Take a fresh look at your lifestyle.

التوجيه الدلالي في آية التطهير

0 687

                    إن الدلالة في التعبير القرآني لا يمكن الإحاطة بها من كل جوانبها، بيد أن الباحث فيها قد يتمكن من العثور على بعض الاضاءات هنا أو هناك بقدر ما أوتي من علم أو معرفة في النص المدروس، وذلك أن النص القرآني المبارك متعدد الجوانب في المعرفة، فما أن ينفتح أمامك باب، إلا وتداخلت معه أبواب أخرى، وهذه تحتاج إلى استقصاء ودراسة، وما أن تطرق فيه أسلوباً حتى تجده يتفتح على أساليب أخرى متممة له وموحية إلى دلالات أخرى، وهكذا يتجلى لنا إعجازه واعجز البشر عن مسايرته،

فضلاً عن كون إمكانية تفسيره في أي زمان ومكان بدلالات مختلفة، فله في كل زمان دلالة تتآلف مع ذلك الزمان، إذ تستجد أمور توحي للمفسر بدلالة جديدة، حتى تجد ألفاظ القرآن المجيد سباقة إلى إدراك هذه الدلالة.

فهكذا لا نجد ضيراً من تناول آية قرآنية شريفة ـ آية التطهير ـ قد درست من قبل، فإن القرآن كما يصفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): (عيون لا ينضبها الماتحون)(1)، فأنى لنا أن نأتي على كل معانيه ودلالاته، ومن ذلك آية التطهير التي يقول فيها تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(2)

فقد اختلفت هذه الآية المباركة في سياقها ومضمونها عما سبقها وعما لحقها، فقد قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا* يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا* وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا* يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا* وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)(3).

وقد استطعت أن أرصد هذا الاختلاف في ثلاثة محاور هي:

أولاً: كون آية التطهير خبرية المبنى والمعنى، وبقية الآيات المذكورة ممن سبقها أو لحقها، إنشائية طلبية.
إن الذي يدعو إلى القول بأن هذه الآيات إنشائية طلبية كون أغلبها بجملها ومقاطعها، أما نداءً أو أمراً أو نهياً، وإن الإنشاء الطلبي هو الذي يستدعي مطلوباً غير حاصل في اعتقاد المتكلم وقت الطلب(4)،

وإن الأمر والنداء والنهي فما تستدعي هذا المطلوب الذي أشرت إليه آنفاً، ثم أن الأمر هو طلب حصول الفعل من الخاص على وجه الاستعلاء، وكل ذلك حاصل في مجمل هذه الآيات، فقد وردت فيها (قل لأزواجك، وقرن، أقمن، آتين، أطعن، اذكرن) وهذه كلها أوامر من الله تعالى، فضلاً عن النداء في (يا نساء النبي)، والنهي في (ولا تبرجن).

وكذلك في هذا الخطاب نستشعر وجود نبرة من تهديد(5)، وكل ذلك خروج في صيغ الأمر عن معناها الأصلي الذي يتمثل في الإيجاب والالتزام إلى هذه المعاني التي دل عليها السياق العام للآيات مضافاً لمعنى الأمر.

ثم إنه تعالى ما أن ينهي الأمر عند قوله سبحانه (وأطعن الله ورسوله) حتى يبدأ بالإخبار عن شيء لم يكن ليخطر في بال أحد ممن أمرهم، فيقول تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، إذ أنه تعالى شأنه قد ساقها بمساق كون المخاطب بها لا يعلم منها شيئاً البتة، وبذلك يكون المتلقي غير متردد في قبولها أو أن يكون منكراً لها، إذ أن المخاطب أصلاً لا يعلم كنه هذا الخبر، ولذلك ستكون دلالة هذا الإخبار متمكنة من عقله، وذلك لخلو ذهنه منها.

وعليه فإن مثل هذا الأسلوب في حقيقته لا يحتاج إلى تأكيد بسبب هذا التمكن في ذاته، بيد أنه سبحانه أكد هذا الخبر بـ(إنما) المفيدة للتخصيص والقصر، كأنه يريد أن يومئ إلى ذلك المعنى وزيادة، يقول الجرجاني (ت427هـ): (اعلم أن موضوع (إنما) على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته أو لما ينزل هذه المنزلة)(6)، نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ)(7).

فبعد أن علم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بخبر نسائه وأمر الله تعالى لهن بتلك النبرة المهددة، فقد عمد تعالى شأنه إلى إثبات معنى آخر بعد (إنما) ونفي ما سواها، جاء في لسان العرب: (ومعنى (إنما) إثبات لما يذكر بعدها ونفي لما سواها كقوله: (وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي)(8)، (والمعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو من هو مثلي)(9)، أي أنه أثبت الدفاع عن الأحساب لنفسه أو من هو مثله، ونفاه عن غيره.

