Take a fresh look at your lifestyle.

الأداء البياني في وصية الإمام الكاظم(عليه السلام) لهشام بن الحكم.. وصفته للعقل

0 250

                   منذ أن أوجد الله سبحانه وتعالى الخليقة، وأسكنها أرضه وسماءه، ومن بين خلقه الإنسان، الذي شرفه وميزه عن بقية الخلق بما أبدعه في صنعه من انساق روحية وعقلية ومظهرية. انتقى لها مبشرين وهداة، ألقى عليهم من نوره واصطفاهم لنفسه، وارتضاهم ليكونوا أسوة لخلقه، ومن بينهم خاتم الأنبياء، محمد الأمين(صلى الله عليه وآله) الذي أضاء الله به ودعا الناس للهدى أجمعين، وعندما ارتقت روحه إلى عليين، أودع علمه وأحكام دينه عند من اختارهم الله دعاة للأمم بعد النبي(صلى الله عليه وآله) فكانوا نوراً أضاء السبل فهدى إليها، وعشيت عنه عيون جهلاً وحنقاً.

ومن بين هؤلاء ـ الدعاة ـ الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) ذلك البدر في السماء مهطع النظرات، ساكب العبرات في صلاة يتردد همسها في كل الأماكن، فهل تراه يسرح بالبعيد الماضي والآتي؟ انه مع ربه في خشوع وتضرع، تلك أمنية الكاظم(عليه السلام)
فقد كان يقول(عليه السلام) في دعائه: (اللهم انك تعلم إني كنت أسالك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت، فلك الحمد)(1).

أية أمنية هذه التي تدعو صاحبها إلى أن يعتقل ويوضع في غياهب السجن في البصرة تارة، وفي بغداد تارة أخرى، ثم يزج في السجن الانفرادي ليقضي شطراً من عمره الكريم حتى استشهاده بالسم…؟؟

نعم، إنها أمنية من يتبع قرآناً إلهياً ونهجاً محمدياً ووصياً علوياً وعترة طاهرة نقية، وظن رؤوس السلطة العباسية بقمعهم الإمام(عليه السلام) وزجه في زنزانات السجن، أنهم يوارون شخصه عن شيعته ومريديه، ويطفئوا نور إمامته ليتمكنوا من الانفراد بسلطانهم فيبقوا في الساحة من دون منافس، وظنوا أنهم بهذه القسوة والعنف سيتمكنون من السيطرة على قلوب شيعة أهل البيت(عليهم السلام) فيحجموا عن التقرب إلى الإمام الكاظم(عليه السلام) ويلوذوا بزوايا بيوتهم، فيصبحوا قهراً وقسراً تحت ظلال عروش الفسقة.

ولكن هيهات منا الذلة، فقد كان الإمام(عليه السلام) يعلم أن الإساءة سترد عليهم إذ أنهم بسجنهم له تهافتت النفوس إليه، وازدادت شوقاً، وارتأى الناس القيام بثورة دفاعاً عنه، وذلك بقيام الثورات ضد السلطة العباسية كثورة الحسين صاحب فخ، وانتفاضة يحيى بن عبد الله المحض.

تعد فترة إمامة موسى الكاظم طويلة نسبياً (148- 183هـ) إلا أنه يلاحظ انه تحرك ثقافياً في ظل ظروف حرجة، أهمها مظاهراً العنف والإرهاب السياسي ضد المعصومين(عليهم السلام)
ومن يسير على نهجهم والتي اتبعها العباسيون من اجل السيطرة على الحكم، وتثبيت سلطانهم.
وقد يبدو للوهلة الأولى، أن هذه الظروف سوف تقلل من إمكانية التحرك الثقافي، إلا أنه(عليه السلام) سجل حضوراً متميزاً في ميادين متنوعة كالفقه والعقائد والأخلاق ومختلف القضايا الثقافية.

