Take a fresh look at your lifestyle.

من أعلام كربلاء..فضــولي.. شــــــاعراً

0 950

           يعد فضولي البغدادي من العباقرة الأفذاذ، شخصية تاريخية مشهود لها بالصلاح والتقوى، شق طريقه الوعر حتى أصبح ملء السمع والبصر، لا يكاد يجاريه شاعر، وربما لم يحظ أديب إسلامي بما حازه فضولي من شهرة وذيوع صيت. فهو بحر متلاطم الأمواج، جياش العباب، يحتل الصدارة في الشعر العربي والفارسي والتركي، وهو عالم موهوب واسع الاطلاع، طويل الباع، ذو ثقافة إسلامية عالية.

كان يمد العالم بأفكار غنية، ويوحي بالعطاء الذي لا ينضب معينه، ويقدم لامته عصارة فكره، وتجارب نفسه، ونبض قلبه، كما وفق لإيصال أحاسيسه الصادقة إلى العالم، مشحونة بالتفاؤل والثقة والحزم

هو محمد بن سليمان الملقب بـ(فضولي)، لم ترفع كتب التراجم نسبه إلى ما فوق (سليمان) الأمر الذي يدلنا على انه الشخصية الأولى من آبائه الذي يتمتع بشهرة صارت النسبة إليه. سعيا وراء المزيد من التعرف على حياته أقول: إن فضولي أشغل النقاد والباحثين والدارسين ردحا من الزمن، واجمع مترجموه على أن جودة الكلام وفصاحة اللسان، وقوة البيان أهم مزاياه وانه كان محدثا لبقا، وان ما أوتي من فصاحة في الكلام واستشهاده ببعض الأحاديث النبوية الشريفة والحكم والأقوال المأثورة لها تأثير عميق في النفوس، وقد استطاع أن يسجل اسمه في سجل الخالدين، واكتسب شهرة واسعة لا في العراق فحسب بل في البلاد الإسلامية قاطبة.

فضولي أعجوبة زمانه، شخصية أنجزت إبداعات حقيقية، في قمتها الاجتماعية، ولها تأثيرها على الحياة العامة تستحق الوقوف والتأمل والدراسة، وله ذاكرة حادة تلتقط كل ما تسمع من طُرف أدبية مشوقة، إلى جانب ما سجله من وقائع في حياته، فوعى كثيرا، وتعمق في اللغات الشرقية، واشتهر بشعره الفلسفي وفيه قوة وصراحة وحماسة. خالط الصوفيين والباشوات والمشراء. القادمين من اسطنبول واجتمع بهم في (تكية البكتاشية) بصحن الإمام الحسين(عليه السلام)
وتعرف على العلماء والساسة ووقف على عاداتهم وأمثالهم ونوادرهم، فكان من أجمع أهل العلوم وأحسنهم كلاماً، يعظم العلماء والشعراء ويجلهم.
تشير بعض النصوص التي وصلت إلينا إلى علاقة الشاعر بجمهرة من شعراء عصره من أمثال عهدي وكلامي ومحيطي وغيرهم وربما قضى وقتا ممتعا مع بعض هذه الجمهرة في كربلاء، وفي أخريات أيامه كان يقضي معظم الليالي في التأليف والبحث والعبادة قابعا وسط أكوام الأوراق والكتب يمارس وظيفته المقدسة، وفي محرابه يتعبد بالفرائض والنوافل والابتهالات، وكان بسيطا في بحثه، سليم الصدر شديد المحبة للصالحين، كثير الاعتقاد فيهم، شديد التواضع مع الفقراء.

انتسـابه
أما أصل الشاعر فانه ينتمي إلى عشيرة (البيات) كما صرح بذلك مترجموه، يقول الدكتور حسين علي محفوظ (كان فضولي من عشيرة البيات، وهي بطن من قبيلة الغز (اوغوز) التركمانية التي استوطنت العراق قديماً وسكنت قرب واسط ولها ذيول في الشرق وتركيا وهم الآن ألفاف من العرب والترك يقيم فرع منهم في كركوك وبيوتات بغداد وغيرها من البقاع(1).