فهنا (إنما) قد أضافت معنى آخر إلى المعنى العام في الآية، هو التأكيد، بالتخصيص لمن هم أبعد ما يكونون من المعنى السابق لها.

ثم أنه تعالى قد ذكر إذهاب الرجس بالفعل الرباعي (أذهب) فقال: (ليذهب) وكان بالإمكان أن يكون الفعل (ذهب) ويكن التقدير (يريد الله ليذهب عنكم الرجس) فلا ينسب الفعل إلى نفسه بل إلى غيره، لكن هذه الصيغة تجعل من الإرادة إرادة مجردة، وممكن أن تكون للذين أساءوا واستحقوا النصح بأن يعملوا صالحاً لأجل أن يذهب عنهم الرجس، لكنه تعالى شأنه قد نسب إذهاب الرجس إلى ذاته فقال: (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ)، وهذا يعني أن المخاطبين بهذا غير ما ذكروا قبل هذه الآية، وقد أكد هذا المعنى الجديد بإيراد الجملة الاعتراضية (أهل البيت)، وجاءت منصوبة، ووجه النحاة نصبها إلى وجهين، فهي إما منادى وتقديرها (يا أهل البيت) وقد حذفت الياء هنا لقربهم منه تعالى وعظيم قدرهم عنده، فحذف الياء ليزيد من عمتهم وقدرهم.

أما الوجه الثاني هو أن (أهل) منصوبة على التخصيص والمدح(10) أي أنهم مختصون بالمدح دون غيرهم.
إن كلا التوجيهين لا يتفقان مع خطابه تعالى لنساء النبي(صلى الله عليه وآله)، إذ خاطبهن سبحانه بـ(يا نساء النبي) وهذا الخطاب أبعد في الدلالة من صيغة (أهل البيت) بدون (ياء) النداء، فاختلف السياق، لذلك لابد أن يكون المقصود غيرهن.

فضلاً عن ذلك عطف على (ليذهب) الفعل (يطهر)، مما أضاف فضلاً إلى فضلهم السابق، وهذا مما يؤكد المعنى مرة أخرى، ويباعد الاتصال بين الجملتين، مما يجعل عملية الوصل بينهما بعيدة والدلالة مختلفة.

فهكذا نجد أن آية التطهير قد اختلفت عن سابقتها اختلافاً كلياً في اللفظ والمعنى، فضلاً عن عدم وجود مناسبة في المعنى أو الارتباط بينها وبين سابقتها أو لاحقتها، إذ كل منهما مستقل بذاته، فإن المانع من العطف أمر ذاتي لا يمكن دفعه وهو التباين بينهما، لهذا وجب الفصل وحدث كمال الانقطاع(11).

ثانياً: لو عملنا على تقسيم الآية المباركة على قسمين، فيكون القسم الأول منها قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ)، والقسم الثاني منها قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، لوجدنا أن السياق الصوتي في كلا الجملتين مختلف عن بعضهما.

القسم الأول من الآية يمتاز بكثرة المقاطع الصوتية المفتوحة الطويلة(12) والتي يكثر فيها المدود، فضلاً عن كثرة مواقع النبر فيها، خلافاً للقسم الثاني في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) إذ يقصر فيها عدد المقاطع الصوتية الطويلة المفتوحة إلى النصف عما سبقها، وبالتالي يقل معها عدد المدود، فضلاً عن ذلك نجد كثرة النبر الشديد في مقاطع القسم الأول نحو (وقرن، بيوتكن، تبرجن، الجاهلية، الأولى، أقمن، آتين، أطعن)، فكل هذه المفردات يكثر فيها المقاطع المنبورة في أواخرها، وهذا النبر يشير إلى وجود أهمية لإبراز دلالة هذه المفردات على مستوى الجملة القرآنية،

لأن التأكيد يدعو إلى مثل هذا النبر ليكون أكثر إيقاعاً في أذن السامع أو المتلقي وذلك لأهميتها، وبما أن الخطاب موجه إلى مجموعة معينة فإنك تستشعر من خلال هذا التركيز على تلك المقاطع المنبورة وخاصة في مقاطع (نون التوكيد) تستشعر مقدار الإغراء في أداء هذه الشعائر، وكان هناك خشية من تركها أو التهاون بها وعدم التمسك في أدائها، ثم أن كثرة المدود فيها والذي بلغ ضعف ما وجد في القسم الثاني من الآية من خلال وجود المقاطع الصوتية الطويلة المفتوحة، هو الآخر يدعم أهمية النبر لزيادة الاستدلال على المعنى المطلوب، إذ إن طول النفس المصاحب للنبر يعزز تلك المعاني المطلوبة والمؤكد عليها.

