Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة النص

0 233

  تمهيد
القراءة لغة: للقراءة في اللغة معان عدة. فهي تعني الجمع والضم وتأتي بمعنى الوقت. وتأتي بمعنى التتبع لجزيئات شيء، فقرأت الكتاب قراءة أي تتبعت كلماته نظراً ونطقاً بها أو تتبعت كلماته نظراً دون نطق(1).

القراءة اصطلاحاً
هي من المصطلحات الحديثة في النقد خاصة وتعني فهم النص وتفسيره وشرحه أو إعادة تشكيله على وفق رؤية القارئ ومنهجه، وهي في الدراسات القرآنية طريقة أداء الموضع في الآية صوتاً أو بنية أو تركيباً على وفق رواية القارئ عن شيوخه وعلى رأي عالم الاجتماع جان كلود باسرون إن القراءة أحد أكثر الأفعال الأدبية تعدداً في الشكل(2).

النص لغةً
هو الرفع ومنصة العروس مكانها البارز لترى بين النساء والنص أيضاً السير الشديد والحث وهو أقصى الشيء وغايته… والنص رفعك في شيء وإسناده إلى الأصل الذي صدر عنه. تقول: نصَّ الحديث ينصه أي رفعه وأسنده إلى من صدر عنه(3).
أما النص اصطلاحاً فقد جاء عن طريق المجاز، فبدلاً من دلالته على رفع المتن دلّ على المتن نفسه. ويعرّفه المعجم: إنه صيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف، وهي مولّدة استعملت قديماً بعد عصر الرواية ومنه قولهم: لا اجتهاد مع النص أو في مورد النص وهو عند الأصوليين: الكتاب والسنة أي ما دلّ ظاهر لفظهما عليه من الأحكام.
وللنص تعاريف عدة لدى المحدثين كل بحسب منهجه ونظرته المعرفية وقد أمكن تركيب التعريف الآتي منها، فالنص (مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة)(4).

العناية بالنص وقراءته
كان النص الأدبي موضع عناية منذ عرف لدى اليونان والعرب وغيرهم من الأمم لكنّ هذه العناية كانت تختلف باختلاف المراحل التاريخية والحضارية. فقد خضع النص الأدبي للشفاهية في تلقيه قبل شيوع الكتابة والتدوين؛ لذا كان النظر فيه وتحليله خاضعاً للذوق والأحكام السريعة والتغيير أيضاً، وبعد العصر الإسلامي دخلت العناية بالنص وقراءته مرحلة جديدة، فقد توجهت العناية إلى كل من النص القرآني والنص الأدبي والشعري والنثري.

فكانت قراءة النص القرآني موضع عناية فائقة لدى العلماء حتى نشأ علم في الدراسات القرآنية هو علم القراءات، وكان له ضوابطه وأحكامه وقواعده، فجعلت القراءات القرآنية على مراتب بحسب تلك الضوابط والقواعد.
وظهر أيضاً تعدد قراءة القرآن في اختلاف تفسيره وتأويله خصوصاً في قراءته اللغوية والصوفية والمذهبية. وقد كان للقراءات القرآنية اثر في ظهور مباحث طريفة ومهمة في دراسات الأصوات العربية.

وأما النص الشعري فقد كانت قراءته وروايته في وقت مبكر إذ قوي الاهتمام به وبتدوينه في القرن الثاني من القرن الأول للهجرة. انصب الاهتمام أولاً على الشعر الجاهلي ثم شعر العصور التي أعقبته. وقد تعددت قراءته أيضاً فكانت القراءة اللغوية تعنى بالشكل وأداءه الصوتي ولقراءة النقدية والبلاغية تعنى بمعانيه وصوره وتحليله وقد أشار الجاحظ وابن قتيبة إلى أشياء من ذلك وكان من آثار ذلك ظهور مجموعة كبيرة من المصنفات تعكس تعدد القراءات الشارحة ظهرت في كتب إعراب القران ومعانيه وتفسيره وإن لم تخل في مواضع كثيرة من التأويل.