ويؤكد صاحب موسوعة أعيان الشيعة إلى أنه من عشيرة بيات وهي بطن من أغز، قبيلة من الترك، وهم التركمانية(2).
وقال العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني: (اسمه محمد بن سلمان من قبيلة بيات ولد بكربلاء بحدود 1498م كما في مقدمة مطلع الاعتقاد باكو بقلم حميد أراسلي، ونشأ ببغداد ونسب إليها، ويلقبه الأتراك (رئيس الشعراء)(3).

على الرغم من تجاوزه الستين عاما من عمره فقد كان جم الأخلاق كثير النشاط صحيح البنية، متوقد الفكر والقريحة، ولعل هذه المزايا جعلته موضع اهتمام الناس وعجبهم به، فقد كان رحمه الله لا يعبأ بعرض الدنيا وزينتها، ولا يشغل باله بلذائذها، عفيف النفس، تقيا ورعاً زاهدا من المال، متوجها إلى ربه بخشوع وإخلاص، منصرفاً إلى عمله.

 

مسقط رأس الشاعر
تضاربت أقوال الأدباء والرواة حول مسقط رأسه بين بغداد أو الحلة أو كربلاء، أما عالي فعنده أن فضولي ولد في بغداد واستوطنها. وأن القصيدة التي تقدم بها إلى إياس باشا والي بغداد تنفي كونه من أهل بغداد، ونفهم منها أنه رحل إلى بغداد للقاء إياس باشا من موطنه الذي قد يكون الحلة أو كربلاء(4). قال عمر رضا كحالة: ولد بالحلة وقطن بغداد واعتكف في كربلاء وتوفي بالطاعون(5). أما أولئك الذين يستدلون على أن مولده في كربلاء من قوله (يا فضولي ما دامت ارض كربلاء مقاما لي، فشعري جدير بالإجلال أينما ينتشر، وهو ليس بفضة ولا ياقوت ولا جوهر، ما شعري إلا تراب ولكنه تراب لكربلاء طاب). هؤلاء يقدمون في ذلك الشعر شاهداً على ما يذهبون إليه، لأنه يصرح بان كربلاء مقامه وليس من الضرورة أن يكون مقامه في مكان مولده.

وقد أورد سليمان نظيف في كتاب له عن فضولي قطعة منها هذا البيت (فضلي الابن وأبوه فضولي شاعران وهما من الحلة الآن)(6).
ومن شديد التحكم وتحميله النصوص ما لا تحتمل أن تنسبه إلى الحلة لمثل قوله في شعره العربي:
لسانك حلو لحظ طرفك ساحر
كأنك حلّي وأرضك بابل(7)
أما الأديب العراقي عزيز سامي فقد نسبه إلى مدينة كركوك حيث قال:
(إن بعض النساء من أسرة فضولي كن مقيمات في الجانب المطل نحو الشمال من قلعة كركوك وأنه مضى إلى ذلك الموضع فرأى الديار مهدمة خاوية من سكانها ـ ثم قال ـ إن ما يعزز اعتقاده صحة نسبة فضولي إلى كركوك أن الكثرة الكاثرة من سكان تلك المدينة يملكون نسخاً من ديوان فضولي ويعتزون به ويحفظون معظم أشعاره.
وكان معظم الموظفين في العهد العثماني من هذه المدينة لعلمهم بالتركية، فيحتمل أن يكون والد فضولي من أهل هذه المدينة)(8) وتبعه في هذا الرأي الأديب عطا ترزي باشي. ولن يكون بعيداً عن الصواب ذلك الرأي القائل إن من أهم أسباب الانتقال هو أنه كركوكي الأصل.