فيما كان في قوله تعالى من الآية ذاتها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) أن مواقع النبر تكون في (إنما، ليذهب) الجملة الاعتراضية (أهل البيت)، وهذه تمثل النصف عما سبقها، وكذلك هي المقاطع الطويلة المفتوحة قد وصلت إلى نصف القسم منها، بيد أن السياق المفترض أن تجري الآية الواحدة ـ وخاصة القصيرة منها ـ على النسق ذاته من التوازن في عدد المقاطع لكل جملة، لكن اختلاف الغرض قد عمل هذا الاختلاف فيها.

ففي سياق الأمر أكثر النبر والمدود، لكنه في سياق الإخبار قد اقتصر على النصف من ذلك، لأنه لا يوجد مبرر لمثل هذا العدد من النبر والمد، ثم أن طبيعة الإخبار تقتضي ذلك، فكان ذلك لأجل المفارقة، إذ إن لكل سياق دلالته الخاصة به، وبالنتيجة له مقاطعه ومواقع نبره التي تتسق معه.

إن توظيف النبر والمقاطع الصوتية الطويلة في قسمي الآية المباركة كان توظيفاً يتفق كثيراً مع الدلالة العامة والخاصة، إذ إنه خصص أغراضاً إضافية ممثلة في التأكيد والإغراء، أو أنه شدد على أهمية دلالات تلك المفردات التي أشرت إليها سابقاً، وهذا ما أشار إليه الدكتور كمال بشر في أن للنبر وظيفة إظهار ملامح إضافية للمعنى(13).

فضلاً عن ذلك فإننا نجد في (اللغة العربية أساليب بعينها تقتضي مكوناتها ـ مهما كانت أجناسها الصرفية ـ نبراً أقوى وأشد، تأكيداً لمدلولاتها ومقاصدها البنائية الخاصة التي جاءت هذه الأساليب وفقاً لمقتضياتها، من هذه الأساليب، أساليب التحذير والإغراء والتعجب والاختصاص، فكلها بمكوناتها تتلقى حتماً نبراً أشد وأقوى مما تتلقاه هذه المكونات في أساليب أخرى)(14).

وهذا واضح جداً في الآية المباركة إذ كثر في صدرها أسلوب الأمر المليء بالتحذير والإغراء، فكثر معه النبر، فيما كان عجز الآية المباركة قد غاب عنه الأمر، لأنها كانت تخبر عن شيء، وعندما أراد التأكيد استعمل النبر في موضعين إرادة التخصيص في (إنما، أهل البيت).

لقد جاءت وظائف النبر في قسمي الآية مختلفة، إذ وظف في صورها لبيان الأمر والتحذير من معنى معين، فيما وظفه في القسم الآخر لدلالة التخصيص، فكان القسمان مختلفين في الدلالة والوظيفة.

الذي يبدو لي من هذا أن الجمل الإنشائية الطلبية والتي تتسم بها الآيات التي قبل آية التطهير والتي بعدها، تتسم كلها بمطابع كثرة المقاطع المنبورة، وهذا من طبيعة هذه الجمل لما فيها من أمر ونهي ونداء، وكلها تستدعي التأكيد على مقطع معين من ألفاظها لتعزز الطلب وتجلب الانتباه للمراد منها، فيما يقل ذلك في الجمل الخبرية، لأنه لا يوجد ما يبرر سلوك هذا الطريق إلا في القليل، ولذلك نجد افتراق الآيات عن بعضها لفظاً ومضموناً، والله أعلم.

ثالثاً: بناءً على ما جاء في النقطتين أو المحورين السابقين من اختلاف سياق القسم الثاني من الآية المباركة عن قسمها الأول معنىً ولفظاً، فإن القارئ يستشعر منها مطلوباً آخر قد أبهم في ثنايا ألفاظها، وهو التعرض لمعنى آخر ودلالة اخرى، غير تلك الدلالة الظاهرة، نستشعر ذلك من خلال استعمال اللفظة (إنما)، إذ نجدها قد علقت في القلب واستوت فيه لما تشير به إلى معنى آخر غير ما هو ظاهر، يقول عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) في (إنما): (ثم اعلم أنك إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما نرى بالقلب، إذا كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه)(15).

