Take a fresh look at your lifestyle.

من شهداء المنبر الحسيني.. الخطيب السيد عبد الرزاق الحسيني الشهير بالقاموسي

0 532

             نابغة من نوابغ الخطباء المعاصرين ومفخرة من مفاخر شباب المنبر الحسيني الشريف وشهدائه، هو الخطيب السيد عبد الرزاق ابن السيد محمد علي ابن السيد كاظم آل جواد، وآل جواد الحسيني أسره معروفة في مدينة النجف الأشرف والعاصمة بغداد تنتمي وترجع إلى زيد الشهيد ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام).

ولد شهيدنا وخطيبنا في النجف الأشرف عام (1367هـ) ونشأ بها وتربى عند أخواله أسرة (آل القاموسي)، الأسرة الخيرة المعروفة في مدينة العلم والبلاغة والبيان النجف الأشرف، ومنهم اكتسب لقبه وعرف به(1).

نشأ وترعرع في ظل خاله ـ خال والدته ـ سماحة العلامة المفضال الشيخ محمد صادق نجل الحجة الشيخ باقر القاموسي(2).
التحق بمدارس منتدى النشر الابتدائية والثانوية وواصل دراسته حتى تخرج من كلية الفقه للعام الدراسي (1971ـ 1972م).
وأما دراسته في الحوزة العلمية فقد التزمه الشيخ القاموسي فكان مهتماً به منذ نعومة أظفاره، وأحد أساتذته وموجهيه، وقد درس على العالم الفاضل السيد محمد الغروي(3).

كما استفاد الكثير من أساتذته في كلية الفقه كالراحل الشيخ عبد المهدي مطر، والشيخ أحمد البهادلي، والسيد مصطفى جمال الدين، والشيخ عبد الهادي حموزي وغيرهم.

اتجه نحو الخطابة وفنونها في بواكير عمره وحداثة سنه ونعومة أظفاره بتوجيه من الشيخ محمد صادق القاموسي، وبرغبة كبرى من نفسه في سلوك هذا السبيل المقدس مستفيداً من توجيهات الشيخ، تميز السيد الشهيد القاموسي بصوته الجيد وأسلوبه الأخاذ وجرأته الأدبية حيث أنه تتبع في بطون الكتب والمصادر، وكان كثير السؤال للاستفادة وكسب المعلومات نظراً لاتصاله بأفاضل العلماء والأدباء والمثقفين، الذين كانوا يرتادون مجلس القاموسي أمثال العلامة الكبير الشيخ حسين الحلي والسيد البجنوردي والسيد يوسف الحكيم والشيخ محمد جواد آل الشيخ راضي(قدس سره).

حيث أن السيد المترجم بعد قراءة المجلس يناقش ويستفيد من الملاحظات والروايات والاستدلالات في الآيات القرآنية وأحاديث النبي الهادي والعترة الطاهرة(عليهم السلام).

بدأ السيد عبد الرزاق القاموسي بخدمة المنبر الحسيني في مطلع شبابه متتلمذاً على أكابر الخطباء أمثال السيد الشهيد جواد شبر والشيخ عبد الوهاب الكاشي والدكتور أحمد الوائلي والسيد كاظم القاضي الطباطبائي وغيرهم، حيث أنه استفاد من خبراتهم المنبرية والأدبية ومجالسهم الصاخبة في مختلف محافظات العراق منها بغداد وكربلاء والحلة والبصرة والنجف الأشرف منذ مطلع السبعينات وحتى عام (1978م) حتى صقل مواهبه المنبرية والخطابية حتى أخذ يشار له بالبنان أما الجماهير العلمية والشعبية.

 

ما قيل فيه وما اختص به
ذكره الشيخ عبد الوهاب الكاشي في شهداء المنبر الحسيني قائلاً: (كان المرحوم السيد عبد الرزاق شاباً نابغة في ذكائه مهذباً في أخلاقه اتصل بي في بواكير شبابه وهو في حدود الخامسة عشرة من عمره قبل أن يلبس العمامة، وكان شديد الشوق لتعلم الخطابة. بدأ الدراسة منذ نعومة أظفاره فأكمل علم النحو والصرف واتصل بكبار الأساتذة والعلماء فكان محبوباً لديهم لأخلاقه،

 