مولــده
لم يتيسر لنا ضبط تاريخ مولده، ولم نقف على كثير من سيرته، لما بينا من طول العهد، يقول الدكتور حسين مجيب المصري: (فكم يبلغ من العمر يوم ذهبت به المنون، هذا ما أغفله الرواة ذكره كما سكتوا عن تاريخ مولده، فإذا قدرنا أنه بلغ الستين من سنيه فلا أمكننا أن نقول ـ على وجه التقريب لا التحديد ـ: إن ميلاده كان عام 900ﻫ -1492م)(9) ويظهر من مجموع أخباره أن مولده في العراق، و الراجح عندي أنه كربلائي المولد بدليل ما صرحت به الروايات التاريخية المتعلقة بالفترة المبكرة من حياة فضولي تشير بشيء من الوضوح إلى أنه ولد في كربلاء، فقد ذكر الأديب حميد اراسلي الذي قدم له في ديوان (مطلع الاعتقاد) المطبوع في باكو أن محمد بن سليمان الملقب بفضولي ولد في مدينة كربلاء عام 888هـ – 1480م.

وقال الشيخ محمد حرز الدين: الشيخ فضولي محمد بن سليمان البكتاشي البغدادي الحائري اختُلف في ولادته قيل: إنه ولد في العراق، وقيل: في إيران، كما اختلف في أنه تركي أو كردي وهو الأشهر حيث عرف بأنه من بيات، وبيات إحدى قبائل الأكراد الشريفة وتاريخ ولادته كما وقفنا عليه أنه ولد في العشرة الأخيرة من القرن التاسع عشر للهجرة النبوية الشريفة سنة 894 ﻫ(10).

أما لقب (البغدادي) الذي لحق به، فإن بغداد كانت مركزاً مهماً من مراكز العلم والأدب وكل من كان يشد الرحال إليها طلباً للمعرفة يلقب بالبغدادي.
أما بالنسبة لما يتخلص فيه أي: لقبه (فضولي) فقد كان من عادة شعرائنا إيجاد لقب شعري يأتي في نهاية كل قصيدة، وكان لكل شاعر مخلصه الشعري الخاص به، إلا أن مخلص شاعرنا محمد بن سليمان باسم (فضولي) جاء نتيجة تفكير وترو، حيث يقول: اخترت هذا التخلص أو المخلص لأكون فريداً في عصري في حمله.

 

نشــأته
عاش فضولي صباه في الحلة ودرس العربية على يد أستاذه (رحمة الله) أو (رحمن الله) الذي كان عالما بارعاً في العربية عندما كان يشغل منصب مفتي الحلة. وتزوج فضولي ابنة أستاذه وأنجبت له ولداً سماه (فضل الله) ولقب (فضلي) الذي توفي عام 1014هـ – 1605م(11).

وانتقل فضولي إلى بغداد لنيل العلم والثقافة والمعرفة وذاع صيته. تمكن من علوم المنطق والطب والتنجيم والرياضيات وغيرها، تخرج على جهابذة عصره حتى إذا بلغ سن الكهولة انهمر على المكاتب التي حفلت بها بغداد فأصاب أوفر ثقافة، فكان من فرط ذكائه وحدّة ذهنه ودأبه على طلب العلم أن استوعب من ثقافات قديمة تتمثل في القراءة وثقافات حديثة تتمثل في العلم وأساليبه الجدلية، فأحاط بدروس الآداب ودرس التيارات الدينية والفلسفة وتعرف على الآداب الكلاسيكية والفارسية والاوزبكية والهندية واتصل بالزعماء والشخصيات المعروفة يومئذ. ونال كل ما هو حري به من التعظيم والتبجيل فكانت له مشاركات لا تنكر في دفع الحضارة الإنسانية إلى الأمام وتطويرها ونشرها في الآفاق.

