Take a fresh look at your lifestyle.

الشيخ أسد حيدر رائد التجديد الفكري

0 665

                     قدمت مدينة سوق الشيوخ وهي الواقعة على بعد (30) كيلومتراً جنوب مدينة الناصرية عدداً كبيراً من الشخصيات العلمية والأدبية والثقافية على طول تاريخها واشتهرت هذه المدينة العريقة بعشائرها وأسرها بحب أبنائها للعلم والمعرفة وانتشار عدد من المكتبات والمنتديات الثقافية فيها وهذا ما ساعد على تكوين بيئة ثقافية علمية تمجد المعارف والعلوم وتشجع مكانها على ذلك مع ارتباطها الروحي القوي مع مدينة النجف الأشرف قلب المرجعية الدينية العليا وعاصمة التشيع في العالم وما شكلته هذه العلاقة الصميمة بين النجف وسوق الشيوخ من عامل تنمية وتطوير للمعارف الدينية في سوق الشيوخ.

ووسط هذه البيئة العاشقة للعلم والتي تنتشر في أجوائها عبقات الولاء لآل البيتِ(عليهم السلام) والتواصل المستمر مع مدينة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ولد الباحث والمؤرخ والشاعر الشيخ أسد محمد عيسى محمد علي آل حيدر في النجف عام (1327هـ) في عائلة علمية دينية معروفة على مستوى العراق، فأسرته أسرة عربية معروفة بعروبتها مشهورة بفخرها تقطن كما ذكرنا سوق الشيوخ، ولهذه الأسرة على المدينة فضل كبير، فقد هذبت أخلاق أهلها وشحذت قرائحهم، وقامت بتربيتهم تربية حسنة حتى أصبح البلد بفضلهم من البلدان المرموقة التي يتشوق إليها الرائح والغادي، وآل حيدر بقية بني (وثال) زعماء آل أجود حلفاء المنتفك سابقاً، ولهم آثار كثيرة مندرسة(1).

كما قدمت أسرته من شخصيات كان لها حضورها المؤثر على الساحة الثقافية.
وكان من الشخصيات المنحدرة من هذه العائلة الشيخ محمد علي آل حيدر، فقد كان معاصراً للعلامتين السيد بحر العلوم والشيخ كاشف الغطاء، ويعد أول من هاجر إلى النجف من الأسرة لطلب العلم، كما ظهر في الأسرة رجال متميزون بعطائهم منهم الشيخ محمد حسن آل حيدر، وهو عالم دين معروف والشاعر المشهور جميل آل حيدر وآخرون ثبتوا اسم هذه الأسرة(2).

منذ بداياته توجه الشيخ أسد حيدر إلى الكتاتيب الموجودة في مدينته حيث تعلم فيها القراءة والكتابة وبعض العلوم الأخرى وكان سريعاً في تعلمه الذي مهد له الطريق للشغف بالقراءة والمطالعة والاستزادة من التعلم مستفيداً من المكتبة التي كانت تملكها أسرته وكان محباً للشعر وحفظه وبالتالي إبداعه وقد عرف بشعره الرقيق وقدرته على الإبداع فيه ومع كل هذا التوجه نحو المعارف والعلوم ظلت خواطر الشيخ حيدر وروحه تهفو إلى مدينة النجف الأشرف وفيها العلماء الكبار والمدارس المهمة وحلقات الدرس والمجالس والمنتديات الأدبية،

فهاجر إلى النجف الأشرف حيث التحق بمدارسها الدينية فدرس مقدمات العلوم حتى أتمها ثم انتقل إلى حلقات العلم المتصلة بالأبحاث العالية على السيد محمد البغدادي والشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد أبي القاسم الخوئي، كما انتهل من غيرهم (قدس الله أسرارهم). وكان لهذا الحضور المتميز للشيخ دوراً مهماً وفعالاً في تقوية نشاطه الأدبي وصقل مواهبه وزيادة سعة إطلاعه وثقافته.. وأقام فيها حيث لقب بالنجفي حباً واعتزازاً.

وفي مدينة النجف الأشرف راحت قدراته الفكرية والبحثية تظهر بشكل سريع مع ما كان للشيخ من قراءات واسعة ومتعمقة في التاريخ والتراث والفقه والعلوم الأخرى حتى أصبح من المشهود لهم بالإمكانات العلمية والأدبية وهذا ما يمكن أن نراه في مجموعة كتبه التي ألفها وركز فيها على جانب الدفاع عن مذهب آل البيت(عليهم السلام) ورفع الشبهات التي يثيرها المشككون والحاقدون.

ألف الشيخ عدة كتب لعل أهمها (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة) في أربعة مجلدات والذي صدرت طبعته الأولى عام (1965م) وكذلك كان كتابه (مع الحسين في نهضته) و(الشيعة في قفص الاتهام)(3).

امتاز حيدر بأسلوبه الجزل والرائع وطريقته الكتابية المحببة لنفوس القراء وكان بعيداً في أسلوبه عن التكلف باللفظ والتلاعب بالكلمات مستخدماً الوضوح اللغوي وعدم الإبهام والغموض طريقاً في كتاباته وهذا ما جعل أسلوبه يميل إلى السلاسة والعفوية وما يمكن تسميته بالسهل الممتنع وقد لعبت قراءات الشيخ المستفيضة وإطلاعه الواسع دوراً في هذه القدرات الكتابية.

كان كتابه (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة) موسوعة تاريخية عقائدية اعتمد في كتابته المنهجية العلمية والأمانة والنزاهة وقد ترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات وتم طبعه عدة طبعات نظراً لمحتواه العلمي وما جاء فيه من تحقيق عن المدة موضوع البحث.