كما ظهرت شروح دواوين الشعراء وشروح شعر القبائل والحماسات المختلفة والاختيارات الشعرية التي استمرت حتى العصر الحديث ويسميها بعض المتنطّعين بـ(الانتولوجي أو الانطولوجي) فكان اختيار أدونيس من الشعر العربي وكذا الجمهرة للجواهري وغيرهما فاختيارهم وتنسيقهم المواد المنتقاة يظهر فيه إبداع فكري كل ذلك يمثل قراءة مؤليفها فقراءة الشعر تعبر عن اتجاه القارئ ورؤيته، وقديماً أشار الجاحظ معبراً عن تعدد قراءة الشعر في قوله: (ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل ورأيت عامتهم، فقد طالت مشاهدتي لهم،

لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام فيه ماء ورونق وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم وفتحت للسان باب البلاغة ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعاني ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتّاب أعم وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر)(5).

والى جانب القراءة الشارحة المذكورة كانت قراءة تأويلية فيها إنتاج لأفكار وصور ورموز تستوحى من النص فيظهر فيها إبداع القارئ وآفاقه المعرفية وهو ما تمثل بقراءة المتصوفة وأصحاب المذاهب للنص القرآني وكذا نصوص الشعر كما هو في تفسير (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي و(الفتوحات المكية) لابن عربي وتهويمات الصوفيين في قراءة أشعارهم وتفسيرها والتحليق في آفاق رموزها.

لقد اتسعت العناية بقراءة النص في العصر الحديث مع اتساع العلوم الإنسانية وتطور البحوث اللسانية في الغرب خاصة، فبعد المرحلة الرومانسية التي كان الاهتمام فيها يركز على مؤلف النص ظهر المنهج البنيوي رداً على ذلك فتجاهل المؤلف واكتفى بالنص ومن النصيين من أعلن موت المؤلف واكتفى بقراءة النص وتحليله باعتبار نصاً مكتفياً. كانت بدايتهم حالة جديدة من الوعي مرتبطة بالاستيعاب لعهد الطباعة وضمور التقليد البلاغي القديم وأهم هؤلاء النصيين رولان بارت وجاك لاكان وغريماس وتودوروف وفوكو..(6)، ثم ظهرت نظريات في التلقي والقراءة التي وجهت العناية إلى القارئ الناقد وجعلته محوراً في القراءة فكان جاك دويدا فيلسوف التفكيكية كما سيأتي.

 

النص وتعدد القراءة
لا يختلف الدارسون في أن تناول الأدب يكون في النظر إلى لغته باعتبار أن الأدب استعمال خاص للغة لكنهم يختلفون في قراءة هذا الاستعمال اللغوي. واللغة نظام من الرموز يضم أنظمة وظيفتها تنظيم التعبير باللغة، ولكي يكون التعبير عن طريق هذه الأنظمة واضحاً وهو الغاية من اللغة يكون لكل نظام ضوابط يلتزم بها الناطق بتلك اللغة فإذا استطاع الخروج على بعضها فهو لا يستطيع الخروج عليها جميعاً وإلا خرج على اللغة نفسها وخلق لغة خاصة، وهو ما لا يقبله أهل اللغة ويرفضون الاستماع إليه بعدم الانتباه إلى ما يكتبه.

فاللغة يتلقاها الأديب وغيره من بيئته لكن الأدب استعمال خاص للغة كما ذكرت، فلابد من أن يكون للأديب فسحة من الحرية في استعمال هذه اللغة ليكون لاستعماله خصائص تميزه،ومجال حرية الأديب في استعمال اللغة هو ما عدّ خصائص أسلوبية. فلكل أديب مجال أسلوبي يستعمله على وفق قدرته وتمكنه من اللغة، وإبداع الأديب يأتي من قدرته على استعمال اللغة واستغلال طاقاتها وإمكانياتها بما يأتي به من صور للاستعمال الجديد. وتعدد قراءة النص يأتي من هذه الزاوية في استعمال الأديب اللغة استعمالاً خاصاً.