أي أن (إنما) قد تضيف معنى آخر يكون أعلق في القلب إذا تجاوز ظاهرها القول وعرض إلى غيره، لأن ظاهر المعنى قد يكون غير منسجم مع المراد، لكن القرائن اللفظية هي التي توحي إلى معنى أعمق وأدل من المعنى الظاهر، مع العلم أن كلا المعنيين مطلوبان في الوقت ذاته، يقول السيد ابن معصوم (ت 1120هـ): (التعريض هو الإتيان بكلام مشار به إلى جانب هو المطلوب، وإبهام أن الغرض جانب آخر)(16)، وهذا مما يدعم طلب المعنيين في آن واحد، المعنى الظاهر والمعنى الآخر.

فالمعنى الظاهر ـ كما اتضح ـ موجه إلى تخصيص إذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام)، والمعنى الذي تعرض له هو ذم المخالفين لمفهوم الآية، وهذا ما أشار إليه الزركشي (ت 794هـ) في معنى التعريض: (أنه الدلالة على المعنى من طريق المفهوم وسمي تعريضاً لأن المعنى باعتباره يفهم من عرض اللفظ، أي من جانبه)(17)،

وقد تعرض الزركشي لقوله تعالى: (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ)(18) فقال: (المقصود التعريض بذم من ليست له هذه الخشية وأن يعرف أنه لفرط عناده كأنه ليس له أذن تسمع ولا قلب يعقل وأن الإنذار له كلا إنذار، وأنه قد أنذر من له هذه الصفة وليست له)(19)، وكذلك أن الذي جاء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) كان من معانيه التعريض بذم من ليست لهم هذه الصفة من المقربين له، وجعل لهم مثلاً في (أهل البيت)(عليهم السلام).

على أن غير أهل البيت قد خرج فعلاً عن نطاق مفهوم آية التطهير، وذلك حين (تضاهرا عليه)(20) وحين لم يقرن في بيوتهن(21) حتى بالغ في عتابهن حين قال تعالى: (إن تتوبا)(22) وهذا (خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، وعن ابن عباس، إنه سأل عمر بن الخطاب، فقال: هما حفصة وعائشة)(23)، وروي أنه طلق حفصة تطليقة جراء عدم كتمان ما أسرها به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم راجعها بأمر من الله تعالى(24).

وهذا في حقيقة الأمر ذنب اقترف من قبل كمخاطبين بهذه الآية المباركة وخروج عن التقوى الذي كان من المفترض أن تكون المخاطبات به أكثر التصاقاً بهذا المفهوم وأشد التزاماً من غيرهن فيه، فاستعار تعالى (للذنوب: الرجس، والتقوى: الطهر، لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض مها نقي مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه ويرغبهم فيما رضي لهم وأمرهم به)(25).

هكذا يكون التعريض بهذا المعنى الذي أبهم في ظاهر الآية المباركة يكون أوقع أثراً واشد تأثيراً من خلال هذا الأسلوب الذي أفصح أشد الإفصاح عن المعاني المتوخاة فيه والكشف عن المضامين التي اكتنفها النص الكريم.

لقد أوردت هذه المعاني التي تضمنتها آية التطير، والتي تكاد تكون خافية في ظاهرها، لا يعني أنه لا توجد علاقة بينها وبين سابقتها أو لاحقتها من الآيات المباركات في النسيج أو الأسلوب، لا بل أوردت ذلك لبيان حقيقة أهل البيتِ(عليهم السلام) فيها والى أن نسج القرآن مترابط الأجزاء ويفسر بعضه بعضاً، وعمارة القرآن منسجمة الأجزاء متراصة البنيان، سواء اختلفت الأساليب في جملها أم تجاورت آياتها أو تباعدت.

ومما يعزز أن أهل البيت(عليهم السلام) المذكورين في آية التطهر هم غير نساء النبي(صلى الله عليه وآله) ما أورده الأثر في سبب نزولها وظروف مجيئها ومقام ورودها.

لقد أورد الأستاذ كاظم الفتلاوي أكثر من مئة وأربعين مصدراً ومؤلفاً روت أن آية التطهير كانت في علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)(26).

وقد (روي عن أم سلمة أنها قالت: إن النبي(صلى الله عليه وآله) كان في بيتي فاستدعا علياً وفاطمة والحسن والحسين وجللهم بعباءة خيبرية، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم وطهرهم تطهيراً، فأنزل الله تعالى قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))(27).

وقد أورد هذا الحديث وبطرق مختلفة كثير من مصادر أهل السنة والجماعة منهم: ابن كثير وذكر ذلك من طرق متعددة كثيرة، لكنه في النهاية رجح دخول أزواج النبي(صلى الله عليه وآله) في أهل بيته(28).