وفــاته
عاش فضولي في كربلاء أواخر أيام حياته عيشة زهد وانقطاع عن العالم، وقضى بقية أيامه في العبادة والتحصيل والبحث، يدون كل ما يمر في خلده من روائع المنظوم وبدائع المنثور، حتى أصبح نجماً ساطعاً في سماء الأدب، وكوكباً متألقاً في أفق الفكر، وبلبلاً مغرداً على دوحة الشعر، وشعلة متوجهة فخبت أوارها.

اختلف الرواة في تحديد وفاة فضولي غير أن المتيقن هو أنه توفي سنة 963 ﻫ وهذا متفق عليه عند مؤرخيه.
أما مرض موته فكان الطاعون كما قال عهدي، ودفن في كربلاء وقد شاهد قبره علي سعاد صاحب (سياحتلرم)(12)، وقال الدكتور حسين علي محفوظ: دفن في مقبرة دده قرب ضريح عبد المؤمن مؤسس تكية البكتاشية الواقع على خطي جنوبي صحن الروضة الحسينية تجاه باب القبلة(13).

أدركت قبره القديم في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي وكان موقعه في الخط الجنوبي الشرقي لباب القبلة في دار يقع بين طاق النقيب وديوان السيد حسن النقيب، وإثر توسيع الشارع المحيط بالصحن الحسيني الذي عرف بشارع الحائر سنة 1367هـ/1948م هدم القبر الأصلي، ثم تم تشييد بناء جديد للقبر عند رأس سوق القبلة قبالة باب قبلة الإمام الحسين(عليه السلام). وفي عام 1395هـ/1975م بعد توسيع المنطقة المقابلة لباب القبلة تم هدم البناء المذكور نهائياً ولم تسع الدولة أو أية مؤسسة لبناء قبره للمرة الثالثة.

أما ما ذكره المرحوم الأديب عبد اللطيف بندر أوغلو بان (رفات الشاعر) نقل إلى غرفة مكتبة ودار مخطوطات الروضة الحسينية المقدسة… الخ(14) فهذا رأي لا نصيب له من الصحة، وصاحب الدار أدرى بالتي فيها وأهل مكة أدرى بشعابها.

مصنفاته وآثاره
قدم فضولي خلال حياته عددا من الأعمال والإصدارات الشعرية والنثرية، اشتملت على فوائد كثيرة منها آراؤه ونظراته إلى الوجود والعقائد والحياة والمجتمع، وهذه الآثار خير دليل على عمق فكره واستيعابه لدقائق الأمور متجنباً عن التعصب المذهبي، أتحف المكتبة التركية والفارسية والعربية بثمار نتاجه الرائع ونثار قلمه المبدع، وكان غزير الإنتاج عالج في كتاباته فنونا شتى كالفلسفة والعقيدة والغزل الروحي والأدب الإصلاحي، وليست هذه المؤلفات هي كل ما تركه الشاعر بل إن هناك آثاراً أصابها الضياع والتلف إثر الحوادث التي مرت على القطر، ولعل القارئ الفطن يلمس الأصالة والإجادة والسمو في القصائد التي نظمها، ولعل مرد هذه العواطف الصادقة وسبب هذه المشاعر المتأججة ما كان يحيط بحياته من شعور الحزن والأسى نتيجة عوامل شتى:
أما آثاره في التركية فهي:
1ـ الديوان.
2ـ شكايتنامه.
3ـ بنك وباده.
4ـ ليلى ومجنون.
5ـ حديقة السعداء ـ قصة مأساة كربلاء.
6ـ ترجمة أربعين حديثاً نبوياً.
7ـ رسائل فضولي.
آثاره بالفارسية:
1ـ الديوان.
2ـ ساقى نامه.
3ـ أنيس القلب.
4ـ رسائل.
آثاره بالعربية:
1ـ ديوان فضولي.
2ـ مطلع الاعتقاد.
وفي أيام فضولي راجت هذه الآثار في أسواق الأدب، وحفظ الناس شعره، ومن وقف على ديوانه عرف صحة ما قلناه وصدق ما نقلناه.

