Take a fresh look at your lifestyle.

قصة قصيرة….الجود بالنفس

0 201

 

 

 

 

                                                                                                                            بنت العراق 

 

 

             في وسط ذلك السكون… صدح أذان الفجر… فبعث في نفسه شيئاً من الأمل أو ربما أيقظ إحساس روحي جعله يشعر بقربه من الله… وأن هناك من ينظر إليه ومطلع على حاله… لهذا تحرك من مكانه ونقل نفسه من سريره إلى كرسيه المدولب… توجه ليتم صلاته بخشوع… وهذا حاله كل يوم بالكاد يحظى بشيء من النوم… بل غالباً ما يقضي معظم الليل يحدق في سقف الغرفة… وتزدحم الأفكار في رأسه ثم تتعثر…

 

اخترقت خيوط الفجر الأولى الأفق… وبان اللون الأزرق المحبب… وهبت نسمات الفجر فراح يستنشقها ملء رئتيه… أخذ شيئاً من الخبز… وتوجه إلى حديقة المنزل… راح يفت الخبز في حجره ثم يرميه إلى العصافير التي تتقافز على ساقيه المتخشبتين منتشية بهذه الوليمة التي اعتادت عليها كل صباح.

تمتم مع نفسه… حقاً… أقصى ما يمكنه عمله… إطعام العصافير وجبة إفطار… آه… بالدنيا…
وعادت به ذاكرته… يوم كان يقدم الكثير الكثير… وتخرج على يديه العديد من التلاميذ جيلاً بعد جيل… معلم الصف الأول… الأول (الأول) نعم لم يكن في المدينة كلها معلم مثله… كان يتلقى تلك الصفحات البيضاء فيخط عليها مبدعاً… ويخلق من لا شيء… أشياء…
النظام… الأدب… الاحترام… ثم القراءة والكتابة والحساب… يصوغ في نفوسهم كل هذا وهو فرح بما يقدمه لهم… ويكبرون ويكبر حلمه فيهم فيشاهدهم شباباً… كل شق طريقه واختار دربه… ودخل في مجال عمله أو تعليمه… ولكنهم لا زالوا يدينون له بالفضل…

       وإذا ما رأوه يحنون عليه… وينادوه بأشد الاحترام… ومهما علت مراكزهم يلقبوه أستاذ… فهو أستاذهم حقاً…
انغمس عمله الممتع… أو هكذا يجده هو… أحب عمله… أن ينهض بنشاط صباح كل يوم… وأن يقف أمام مجموعة من الأطفال تتطلع عيونهم إليه بشغف ويملأ في نفوسهم كل فراغ… ويتخرج الأجيال تلو الأجيال …
حتى جاء اليوم الذي زاره أحد التلاميذ السابقين في المدرسة… أصبح مهندساً بارعاً وبين يديه طفل صغير… قدمه قائلاً ابني… أريده أن يدرس عندك …!!

       يومها عاد إلى المنزل ولم ينفك من تأمل صورته في المرآة… لقد غزا الشيب شعره… وأصبح تلاميذه آباء… وفاته أن يكون أسرة… لطالما أجّل هذه المسألة حتى يتحسن حاله ولكن مرتبه ضئيل جداً… وهو يحب عمله ولم يتخلَ عنه كغيره… لهذا وجد نفسه اليوم بدون زوجة وأطفال… وأي امرأة ترضى بحياته الشحيحة.

       وبقي يعنى بالصغار ويصوغ منهم شباباً صالحين… كانت ذاته تذوب وجسده يتهاوى يهب ذلك للآخرين عن طيب خاطر بلا مقابل… وبقي قانعاً في حياته… لقد اعتاد عليها ومن الصعب جداً الاستغناء عنها… وما أكثر ما قالوا له… أصبحت شيخاً، بصرك ضعيف… أو يجب أن تستريح… إلا أنهم لم يفهموا أن التعليم حياته فكيف يستغني عن حياته…

         وجاء اليوم… لابد أن يحال على التقاعد… (ليستريح) اعترض قائلاً إن راحته في أن يستمر… لم يصغ إليه أحد.
كان وقع الصدمة شديداً… وأصبحت حياته خالية من المعنى… واستسلم للمرض الذي أقعده على الكرسي …
ولم يعد حوله صغار تتطلع أعينهم إليه بلهفة… كل ما حوله عصافير يتأسى بهم…
وتساءل يا ترى من يدري أنه يطل… وأنه قدم تضحيات تلو التضحيات نعم إنه بطل… لقد وهب زهرة حياته للآخرين دون مقابل >

——————————————————————————

نتلبياغت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.