وقد أنكر بعضهم على من استدل بنزولها في زوجات النبي(صلى الله عليه وآله)، قال أبو حيان الأندلسي (ت 756هـ): (وقول عكرمة ومقاتل وابن السائب: أن أهل البيت في هذه الآية مختص بزوجاته ليس بجيد، إذ لو كان كما قالوا، لكان التركيب: عنكن ويطهركن… وقال أبو سعيد الخدري هو خاص برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وروي نحوه عن أنس وعائشة وأم سلمة)(29).

وقد نقل السيوطي حديثاً أخرجه الترمذي قال فيه: (إنها لما نزلت دعا النبي(صلى الله عليه وآله) فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً، قال: الله هؤلاء أهل بيتي)(30).

فيما شذ عكرمة ومن هو على هواه إن أهل البيت خاصة في زوجاته(31)، حتى قال: (من شاء باهلته إنها نزلت فيهن)(32).
معروف عن عكرمة هذا، إنه كان يرى رأي الخوارج، وعنه أخذ الخوارج الذين في المغرب، وأنه كان كذاباً، وعن ابن المسيب أنه كذب عكرمة، وعن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد الله بن العباس فإذا عكرمة في وثاق، فقلت: ألا تتقي الله؟ فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي، وعن مطرف بن عبد الله قال: سمعت أن مالكاً كان يكره أن يذكر عكرمة ولا يرى أن يروي عنه، وعن أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكاً حدث بشيء لعكرمة إلا في مسألة واحدة.

ويقال: مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد، فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة.
وهذا قليل من كثير فيما روي من مأثور الحديث الذي يدل على سقوط هذا الراوي وكذبه(33).
اللهم اجعلنا ممن لزم آل بيت محمد(صلى الله عليه وآله) ومن السائرين على دربهم والموالين لأوليائهم والمعادين لأعدائهم آمين رب العالمين. وصلى الله على محمد وآل محمد.

نشرت في العدد 20


(1) نهج البلاغة من خطبة أولها: (يعلم عجيج الوحوش).
(2) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 28ـ34.
(4) أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، ص76ـ77.
(5) ظ: الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 8/306.
(6) الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص330ـ331.
(7) سورة يس، الآية: 11.
(8) ابن منظور، لسان العرب.
(9) د. فاضل السامرائي، معاني النحو، 1/301.
(10) العكبري، إملاء ما من به الرحمن، 2/193.
(11) كمال الانقطاع: هو اختلاف الجملتين اختلافاً تاماً، بأن يختلفا خبراً وإنشاءً في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط، أو أن لا تكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل بنفسه.
(12) المقطع الصوتي الطويل المفتوح: هو المقطع المكون من صامت واحد يتبعه حركة طويلة نحو (في، لي).
(13) ظ: كمال بشر، علم الأصوات، ص523ـ524.
(14) م. ن: ص522.
(15) الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص354.
(16) ابن معصوم، أنوار الربيع في أنواع البديع، 6/60.
(17) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 2/195.
(18) سورة فاطر، الآية: 18.
(19) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 2/195.
(20) سورة التحريم، من الآية: 4.
(21) إشارة إلى قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ…)، سورة الأحزاب، من الآية: 33. ومعركة الجمل.
(22) سورة التحريم، من الآية: 4.
(23) السيوطي، مفحمات الاقتران في مبهمات القرآن، ص110، ظ: الزمخشري، الكشاف، 4/570.
(24) ظ: الزمخشري، الكشاف، 4/567، الطوسي، التبيان، 10/47، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/387.
(25) الزمخشري، الكشاف، 3/546.
(26) كاظم الفتلاوي، الكشاف المنتقى لفضائل علي المرتضى، ص65ـ72.
(27) الطوسي، التبيان، 8/307.
(28) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/483ـ486.
(29) أبو حيان، البحر المحيط، 7/305ـ306.
(30) السيوطي، مفحمات الاقتران في مبهمات القرآن، ص86ـ87.
(31) الطوسي، التبيان، 8/308، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/486، السيوطي، مفحمات الاقتران في مبهمات القرآن، ص86ـ87.
(32) السيوطي، مفحمات الاقتران في مبهمات القرآن، ص86ـ87.
(33) ظ: ابن حجر، تهذيب التهذيب، 7/238ـ240، ابن حجر، فتح الباري، 1/425ـ426، الزركلي، الأعلام، 4/244، شرف الدين، الفصول المهمة في تأليف الأمة، ص209ـ211.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.