خصائص شعره
فضولي شاعر مطواع، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، ذو عواطف جياشة تبعث الدفء في القلوب الخاوية، وتضفي على قصائده الروح الإبداعية المتألقة، وتطرق في رسالة مطلع الاعتقاد إلى خلاصة النظريات الفلسفية والاعتقادات الدينية فضلا عن مسائل الموت والنشوء والتكوين وسببية الإنسان والخلود.

إن ما وصلنا من شعره يجعلنا نحكم أن طبقة الشاعر فوق الوسط، والأقدمون قد رفعوا قيمته، وله اليد الطولى في نظم كافة الفنون الشعرية، فقد عبر في شعره عن آلام الأمة وآمالها، واقترب من هموم الجماهير الكادحة وحياة المعوزين والفقراء.
يقول محمد مهدي بيات (وقد عبر في بعض قصائده ترانيم صوفية ومناجاة ربانية تعبر عن عشقه الإلهي)(15).

ويلمس القارئ في شعره معان كثيرة جدا غنية وعميقة تدل على تمكنه من ناحية الفلسفة والادب في عصره، وسجل في هذه الإشعار صوراً رائعة من مواقفه الخالدة التي تغنى بها الركبان عبر العصور، فهو لم يترك غرضا من أغراض الشعر إلا وكتب فيه لتفاعله مع أحداث عصره، إلا أن أهم هذه الأغراض هي:
1ـ المدح.
2ـ الغزل.
3ـ التصوف.
4ـ الإصلاح الاجتماعي.
5ـ الحكمة.
وسنعرض في هذا المجال مساهمات الشاعر في كل غرض:

1- المدح
المدح غرض بارز في الأدب العربي وتعبير عن إعجاب المادح بصفات الممدوح والإشادة بفضائله ومزاياه وخصاله التي يتحلى بها، وقد وفق فضولي في أدائه وصياغته توفيقا حسنا، فهو واقعي في مدحه، ولوع بتداعي الأفكار وتوليد المعاني، شديد العناية بالشعر العربي، لأنها لغة العلوم التي يستبطن دخائلها ويحيط بأصولها وفروعها، وغني عن البيان. إن له ديواناً بالعربية يتألف من غزليات وقصائد ويحوي ثلاثين ألف بيت كتبها بخطه، ومن مديحه للنبي
محمد(صلى الله عليه وآله) قوله:
أثني على خير الأنام محمد
كشف الدجى بضياء بدر جماله
بثنائه رفعت مدارج قدرنا
خصـت تحيتـه عليـه وآلـه
ويحوي ديوانه ما يعرف بالملمعات، والتلميع بالشعر الفارسي والتركي أن يأتي الشاعر ببيت أو شطر عربي مع آخر فارسي أو تركي، وأول تلك الملمعات قصيدته النونية في مدح السلطان سليمان القانوني. ومما يلحظ أنه أتى بشطر عربي تارة وفارسي أخرى كما يرد بيتاً عربياً في شطريه جميعاً.
أما في مدحة له أخرى، فالأبيات العربية يتلو بعضها بعضاً:
خلد اللهم سلطاناً سقى أرض العراق
حين ما اضطرت بإرسال السحاب كالبحار
عدله من نائبات الدهر كهف للانام
مالهم إلا به التسكين عند الاضطرار
سيفه من حادثات الدور حصن للعدى
ما لهم إلا فرار فيه من هول القرار(16)