والحقيقة إن الشيخ قد عبر وفي عدة مرات عن شعوره بالمرارة من تصرفات أصحاب دور النشر والمطابع الذين يعملون بشراهة الطمع على استغلال الطلب على الكتاب وأهميته وإعادة طبعه بنسخ تزيد على ما تم الاتفاق عليه بين المؤلف والناشر على الرغم من إن الشيخ كان ميالاً إلى نشر المعرفة وثقافة آل البيت(عليهم السلام)(4).

جاءت دراسة حيدر عن المذاهب الأربعة بمنهج علمي أصيل وروح بحثية سليمة معتمداً على المصادر الأصلية والروايات التي أخضع الكثير منها لمنطق العلم والعقل والتجريح وهو في كل ذلك كان يريد إزالة الغموض واللبس الذي أحاط بموضوعه المذاهب الإسلامية كما يشير(5)،

وبالفعل فقد استطاع من إيجاد دراسة علمية جديدة مقارنة للمذاهب الإسلامية بأسلوب توفيقي بعيد عن التشنج والعصبية والغلو، وقد أكد الشيخ حيدر في ذلك على تحليه بالنفس العلمي والبحث المستند إلى المقارنات السليمة ليضيف إضافة جديدة إلى الدراسات التاريخية وهذا ما عبر عنه الدكتور حامد حنفي داود أستاذ الأدب العربي بكلية اللغات في جامعة القاهرة حيث أظهر إعجابه بالمنهج العلمي الذي أختطه المؤلف وإتباعه الفكر الحر وإن الشيخ قد أضاف شيئاً جديداً إلى المكتبة العربية والبحث العلمي المنزه(6).

وقد أثنى عليه قائلا: (كان هذا الفتح الجديد في دراسة الإمام ـ الصادق ـ منذ عشرة أعوام حين خرج إلينا الباحث الأديب والعالم العراقي الحصيف الأستاذ أسد حيدر بالجزء الأول من كتابه (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة) فكان هذا الكتاب الجامع إيذاناً بإنهاء مرحلة التخبط حول سيرة الإمام الصادق(عليه السلام)، ثم يضيف… وأول ما يسترعي التفاتنا لهذا السفر الضخم شموله وسعة آفاقه واستيعابه أكثر جوانب هذه الشخصية العظيمة ولعل ذلك راجع إلى سعة اطلاع المؤلف، فلا يكاد يرى رأياً لصاحب رأي حول شخصية الإمام إلا وأتى بها… وفي كتابات المؤلف واسترسالاته التحليلية حول هذا الموضوع نلمس اتزان العالم الحصيف حين يهرع إلى كلمة الحق)(7).

وفي هذا المجال يمكن التأكيد على الأسلوب الرفيع الذي كتب به الشيخ أسد حيدر مؤلفه هذا من حيث العبارة واللفظ والمعنى وقوة السبك بالإضافة إلى المنهج التاريخي الذي سلكه في هذا المجال، والحقيقة إن هذا المنهج التاريخي يؤكده الشيخ في دراسته الرائعة لثورة الإمام الحسينِ(عليه السلام) من خلال كتابه (مع الحسين في نهضته) فقد جاء كتابه هذا وكما أعتقد أسلوباً جديداً في الدراسات التي تناولت هذه الثورة الإنسانية الخالدة من حيث سرد التفاصيل والروايات والمنهج المتبع والتأكد من التفاصيل التاريخية فقد ابتعد الشيخ عن الأسلوب القديم في كتابة الملحمة الحسينية ليقدم للقارئ أسلوباً جديداً مفعماً بالروح والتجسيد للواقعة الكربلائية وكأنه يحاول إعادة القارئ إلى زمن الثورة الكبرى(8).

وهذا ما يثبت القدرات المتوافرة عنده لكتابة التاريخ واستحضار الرموز والشواهد الروحية العظيمة ويقدم الشيخ على إنه مؤرخ مقتدر ومنصف وغير متعصب أدواته النزاهة والاعتدال والعلمية، والحقيقة إن ذلك يستدعي دراسة مستقلة عن كتب الشيخ إظهاراً لحقائق جديدة.

كان حيدر وكما أسلفنا من الشعراء المجيدين وكانت له مراسلات شعرية مع عدد من العلماء الأعلام والشخصيات ولعل في مراسلاته مع الشيخ المجدد محمد الحسين كاشف الغطاء دليل على ذلك.
ومن شعر له يرثي به السيد أبا الحسن الأصفهاني:
لرزئك وقع في الورى دونه الحشر
وفقدك أبقى الحزن وارتفع الصبر
أقام بها ناعيك فاستك سمعها
وأذهلها عن رشدها ونأى الفكر
وراحت بيوم النحر تنحر أنسها
فسالت من الأرواح أدمعها الحمر
أيا حاملاً ذاك اللواء ومن به
من الله معقود لنا الفتح والنصر(9)
عاش الشيخ حياة حافلة بالعمل والجهود المبذولة لخدمة مذهب آل البيتِ(عليهم السلام) والدفاع عن الإسلام وكان من دعاة الوحدة والتوحد وتوفي بعد عمر مديد عام (1405م) حيث دفن في مدينة أمير المؤمنين(عليه السلام)

نشرت في العدد 19


(1) جعفر محبوبه، ماضي النجف وحاضرها 2/199.
(2) كاظم الفتلاوي، المنتخب من أعلام الفكر والأدب ص: 52.
(3) المصدر نفسه.
(4) مقدمة كتاب (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).
(5)، (6)، (7) المصدر نفسه.
(8) أسد حيدر، مع الحسين في نهضته.
(9) علي الخاقاني، شعراء الغري 12/ 314.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.