ومن بين نماذج نتاجه(عليه السلام) هذه الوصية التي وجهها إلى هشام بن الحكم(2) وهو يخضعها لوحدة موضوعية تتصل بتركيبة الإنسان نفسياً وعقلياً(3) حيث صدرها أولاً بمجموعة من العظات العامة، ثم ختمها بتصنيف علمي لسمات الشخصية أخضعها إلى (75) سمة عقلية ونفسية واجتماعية وجسمية، بحيث تعد وثيقة مهمة جداً في ميدان علم نفس الشخصية(4). وسنحاول في هذه الإلمامة الموجزة أن نعرض الأداء البياني في الوصية والتوظيف الفني فيها من خلال العظات التي نثرها الأمام(عليه السلام).

النص كما ورد في تحف العقول(5)
إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).

يا هشام بن الحكم إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول وأفضى إليهم بالبيان ودلهم على ربوبيته بالإدلاء، فقال: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم). (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار) ـ إلى قوله ـ لآيات لقوم يعقلون). يا هشام قد جعل الله عز وجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). وقال: (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) وقال: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي بعد الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).

يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). وقال: (وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خيرا وأبقى أفلا تعقلون).
يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عز وجل: (ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون).

يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم فقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون).
يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) وقال: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون). وقال: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون). ثم ذم الكثرة فقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله). وقال: (ولكن أكثرهم لا يعلمون). وأكثرهم لا يشعرون).

يا هشام ثم مدح القلة فقال: (وقليل من عبادي الشكور). وقال: (وقليل ما هم) وقال: (وما آمن معه إلا قليل).
يا هشام ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال:(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب): يا هشام إن الله يقول: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب).
يعني العقل. وقال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال: الفهم والعقل.

يا هشام إن لقمان قال لابنه: (تواضع للحق تكن أعقل الناس. يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان وشراعها التوكل وقيمها العقل. ودليلها العلم وسكانها الصبر). يا هشام لكل شئ دليل. ودليل العاقل التفكر ودليل التفكر الصمت. ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع. وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة. ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا.

وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله. يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة. وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه عل هدم عقله. من أظلم نور فكره بطول أمله. ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه. وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله. ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك.

يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة. وغناه في العيلة ومعزه في غير عشيرة. يا هشام نصب الخلق لطاعة الله. ولا نجاة إلا بالطاعة. والطاعة بالعلم. والعلم بالتعلم. والتعلم بالعقل يعتقد. ولا علم إلا من عالم رباني. ومعرفة العالم بالعقل.

يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف. وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب. وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض. يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه. ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله،

فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. يا هشام إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها. إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه. ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما من شئ عبد الله به أفضل من العقل. وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان. والرشد والخير منه مأمولان. وفضل ماله مبذول. وفضل قوله مكفوف.

نصيبه من الدنيا القوت. ولا يشبع من العلم دهره. الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره. والتواضع أحب إليه من الشرف. يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الامر. يا هشام من صدق لسانه زكى عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه. ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره.

يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا. يا هشام لا دين لمن لا مروة له. ولا مروة لمن لا عقل له. وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن أبدانكم ليس له ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها. يا هشام إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: (لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق). وقال الحسن بن علي عليهما السلام: (إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها) قيل :يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: (الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال (إنما يتذكر أولوا الألباب) قال: هم أولوا العقول. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: (مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح. وأدب العلماء زيادة في العقل. وطاعة ولاة العدل تمام العز. واستثمار المال تمام المروة. وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة. وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا. يا هشام،

إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه. ولا يسأل من يخاف منعه. ولا يعد ما لا يقدر عليه. ولا يرجو ما يعنف برجائه. ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه. وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول: (أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب. والاكتساب في الفقر والغنى. وأن تصلوا من قطعكم. وتعفوا عمن ظلمكم. وتعطفوا على من حرمكم. وليكن نظركم عبرا. وصمتكم فكرا. وقولكم ذكرا وطبيعتكم السخاء ، فإنه لا يدخل الجنة بخيل ولا يدخل النار سخي). يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى. والبطن وما وعى. وذكر الموت والبلى. وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره. والنار محفوفة بالشهوات. يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة. ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام وجد في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله. ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله. ومن أحدث حدثا، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. يا هشام أفضل ما يقترب به العبد إلى الله بعد المعرفة به الصلاة وبر الوالدين وترك الحسد والعجب والفخر.

يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا، كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي ابن الحسين عليهما السلام: (إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفئ الظلال ـ ثم قال عليه السلام ـ: أو لا حر يدع (هذه) اللماظة لأهلها ـ يعني الدنيا ـ فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس). يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها. وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين: (يا عبيد السوء يهو لكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها.كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها.

يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه، بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما يغدوا ويروح بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب. وإن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله. ورجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله، فشتان بينهما،

فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى. ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبا للدنيا. وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة ولا بالأسد العاتية كما تفعل بالفرائس. كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم. بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا. كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة.

لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة . كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم . يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر. يا هشام مكتوب في الإنجيل (طوبى للمتراحمين، أولئك المرحومون يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة).

يا هشام قلة المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر. وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب والمشاء إلى غير أرب. ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم. فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم. واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. يا هشام تعلم من العلم ما جهلت. وعلم الجاهل مما علمت. عظم العالم لعلمه، ودع منازعته. وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه. يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها. وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق وإنهم لفصحاء عقلاء،

يستبقون إلى الله بالإعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل. يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لأكياس وأبرار) . يا هشام الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار. يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب، فأما الرابح فالذاكر لله. وأما السالم فالساكت. وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه . وكان أبو ذر(رضي الله عنه) يقول: (يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك). يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده ويأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله. إن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي.

التحلــيل
تعد وسائل البيان من الأساليب التي تقرب الصورة إلى الأذهان، وتنقلها إلى المتلقي فتكون بذلك حلقة وصل بين المبدع والمتلقي، ومن أساليب الأداء البياني، التشبيه، الذي نلحظ توظيفه الفني والفكري في الوصية، كما في قوله(عليه السلام) : (يا هشام: إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل)(6) فالتشبيه يتضح من خلال التقابل بين الدنيا والحية، الدنيا برهجها الذي مصيره الزوال، وما تلهمه للناس من شهوات وملذات، فمن ركب سفينتها كان مصيره الغرق، وهي نار الآخرة التي تصليه في يوم الميقات، ثم الحية وملمس جلدها اللين، وما يمنحه من جمال ولطافة تسر الناظر إليها، لكن هذه الملامسة في الجلد يتوارى تحته سم قاتل لا يبرأ أي كائن منه.

ومن التشبيه، قوله(عليه السلام): (يا هشام: مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله)(7) الذي لا يبتعد كثيراً في مضامينه الغنية والفكرية عن سابقه ومنه، قوله(عليه السلام): (يا هشام اياك ومخالطة الناس والأنس بهم إلا أن تجد منهم عاقلاً مأموناً فآنس بهم واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية)(8).

فالتوظيف الغني لهذا التشبيه يزداد حسناً وجمالاً بهذه الصورة المتدفقة بالحياة بمصاديقها المتعارف عليها في البيئة المعاشة، فصورة الإنسان الجاهل غير المأمون تدعو إلى الهرب والنفور منه بشدة، وهي توافق صورة الهرب من السباع لشدة الخوف، فوجه الشبه هو الخوف من الموت، ميتة الجاهل وميتة الإنسان الطبيعية.
ومنه، قوله(عليه السلام): (يا هشام: إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من عرف مجاريها ومنازلها، وكذلك انتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها…)(9) فوجه الشبه عدم القدرة على الفهم والاستيعاب، فالنظر إلى النجوم ممكن لكل إنسان، لكن الاهتداء بها صعب، إلا لمن امتلك زمام العقل والفطنة وعرف منازلها ومجريها، كذلك من يدرس الحكمة، لا يهتدي بها إلا من تمكن منها،وعمل بها بما امتلكه من راجحة عقل وذكاء.