2- الغزل:
الغزل هو تعبير عن الحب الإنساني والعشق المعبر عن تجربة وهو نتيجة الهوى وأثر الغرام، وذكر الصبابة والوجد والهيام، وتصوير آلام الفراق والقلى والهجران، فهو لغة الشعور والإحساس، وترجمان القلب المعذب والفؤاد المستهام، وهو مظهر الرقة والحنان ومعرض الحسن والإبداع والجمال. وغزل الشاعر هو كل ما يجيش في صدره من العشق والحب الإنساني، ويؤكد على ذلك الدكتور حسين مجيب المصري حيث يقول: (وغزل الشاعر فضولي يتجلى فيه روحه المخزونة، ونفسه المتطيرة وخياله الخصب، أما ألفاظه فسهل حسن الوقع والمعنى متسلسل مطرد لا يحتاج الى كد الذهن ولا إطالة للتأمل، كما انه لا يركن الى الصنعة إلا قليلاً… الخ)(17).

وقال عبد اللطيف بندر أوغلو في مقدمة (مطلع الاعتقاد): (قدم فضولي أروع قصائده العاطفية بلغته الأم واستعمل فيها مختلف أوزان العروض العربية بإجادة تامة، فضولي الذي عبر بلغة رائعة عن الأحاسيس الرقيقة وقلق الإنسان تمكن من أن يقدم عصارة فكره بأسلوب شائق ضمن اللغات الثلاث، إن الحب في قصائده الغنائية يملك المضمون الاجتماعي والفلسفي العميق، على أن الحب يعني عنده السعادة والصداقة والكمال والجمال وعشق الحب. والتمرد تجاه كل ما يؤذي الإنسان ومستقبل كيانه(18).

أحب فضولي في صباه ابنة أستاذه وهي فتاة كالندى الطاهر، وهام بها إلى حد العبادة، وعشق الجمال النابع من خلال تجربته النفسية، وهذا يرجع إلى الإحساسات الجمالية التي يتمتع بها، وكان هذا الإحساس قد ترك أثراً بارزاً في استظهار القيم الجمالية متمثلة في غزله وبدأت قصائده الغزلية والعاطفية الرقيقة تسجل اهتزازات وجدانية حتى بلغ الشوق مبلغه وهذا ما أكسبه شهرة واسعة لدى جميع الطبقات، وغرست في قلوبهم حباً مفعماً بالإخلاص، فهو يشكو تباريح الهوى والغرام ويحكي آلامه وآماله، ويفيض وجدا وهياما، اسمعه يقول:
بدر بدا بجماله متكملاً
فاق الملاح جماله بكماله
يا بهجة سلب القلوب بلحظه
وبقده وبخده وبخاله
في الاستقامة قده متعذر
ما دار حول الوهم فكر مثاله
لسرور آيات المحبة وجـهه
عيد وحاجبه مثال هلاله
عيد صفاء جماله لسرورنا
خطب لذاك العيد حسن مقاله
غصن إذا قصد التحرك قده
متمايلا بيمينه وشماله
وإنك تلمس دقة الإبداع وروعة الصنع، والإحساس العميق في المعاني والأخيلة:
إلهي جعلت القلب للحسن راغبا
فكيف عن المرغوب يرغب راغب
إلهي لقد أبليـــتني بمحــبة
لها وله للصبر ناه و ناهب
أليس في هذه الأبيات ما يدل على أن فضولي ابتلى بالحب ابتلاءً عظيماً؟ فالغزل عنده أصدق شعراً وأرق عاطفة، يلمس فيه القوة في نفسه الشعري، والتأثير الواضح في نفس القارئ.