لقد شغلت قضية تعدد الوجوه في القراءة وتعدد المعنى تاريخ الفكر الإسلامي كما شغلت النقد الحديث وأثارت الجدل والحوار في مجالات عدة حتى تكون الاعتقاد بان النص الخالد هو الذي يخفي طاقات ووجوهاً لقراءات متعددة في عصور متعاقبة أو في العصر الواحد. هذا إذا اعتبرنا القراءة فناً يخترق الحواجز القائمة بين القارئ والنص، فالقراءة (تجعل الفهم غرضاً أو واحداً من أغراضها ليس فهم النص كما فهمه مؤلفه وإنما أحسن مما فهمه مؤلفه)(7).

أستطيع أن أرجع أهم أسباب تعدد القراءة إلى ما يأتي:
1ـ الغموض: وهو من خصائص النص الأدبي يمتاز بها عن غيره من النصوص(8). وكان للنقاد القدماء موقفان من الغموض في الشعر خاصة:

أحدهما وقف منه موقف المزدري له سواء أكان في مجال الألفاظ الغريبة أم المشترك اللفظي أم الغموض الفني الذي يكون في صوره وإدراك معانيه. من ذلك موقف الآمدي من الغموض في شعر أبي تمام(9).

أما الموقف الثاني فقد عدّه من صفات الشعر الجيد فالشعر عنده أن لا يعطي نفسه من القراءة الأولى. وتجد نشوة في جهدك لفهمه وتأمل صوره ومعانيه(10).

وأما الشعر الحديث فالغموض سمة من سماته، وقد أطال النقاد الحديث فيه وألفوا في أنماطه(11)، وكانت لهم نظريات في قراءته وتأويله، وكانت لهم أيضاً مواقف من شدة الإبهام أو الغموض العبثي كما كان في قراءة شعر (رامبو) وهو معدود من الرمزيين وقد اختلف ناقدان في قراءته فريفاتير يرى أن هذا الشعر قابل للتفسير أما تودوروف فيرى أن هذا الشعر لا يمكن تحديد معناه وكلاهما لا يرى أن يكون الغموض عبثاً في الشعر الحديث فينظم بلا رابط ويفسر بلا ضابط(12).

وقد فسر رتشاردز الوحدة في شعر اليوت الذي بدأ غامضاً ملتبساً لدى قرائه لتطبيقهم مقاييس الوحدة الموضوعية في النقد الرومانسي فأوجد هذا الناقد معنى جديداً لوحدة القصيدة، فهي عنده ليست وحدة فكرية كما كان المألوف في تفسير الوحدة العضوية في القصيدة لكنها وحدة شعورية، فالشعر عند اليوت (يأتي غالباً في لغة مزدحمة بالدلالات الانثربولوجية والإشارات الادبية ولا يأتي بسيطاً أبداً بل هو دائماً ملتبس)(13)،

وبدلاً من تسميتها بالوحدة العضوية جعلها وحدة تأليفية أشبه بتأليف الموسيقى سماها(موسيقى الأفكار)(14)، واقترح الدكتور شكري عياد الإفادة من ذلك في دراسة شعرنا القديم(15).

إن الغموض يؤدي إلى تعدد قراءة النص، فالشاعر يستعمل اللغة بأسلوبه والقارئ يتأول ما يقرأه ليصل إلى معنى المراد أو المفهوم الذي هو غاية طرفي الاستعمال: الشاعر والمتلقي شرط أن لا يتجاوز الشاعر العلاقات اللغوية والقرائن اللفظية أو المعنوية وضوابطها في تركيبه بحيث يؤدي تركيبه إلى لبسٍ لا يفهمه القارئ ولو كان ناقداً ذكياً وهذا ما يختلف مع القراءة التفكيكية.