وصلاحه، وتواضعه وكان مهذباً في كلامه، وكان يتبعني في المجالس مقتبساً بعض الأشعار والألحان وما يتعلق بالمنبر الحسيني فضلاً عن أنه تتلمذ في الخطابة على عدد من الخطباء منهم الشيخ أحمد الوائلي، وكان يأتي إلى حجرتي في مدرسة السيد البروجردي في دورة الصحن الحيدري الشريف ليأخذ عني بعض الأبيات الشعرية ويعرض عليّ الأسئلة، وكان يخرج معي أحياناً إلى الكوفة إلى مسجدها الكبير عصر يوم الخميس ولمجالس تعقد لعشرة أيام أو أقل أو أكثر في منطقة الجسر وكان ـ أحياناً ـ يقرأ المقدمة أمامي وكان صوته في بداية أمره لا يساعد على قراءة الشعر إلا أنه كان يقرأ دون تلكؤ وتردد، وأهم ما كنت

ألاحظه فيه أنه كان ملتزم ويغتنم الفرصة في طرح الأسئلة للاستفادة مني ومن غيري دون تردد واستنكاف وهذا الشوق المتواضع والنشاط لخدمة المنبر صير منه خطيباً بارزاً على صغر سنه حتى أنه كان يرتقي المنبر في المجالس المعروفة والكبرى في النجف الأشرف وغيرها فكان يقرأ في بيت السيد الشهيد الصدر(قدس سره)
والذي كان يضم الإعلام والمثقفين. وأتذكر منه أنه كان أديباً ينظم الشعر متقناً لعلوم اللغة العربية حتى أنه يتحاور معي كأستاذ كبير متظلع مع أخلاقه العالية في المحاورة.

ويضيف المرحوم الشيخ عبد الوهاب الكاشي: (أنه كان كثير الاتصال والقرب من الأستاذ الشيخ أحمد الوائلي وقد ذكره مرة في داري ببيروت وبكى.

وكان لالتحاقه بكلية الفقه وتخرجه منها الأثر الكبير في نجاحه وتطور خطابته ولو أنه عاش واستمر في الخطابة لبلغ الدرجات العالية من الفضل والعلم فكان مجموعة فضائل على صغر سنه)(4).

وأما أستاذه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي فقد قال عنه: (كان السيد عبد الرزاق القاموسي قد أكمل دراسته المقدمات والسطوح ثم أكمل دراسته المنهجية (الماجستير). وكان من الخطباء اللامعين فكراً وأداءً بالإضافة إلى خلقه وتدينه، وسلوكه المهذب، وقد جمع مجموعة من الأبعاد ندر أن تجتمع في غيره وكان تتلمذ في البداية عليّ. وقد مارس الخطابة في محافل مهمة في بغداد والكاظمية والنجف، وقد لمع فيها واشتهر)(5).

وذكر الشيخ حيدر المرجاني خطابته بقوله: (أخذ الخطابة لنفسه، وكان يسير على توجيهات خاله العلامة الشيخ محمد صادق نجل الحجة الشيخ باقر القاموسي، ثم لازم مقدماته عند الخطباء البارزين فاستفاد منهم وكان آخرهم الخطيب الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، ثم انفرد بنفسه فخطب في النجف، وبغداد، والكاظمية وبعض المناطق الأخرى… كالبحرين فهو خطيب مجد وناضج، فهو على صغر سنه من البارزين من الخطباء الشباب في النجف اليوم)(6).

وتحدث عنه الخطيب الشيخ عبد الحميد المهاجر بقوله: (في عام 1976م التقيت بالسيد في مطار البحرين حيث كان يقرأ في المنامة أيام المحرم فقال لي: إنني اشتريت مجموعة من الكتب في النجف الأشرف ورأيت بينها كتابين مكتوب عليهما اسمك فلم أتصرف بهما ـ وكنت (الشيخ المهاجر) قد اعتقلت عند رجوعي من الحج عام 1972م حتى عام 1975م فاحتجزت مكتبتي وبيعت ـ

فطلب مني إما أن يوصل الكتابين لي أو أسمح له بالتصرف بهما وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ورعه وتحرجه من التصرف في الحرام)(7).

وكذلك من مواقفه البطولية التي تنم عن تدينه ووعيه حيث أنه من الأشخاص القلائل الذين ظلوا ملازمين للسيد محمد باقر الصدر(قدس سره) بعد فرض الإقامة الجبرية عليه، وقد اغتنم فرصة مجاورته لبيت السيد الصدر(قدس سره) في محلة العمارة في النجف، حيث أنه قام بعدة أمور مهمة كإيصال الرسائل من وإلى السيد الصدر وكذا في إدخال الأطباء لمعالجة السيد وأفراد عائلته، بالرغم من علمه بالعواقب الوخيمة والمخاطرة التي تترتب على ذلك حال علم السلطة البائدة آنذاك.