3- التصوف:
مر فضولي بتجربة صوفية شوقته إليه، فقد وظف طاقاته الإبداعية والروحية للمنحى الصوفي والشيعي، فاصطبغت أشعاره بالصبغة الصوفية، ويشير الأديب عبد العزيز سمين البياتي إلى أن ذلك يرجع إلى عدة عوامل هي:
1ـ منشأ الشاعر.
2ـ نفسيته.
3ـ سوء الحالة الاجتماعية.
4ـ تدهور الأوضاع السياسية.
5ـ الانقياد الفكري والعاطفي(19).
ولنقف مع نماذج من اشعاره في باب التصوف حيث يقول:
أراك ترى حالي وما تترحم
أيمنعك الواشون أم لست تعلم
ويقول:
أباهي بوجد قد تمكن في الحشا
وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
يكدرني بعض العواذل في الهوى
فيا ليتني عن قولهم كنت أطرشا
وقال:
شربت رحيقا من إناء محبة
ولا عدت أدري ما الإنا ومن أنا
هويت حبيباً قد سما الغصن قامة
ووجهاً يفوق البدر في أفق السما
ويقول:
أفنى الفنى جسدي وأبلى بالي
غلب الهوى وأزداد بلوى البال
قلبي حوى محن المحبة رغبة
وهو الذي بالنصح ليس ببالي

4- الإصلاح الاجتماعي:
الدارس لشعر فضولي يلمس ارتباطه بالأحداث التاريخية والاجتماعية وعلل المجتمع(20)، فشعره يتعرض لأمور ذات أهمية في حياة الأمم وطموحاتها في العيش والحياة والسعادة يصورها أصدق تمثيل.
أما المشكلات الاجتماعية التي تطرق إليها فهي:
1ـ الجهل والعلماء الأشرار.
2ـ تربية الأطفال.
3ـ الوفاء
4ـ الحسد والتحاسد
5ـ التستر على عيوب الناس.
6ـ استغلال الثروة.
7ـ مكافحة الخرافات.
8ـ القضاء والقضاة.
9ـ الرشوة.
10ـ الحث على العمل.
وهذه العلل الاجتماعية التي عالجها فضولي انعكست على شعره، وقد أبدى اهتماما ملحوظا بها، لذا عد من رواد الإصلاح الاجتماعي.
ويبدو فضولي مصلحا اجتماعيا ومعلما إنسانياً، يحاول في شعره إيقاظ الوعي في أبناء المجتمع، فقد رسم لنا صورة صادقة للمجتمع الذي عاشه فيقول:
الهي بحق المصطفى وبآله
أعنّي على أهل النفاق والافترا
جنودك أرباب الجمال وحسنهم
مناظر أصحاب النظافة والتقى
فكيف يقاس بالفساد صلاحهم
فما لذوي هذا الفساد من الجزا
أحب أرى وجه المليح لأنه
مصلى على خير البرية والورى(21)

5- الحكمة:
يلاحظ القارئ لدى قراءته لأشعار الشاعر الحكيم فضولي، الحكمة بين ثنايا الأشعار، حيث يرسم لنا صورا من الشجاعة والحلم والكرم، والعفة والدفاع عن الجار واحتمال أذى الأقارب والعطف على المحتاجين وما إلى ذلك، وقد وفق في أدائها.
تضمن شعره الحكمي الكلمات التالية: الوجود والعدم، المادة والجوهر والعرض، الحجة والقياس، وهذه الكلمات هي المصطلحات ذات مدلولات فلسفية ظهرت واضحة على شعره، وحاول نقد الحياة واقتباس العلوم الحكمية والهندسية العالية وامتلك فكراً تحليلياً، وتعمق في أسرار اللغة والفن. وبذلك تهيأت له أسباب الحكمة، إلا أنه لم ينظم قصيدة كاملة في الحكمة، بل وجدت جل الحكمة في قصائده وغزلياته ومثنوياته.