وقد وردت نماذج أخرى كثيرة من التشبيه في الوصية

ومن أساليب الأداء البياني، الاستعارة، التي نراها في قوله: (يا هشام! إياك والطمع… أمت الطمع من المخلوقين)(10) فالاستعارة هنا في غاية الجمال والإبداع، فالإمام(عليه السلام) يبث الحياة والموت في الطمع، فكأنه إنسان يرى، ويتأمل، ويأكل،و… ويموت، فاستطاع الإمام(عليه السلام) أن يصل بالاستعارة إلى أقصى مرامها من خلال استعمال عنصر التشخيص وتوظيفه بخيال رائع خلاب.

ومنها، قوله(عليه السلام): (لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها)(11) الذي لا يبتعد كثيراً عن سابقه، فكأن الحكمة إنسان يحس بالظلم، ولا تخفى براعته(عليه السلام)
في رسم هذه الاستعارة بحيث أمكن تشكيل معادلة منطقية منها: الجاهل + الحكمة = ظلم، وذلك بتوظيف قدرة التشخيص في إعطاء دلالات أعمق وأكثر تأثيراً في نفس المتلقي.

ومنها، قوله: (الحكمة تعمر في قلب المتواضع)(12) فالإمام(عليه السلام) بث الحركة والنشاط في الحكمة، فبدت وكأنها شيء له حياة ينمو وينضج ويعمر، فأعطى بذلك للاستعارة توضيفاً فنياً وبعداً واقعياً من خلال بعثه الحياة في المعنويات.
وقد وردت نماذج أخرى من الاستعارة في الوصية.
ومن أساليب الأداء البياني، الكناية، كما في قوله(عليه السلام): (زاحموا العلماء في مجالسهم، ولو حبوا على الركب…)(13) فهنا كناية عن القدرة على العطاء ولو بشيء قليل، فالرابط بين (الحبو) وهو زحف الطفل قبل المشي، والزحف والمشي بينهما فرق واضح، كذلك الفرق بين العالم ومن هم أقل منه درجة.

ومنها، قوله(عليه السلام): (يا هشام: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين…)(14) الذي هو كناية عن التقلب وعدم الاستقرار على حالة واحدة، فتعدد الأوجه سمة من سمات المنافق، وآية من آيات المتعجرف الشنف.
وقد وردت نماذج أخرى كثيرة من الكناية في الوصية.

هذا ما قدرنا الله أن نقف عليه من أساليب الأداء البياني في وصية الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، وهنالك بقية كثيرة يمكن للقارئ أن يعمر لسانه وقلبه بها، والله المستعان في الأول والآخر.

نشرت في العدد 19


(1) ينظر: الفصول المهمة: 24، وكشف الغمة:3/25، والإرشاد:280.
(2) أبو الحكم هشام بن الحكم البغدادي الكندي مولى بني شيبان ممن اتفق الأصحاب على وثاقته، وعظم قدره، ورفعه منزلته عند الأئمة(عليهم السلام)، وكانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها، صحب أبا عبد الله وبعده الكاظم
والرضا(عليهم السلام) وتوفي سنة 179هـ بالكوفة.
ينظر في ترجمته: رجال الكشي:166 وما بعدها، وتأسيس الشيعة:360.
(3) ينظر: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي:476.
(4) ينظر: المختصر إلى تاريخ الأدب العربي:293، وللتفصيل أكثر ينظر الإسلام وعلم النفس.
(5) ينظر: تحف العقول:286ـ 300.
(6) ينظر: تحف العقول.
(7) ينظر: تحف العقول.
(8) ينظر: تحف العقول.
(9) ينظر: تحف العقول.
(10) ينظر: تحف العقول.
(11) ينظر: تحف العقول.
(12) ينظر: تحف العقول.
(13) ينظر: تحف العقول.
(14) ينظر: تحف العقول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.