2ـ اختلاف المناهج: يؤدي اختلاف المناهج بالضرورة إلى تعدد القراءة وتعدد المعنى للنص الواحد. وهي قضية عرفتها قراءة النص منذ القديم، وقد مرت بنا أمثلة في قول الجاحظ وفي النصوص الصوفية والشعرية وفي النص القرآني وتعدد قراءته حتى (قال بعض علماء التفسير: لا يفقه المرء حتى يرى القران وجوهاً وذهب بعض الفرق إلى أن الآيات لها ظاهر وباطن)(16).
وأقرب نص شعري قديم لدينا كان للنقاد فيه قراءات متعددة وأحكام مختلفة(17) الأبيات:

ولما قضينا من منى كل حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارى رحالنا
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطي الأباطح
قرأها ابن قتيبة على وفق منهجه في قضايا اللفظ والمعنى وقسم الشعر على الثنائية إلى أربعة أضرب عدّ هذه الأبيات من الضرب الثاني الذي (حسن لفظه وحلا فإذا أنت فتشته لم تجد هنا فائدة في المعنى)(18).

أما ابن جني وعبد القاهر الجرجاني فقد قرأها قراءة إعجاب في لغتها وصورها الشعرية وإصابة غرضها وحسن نظمها حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع(19) فقد وصلا بين السمع(أي: الزمان) والشعور بالمسموع وتجاوزا النظر (أي: المكان)؛ لأن الشعر العربي تغلب عليه الشفاهية كما هو معروف، وكذلك كانت قراءة ابن الأثير للصور الفنية وحيويتها في الأبيات وقد قرأها جملة من الأدباء الأساتذة المعاصرين فوجدت قراءاتهم تختلف في تأويلها لكنها جميعاً تتفق على كونها لوحة فنية فهي على سهولة عباراتها تلمح فيها قدرة شاعرية تستطيع تشكيل الصور الفنية بمادة اللغة.

والمناهج الحديثة في النقد قرأت الشعر القديم والحديث قراءات متعددة فالمنهج النفسي لا تطابق قراءاته قراءة المنهج البنيوي للنص وكذا أصحاب الأسلوبيات ثم جاء التفكيكيون فقالوا في الأعمال الأدبية الجيدة: إنها (تلك التي تخلق أعمالاً أخرى، لأن كل عمل جديد هو في الحقيقة قراءة خاطئة لعمل سابق)(20) فالمنهج البنيوي كان يقدس النص فانطلق منه أما التفكيكي فقد انحاز إلى القارئ فصدر عنه.

لقد أعطت التفكيكية سلطة مطلقة للقارئ بافتراض موت المؤلف فهي تذهب في تأويل النص بلا حدود فكأنها تعيد الاعتبار للقارئ الذي كان مستبعداً في البنيوية من دائرة التأويل فلا اعتبار في التفكيكية لأي سياق عام أو خاص خارج النص أو داخله إذ ليس المقصود الوصول إلى حقيقة أو يقين فهذا يخالف واحداً من مميزات الاتجاه التفكيكي وهو الشغف باللايقين. لا تبحث التفكيكية عن تجانس صوتي أو دلالي أو نحوي خاص بالنص وإنما عن تمفصلاته وتشذراته تبحث عن اجتماعات الأضداد المتعذر تبسطها فيه وعن تناقضاته ومآزقه المنطقية وهذا عند التفكيكيين من أخلاقيات القراءة(21).

يبدو لي أن قراءة التفكيك وما يتصل بها من فلسفة كان فيها اجتهادات بعضها تطرف في التطبيق أو في القضايا النظرية فإذا أخذنا بالمقولة: إن النص يعني أي شيء يرغب فيه القارئ أن يعينه(22)، وإن القراءة التفكيكية تذهب في تأويل النص بلا حدود تكون بهذا التأويل المفرط الذي ميزه ايكو نفسه عن التأويل نكون قد فقدنا رؤيتنا في التمييز بين النصوص نفسها وإنما يستطيع القارئ أن يؤلف ما يريد كما يريد على رؤيته مؤولاً ما يراه في النص وكل شيء قابل للإفراط في التأويل.

