاحبي: 77.
(4) ينظر: سر الفصاحة: 88. والعمدة: 2 / 261.
(5) م. ن: 95.
(6) م. ن: 96.
(7) المثل السائر: 3 / 15.
(8) ينظر: مفتاح العلوم: 228.
(9) الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة: 338.
(10) الأسس الجمالية في النقد الأدبي: 221.
(11) شرح نهج البلاغة: 1 / 87.
(12) سر صناعة الأعراب: 1 / 61.
(13) شرح نهج البلاغة: 1 / 165.
(14) الأصوات اللغوية: 163.
(15) شرح نهج البلاغة: 11 / 82.
(16) م. ن: 18 / 12.
(17) سر صناعة الأعراب: 1 / 63.
(18) الأصوات اللغوية: 278.
(19) شرح نهج البلاغة: 18 / 110.
(20) ينظر: العين: 1 / 64.
(21) أصوات اللغة العربية: 143.
(22) ينظر: شرح نهج البلاغة: 1 / 87، 1 / 148، 1 / 171، 3 / 171، 6 / 86، 7 / 47، 11 / 82، 16 / 67، 18 / 28، 18 / 101، 18 / 162… وغيرها.
(23) شرح نهج البلاغة: 1 / 128.
(24) ينظر: أصوات اللغة العربية: 143 / 145.
(25) دراسة الصوت اللغوي – د. أحمد مختار عمر- مطابع سجل العرب – ط1، 1976م: 248.
(26) ينظر: الأسس الجمالية للنقد الأدبي: 221 – 222.
(27) شرح نهج البلاغة: 1 / 153.
(28) شرح نهج البلاغة: 1 / 165.
(29) حسن التوسل: 213.
(30) شرح نهج البلاغة: 8 / 155.
(31) الكتاب: 4 / 435.
(32) الأصوات اللغوية: 181.
(33) شرح نهج البلاغة: 16 / 103.
(34) أصوات اللغة العربية: 143.
(35) البديع – تأصيل وتجديد: 83.
(36) شرح نهج البلاغة: 2 / 67.
(37) ينظر أصوات اللغة العربية: 143.
(38) شرح نهج البلاغة: 6 / 226.
(39) م. ن: 7 / 62.
(40) م. ن: 16 49.
(41) قضايا الشعر المعاصر – د. نازك الملائكة، ط1، بيروت 1979م: 266.
(42) ينظر الأسس الجمالية للنقد الأدبي: 221.
(43) شرح نهج البلاغة: 18 / 35.
(44) ينظر: م. ن: 6 / 215، 7 / 47، 18 / 22، 18 / 73، 18 / 130… وغيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.