وهذا العمل هو منتهى الوفاء والإخلاص والإقدام في تلك الظروف الرهيبة التي انقطع أقرب الناس إلى السيد الصدر(قدس سره) رغم وجود عناصر الغدر والظلم والمكر من جلاوزة الشرطة والأمن والمخابرات المنتشرة في الأزقة والشوارع المؤدية للسيد الصدر(قدس سره).

وقد ذكرته زوجة السيد الصدر(قدس سره) أم جعفر عن المترجم بقولها: (علمتنا الأقدار أنه للمرء إذا توكل على ربه ألا يقنط من بقية خير، وإن أجدبت الأيام وقل النصير، فالله اللطيف بعباده لن يترك من توكل عليه دون أن يهيء له من يتنزل لطف الله من خلاله، ومن لطفه بنا في تلك الأيام المكفهرة أنه كان يسكن في الجوار بالقرب منا آنذاك شاب في ربيع العمر، كان من طلاب العلوم الدينية وهو الشهيد المرحوم السيد عبد الرزاق القاموسي، ذلك الشاب المجاهد الذي كان لنا شعاعاً من نور يضيء لنا في بحر الظلمات المحيط بنا، وسبباً للطف الله وتنزل بعض رحمته، فإن ذلك الشاب الطاهر والشجاع أعدمه المجرمون، لمجرد أنهم اكتشفوه وهو متلبس بخرق حصارهم المفروض علينا من كل الجهات،

حيث إنه كان يغامر ويوصل إلينا بعض الخبز وما قد نتقوت به عندما كنا نعاني أحلك أيام الجوع والحرمان وذلك من خلال القفز من فوق أسطح المنازل حتى يصل إلينا من فوق، ولعله كان يسرب إلينا بعض المعلومات عما يجري في خارج الدار أو ينقل عن الشهيد الصدر بعض ما يريد إياصله إلى أحد ما ولقد كان وحيد أمه التي كانت تعيش معه، وزوجه الشابة الطيبة في المنزل، لم يكن لهما معيل غيره، فهاجمته تلك الوحوش الضواري في منزله، واقتادوه معهم في عنف، ثم ما لبثوا أن أرجعوا جثمانه مقطعاً شهيداً… واأسفاه عليه… والله إن المهجة لتذوب له حزناً وكمداً كلما مرت ذكراه على القلب المكلوم)(8).

اعتقل وهو حديث الزواج يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني عام (1399هـ/1979م) قبيل الظهر(9).
وبعد عامين من السجن والتعذيب استشهد على أيدي جلاوزة النظام المباد عام (1401هـ/1981م) ودفن في النجف الأشرف(10).

نماذج من شعره
تطاول فخراً على المشتري
وعم الورى بالمنى الأزهر
تجلى إلى الكون مجد الإباء
لتبدو الحقيقة للمبصر
ونور النبي أضاء الدنا
وضاع شذا المسك والعنبر
وفجر الهداية للعالمين
أباد الدجى بالسنا النير
فحلق في الفكر وحي الخيال
وفاض شعوراً على الأسطر
سمات المهابة في المصطفى
وفخر الشجاعة في حيدر
وكف السماحة في المجتبى
تسامت بوابلها الممطر
صفات الفخار نماها الحسين
جرت في دم العرق من جعفر
إلى أن يقول في هذه القصيدة:
ففيكم سموت وفيكم سعدت
فساء الحسود بما يفتري
مددت لكم بأيد السؤال
لنيل الشفاعة في محشري
رأيت ولائي لكم في غد
نجاتي من الفزع الأكبر.

نشرت في العدد 21


(1) خطباء المنبر الحسيني، المرجاني، 2/168.
(2) هاجر مؤخراً إلى قم المقدسة وتوفي فيها يوم السابع عشر من شهر رمضان عام (1423هـ) ودفن مجاوراً السيدة معصومة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم(عليه السلام).
(3) نقلاً عن سماحة العالم الفاضل الشيخ محمد هادي آل راضي من أساتذة الحوزة العلمية.
(4) نقلاً عن كتاب شهداء المنبر الحسيني، حمزة الخويلدي، ص205.
(5) المصدر نفسه.
(6) خطباء المنبر الحسيني، المرجاني، 2/168.
(7) نقلاً عن الشيخ المهاجر في حرم السيدة رقية في الشام يوم 22 ذي الحجة 1417هـ.
(8) كتاب وجع الصدر ومن وراء الصدر أم جعفر، ص183.
(9) أحد الأشخاص الذين شاهدوا الاعتقال من أهل المنطقة.
(10) مستدرك شعراء الشيعة، الفتلاوي، ج2 ص58.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.