خــاتمة
تناولت في هذا البحث شاعراً عراقياً كبيراً، كان مشعلا وضاءا في مسيرة التاريخ التركي والعربي والفارسي، وهذه الدراسة تلقي الضوء الكاشف عليه، فقد كان كريم الشمائل، طاهر النفس، ملك أعنة القلوب، ونال مودة النفوس، وصار بين قومه كالغرة في الجواد الأدهم، والبدر في الظلام الأبهم، تلهج بذكره الأمم ولا يخلو منه جيل دون جيل ولا يختص به قبيل دون قبيل، ولكن الكتب التي تعنى بالدراسات الأدبية والمشتملة على البحث والدراسة خالية من الاستقصاء التام، ونفس أصحابها أقصر من صبرهم على إيفاء الموضوع حقه من الجودة والإتقان، فلا نجد في الكتب المدرسية الأدبية التي تدرّس في الإعداديات والجامعات دراسة معمقة عن شاعر كبير كفضولي، ألم يكن ممن حملوا المشاعر الوهاجة وأناروا بها السبل أمام الأجيال القادمة؟

فشاعرنا يستحق الاهتمام والتعريف بآثاره. وفي رأيي أن كتابنا يقتفون طريقة كتاب القرن الثامن عشر ذلك أننا لازلنا نكتب بمداد من عواطفنا دون الولوج إلى الموضوعية الحقة، وإن كثيراً مما يكتبه الأدباء لا يصورون واقع حياتهم، فعسى أن يلتفت إلى ذلك المثقفون من الكتاب فيتناولونه بالبحث والتحليل، ويدرسون الجوانب الفنية في شعره درسا مستفيضا.

إنني أهيب بشعبنا الباسل والحكومات العربية والإسلامية والجمعيات والنوادي الادبية والشباب الواثب القيام باحتفال كبير على مستوى رفيع مناسب للرجل الذي بلغ ذروة التألق والمجد، تمجيدا لعظمائنا وتخليدا لذكراهم، وإصدار الكتب الخاصة بالشاعر، فما أحوجنا إلى تكريم هذا العبقري، ومن أولى بالحفاوة والتعظيم من شاعر كفضولي، ولمثل هذا فليعمل العاملون والله هو المعين .

نشرت في العدد المزدوج 30-29


(1) فضولي البغدادي: د. حسين علي محفوظ ص 7.
(2) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين ج46 ص 217.
(3) الذريعة: الشيخ أغا بزرك الطهراني ج9 ق 3 ص 838.
(4) في الأدب الإسلامي – فضولي البغدادي: د. حسين مجيب المصري ص 191.
(5) معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة ج 7 ص 48.
(6) في الأدب الإسلامي – فضولي البغدادي: د. حسين مجيب المصري ص 195.
(7) الشاعر فضولي البغدادي – من بحوث المهرجان الدولي – آراء جديدة حول الشاعر فضولي البغدادي: محمد مهدي بيات ص 44 .
(8) جريدة البلد، عدد 537 ص 3 ( 28 شباط 1966م، الشاعر التركي الأشهر فضولي بغداد – بقلم عزيز سامي.
(9) المصدر السابق ص 200.
(10) معارف الرجال – محمد حرز الدين ج 3 ص 315
(11) مطلع الاعتقاد والقصائد العربية ص 8.
(12) في الأدب الإسلامي – فضولي البغدادي: د. حسين مجيب المصري ص 199.
(13) فضولي البغدادي: حسين علي محفوظ ص 36 – 38.
(14) مطلع الاعتقاد والقصائد العربية للشاعر فضولي البغدادي – المقدمة ص 5.
(15) مجلة ( الكوثر ) ع 57 ربيع الثاني 1423هـ، ص 38. فضولي البغدادي شاعر أهل البيت(عليهم السلام)
بقلم محمد مهدي بيات.
(16) في الأدب الإسلامي – فضولي البغدادي: د. حسين مجيب المصري ص 605.
(17) المصدر السابق ص 387.
(18) مطلع الاعتقاد والقصائد العربية للشاعر فضولي البغدادي – المقدمة لعبد اللطيف بندر اوغلو ص 12.
(19) شاعرية فضولي: عبد العزيز سمين البياتي ص 36.
(20) مطلع الاعتقاد: ص 69 وما بعدها.
(21) شاعرية فضولي، ص 49.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.