اختلاف القراءة اختلاف القارئ
نحن نعلم أن القراءة لا تختلف باختلاف النص فقط إنما هي تختلف باختلاف القارئ أيضاً فالقارئ المستهلك للنص يعد قارئاً تقليدياً ليس له هدف في قراءته سوى الاحتفاظ بمتعة سطحية، أما القارئ الناقد فيكون له موقف آخر فقد يكون هدفه تفسير النص وشرحه وبيان ما فيه من إشكاليات. أما إذا كان هدف القارئ إعادة كتابة النص على تعبير البنيويين واكتشاف عوالم كامنة فيه وتفجير طاقاته الرمزية والدلالية وتصوير أثره في القارئ فهذه القراءة سماها بعض النقاد القراءة الشعرية أو الخالقة(23)

فهي تحتاج إلى قارئ واع ذي معرفة واسعة يمتلك آليات القراءة المناسبة للنص المقروء فالنص غير التقليدي لا يقرأ بآليات تقليدية شرط أن يكون النص مختزناً بالمعاني والدلالات مع تجربة فنية ذات أبعاد إنسانية وان كانت ذاتية. فالقارئ هنا تنفتح له آفاق في عالم النص في كل قراءة. فقراءته الثانية تكتشف في النص آفاقاً لم تكتشفها الأولى وقد يجد في القراءة الثالثة عوالم وأسراراً لم يجدها في الأولى ولا الثانية. فالقراءة هنا لا تكون بمعناها المعجمي تتبع لكلمات النص نظراً ونطقاً أو نظراً فقط، إنما تكون باقتحام عالم النص والغوص في تجربة المبدع من خلال محاولة افتضاضه واكتشاف آفاقه وأغواره؛ لهذا وصف خلود العمل الأدبي (لا لأنه يعطي معنى واحداً لأناس مختلفين بل لأنه يوحي بمعان مختلفة لرجلٍ واحد فهو يتكلم لغة رمزية واحدة لكل العصور)(24).

هذه رؤيتي وفهمي لقراءة النص أن لا يحجب المؤلف ويبعد كما في البنيوية ولا تطلق سلطة القارئ كما في التفكيكية وإنما غاية القراءة الوصول إلى الفهم والقصد حتى إذا كان غير قصد المؤلف أو أوسع من قصده ولكن لا يناقضه وإلا أضعنا النص واضعنا سياقه معاً.

أما الغموض والإبهام المتعمد في الشعر الحديث فهو لدى الغربيين انعكاس لمراحل تطور مروا بها في مختلف مذاهبهم الأدبية والنقدية والفلسفية، وإن قراءتنا للنظريات الغربية وعدم فهمها في سياقها التاريخي تبدو هي العلة في كثير من الأحيان. فالمراحل التي مر بها الغرب أنتجت قيماً وآليات للنص وقراءته. فالثورة الصناعية وما صحبها وأعقبها من التطور العلمي والفكري وظهور الحداثة وما بعد الحداثة وما كان معهما من نظريات ومناهج كل ذلك لا نراعيه حين نقرأ نظرية ثم نحاول أن نطبقها فكأننا نحاول أن نقفز على الثورة الصناعية وحاجاتها لنعيش ما عرف بالتقليعات الأدبية نعيشها نظرياً فنقع في التقليد، لذلك نحس بالغرابة من تطبيق النظريات، والغرابة التي نحس بها تختلف عن الغرابة التي يحس بها الغربي من تطبيق نظرياته والصراع لتطبيقها،

فتلك الغرابة معها آليات للقراءة مناسبة نبعت من تجاربهم الأدبية والعلمية. أما نحن فنأخذ النظرية جاهزة ونقرأها بطريقتنا لنواجه تناقضاً في تطبيقها وعندما نصر على تطبيقها نشكو من القارئ؛ لذلك وجدنا شاعراً مثل أدونيس يعلن في حوار معه قائلاً: ليس لي جمهور ولا أريد جمهوراً. وكذلك محمد عفيف مطر يجيب عن الفجوة بين شعر الحداثة والقارئ فيقول: من القارئ؟ أهو من يعرف القراءة والكتابة أم طالب الجامعة أم المثقف؟ أنا لا أعرف القارئ إنما أعرف ما أقول أنا(25).

وقد أعلن أحد نقاد ما بعد الحداثة الكاتب الأمريكي جون بارت قائلاً: إننا مع نصوص أدب الحداثة بحاجة إلى مرشد بسبب هذه الصعوبة الخفية فيها.
لقد طرح السؤال الكبير منذ نصف قرن ما الأدب؟ ولمن نكتبه؟ فتشققت الإجابة وتشظت الآراء.

وآخر ما أخرج إليه هو أن النص ينبغي أن لا يتعرض لعبث المؤلف بتعمده تعمية قراءته ولا لعبث القارئ ليغرق في شطحاته ولعبه ولا يخلو من التقييم الفني أو العلمي لا التقييم التعليمي كما يذهب إليه بعض الناقدين فغاية النقد إظهار القيمة الجمالية للعمل الأدبي كما يقول إليوت(26).

نشرت في العدد 19


(1) انظر الصحاح (قرأ)، لسان العرب (قرأ)، المعجم الوسيط (قرأ).
(2) انظر معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب مجدي وهبة وكامل المهندس (القراءة).
(3) قضايا أدبية عامة- ايمانول فريس، برنارموراليس- ترجمة لطيف زيتوني 146.
(4) أنظر تفصيل ذلك في: تحليل الخطاب الشعري، محمد مفتاح 119-120، وأنظر أيضاً علم اللغة والدراسات الأدبية، برند شبلنر، ترجمة محمود جاد الرب 187.
(5) البيان والتبيين: 4/24.
(6) الشفاهية والكتابية- والترج أونج، ترجمة حسن البنا،288.
(7) إشكاليات القراءة وآليات التلقي، نصر حامد أبو زيد22.
(8) أنظر: دائرة الإبداع، د. شكري عياد 149.
(9) أنظر: الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي 10-11، وأنظر لغة الشعر عند المعري زهير زاهد 78-79.
(10) أنظر: كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري 64، أسرار البلاغة للجرجاني 126.
(11) أعني كتاب أمبسون (سبعة أنواع من الالتباس)، دائرة الإبداع 146.
(12) أنظر: دائرة الإبداع 148.
(13) انظر: المصدر السابق 145-146.
(14) أنظر: المصدر السابق 145-146.
(15) أنظر: المصدر السابق 145-146.
(16) دائرة الإبداع 149، وأنظر مذاهب التفسير الإسلامي جولد زيهر 201-210.
(17) أنظر: تفصيل ذلك في مواقف النقاد بحث(نماذج من التناول النقدي) عيسى عاكوب في مجلة كلية الدعوة، ليبيا، العدد العاشر 340-369.
(18) الشعر والشعراء 13.
(19) الخصائص 1/218-220، أسرار البلاغة 21ـ22.
(20) دائرة الإبداع 159.
(21) أنظر: التفكيكية، بيرزيما، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية 1966، ص105ـ108.
(22) أنظر: التأويل والتأويل المفرط، امبرتو ايكو، ترجمة ناصر الحلواني، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ص192.
(23) هي تسمية الناقد الفرنسي تودوروف، أنظر: البنيوية وعلم الإشارة توفس هوكز، 104-105، وأنظر المدخل اللغوي في نقد الشعر لمصطفى السعدني 24.
(24) البنيوية وعلم الإشارة 147.
(25) أنظر: الإبهام في شعر الحداثة، د. عبد الرحمن محمد الكعود، عالم المعرفة(279)، ص294.
(26) دائرة الإبداع 62.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.