Take a fresh look at your lifestyle.

تأصيل فكرة إعجاز القرآن

0 434

             بعد أن تطرقت في العدد (14) من مجلة (ينابيع) إلى فكرة إعجاز القرآن، وتناولت فيها جذور نشأتها منذ أن كانت في مهدها ثم نمت وتطورت بجهود المخلصين من علماء الإسلام ممن عرف عنهم رعايته لعلوم القرآن، وهاأنذا اليوم أواصل الحديث عن تأصيل هذه الفكرة إتماماً للفائدة.

لقد بدأت مرحلة التأصيل هذه عند ظهور أول كتاب يتناول هذه المسألة على وجه الإفراد، مع بزوغ فجر القرن الرابع الهجري.
ولعل أول من تصدى لشرح الإعجاز وبسط القول فيه هو أبو عبد الله بن يزيد الواسطي (ت306هـ) في كتابه (إعجاز القرآن) بيد أنه فقد ولم يصل إلينا(1)، وقد شرحه عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) شرحاً كبيراً سماه (المعتضد) وآخر أصغر منه(2)، ولا يبعد أن يكون الواسطي قد استفاد من كتاب الجاحظ (ت 255هـ) (نظم القرآن) ونبّه عليه حين صنف كتابه هذا.

ثم تصدى لهذه المسألة علماء آخرون منهم أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت386هـ)، فألف رسالته (النكت في إعجاز القرآن)، ففصل القول في الإعجاز وجعل وجوهه تظهر في سبع جهات: ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة.

بيد أنه أكد مسألة البلاغة في إعجاز القرآن وجعلها في ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة، ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، فأعلاها طبقة في الحسن، بلاغة القرآن، وفصل فيها وأجاد، فيما اختصر الرماني في الوجوه الأخرى في الإعجاز(3)، وكأنه يريد أن يقول بأن نظم القرآن وبلاغته أجلى الوجوه وأنصعها في بيان إعجاز القرآن وتحديه للعرب، أي أن التحدي يكون من جنس ما اشتهروا به، وهو البيان.

فيما عرض أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي (ت388هـ) مسألة إعجاز القرآن هذه، وكان متردداً في وجه الإعجاز وذلك لأنه لم يصدر بعد، إذ قال: (قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم بعد صدروا عن رأي، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن)(4).

ثم ذهب إلى قول بعض الناس في إن علة الإعجاز تكمن في الصرفة، وتعد صحة المعجزة بأن تكون أمراً خارجاً عن مجاري العادات ناقضاً لها، وهذا وجه قريب عنده(5)، لكنه استدرك ليدفع عن نفسه هذا القول بدلالة أن الآية تشهد بخلافه ـ حسب ما زعم ـ(6)، وهي قوله تعالى: (لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)(7).

فيما عد أبو بكر الباقلاني (ت403هـ) أوجه الدلالة على إعجاز القرآن تكمن في ثلاثة أوجه(8): أولها: الإخبار عن الغيوب، وثانيها: أنه كان معلوماً من حال النبي محمد(صلى الله عليه وآله) أنه كان أمياً لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ، وثالهما: أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، وقد توسع في الوجه الأخير، مؤكداً فيه بديع نظم القرآن وعجيب تأليفه بما لا يمكن لبشر أن يأتي بمثل بلاغته وحسن تأليفه أبداً ونافياً بذلك مذهب الصرفة،

جرياً وراء عادة أصحابه من الأشاعرة، وناقداً لسابقيه كالجاحظ وغيره في ذلك، وقد تبعه في هذا الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) وعقد لذلك في (الرسالة الشافية) فصلاً (في الذي يلزم القائلين بالصرفة) وأكد أنه يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيهان وذلك أنه يلزم عليه أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان(9).

وحدد القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت415هـ) على أن المعجز في كلام الله تعالى لا يتعلق بالنظم في مفهومه اللغوي وحده دون البلاغة(10)، فطريقة ضم الكلام معززة بالفصاحة التي هي جزالة اللفظ وحسن المعنى، هي الطريقة التي يتم بها إعجاز القرآن الكريم، وقد عبر عن النظم بأنه يظهر في طريقة مخصوصة، وأن يكون مع كل صفة، وهذه الصفة قد تكون بالمواضعة وقد تكون بالإعراب، وقد تكون بالموقع للكلمة في الجملة(11)، وهذا يفضي إلى إمكانية استعمال اللفظة في العبارة بأكثر من طريقة وموقع لأجل إظهار المعنى المطلوب بأحسن الوجوه وأنصعها.

إن آراء القاضي عبد الجبار قد مهدت الطريق هي الأخرى للشيخ عبد القاهر الجرجاني في وضع نظريته في النظم.
أما الشريف المرتضى (ت436هـ) فإنه يذهب مذهباً مخالفاً لأستاذه القاضي المعتزلي في كتابه (الموضح عن جهة إعجاز القرآن) والذي سماه مختصراً بـ(الصرفة) إلى القول بمذهب الصرفة، إذ جمع شتات آرائه المبثوثة في كتبه الأخرى وأبرز أدلته، متأثراً بشيخه المفيد (ت413هـ) الذي سبقه القول بهذا الوجه في إعجاز القرآن(12)، فألف كتابه (الصرفة) معارضاً به من سبقه القول بالنظم، بقوله: (بأن يسلب الله تعالى كل من رام المعارضة وفكر في تكلفها في الحال التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم)(13).

وذهب إلى هذا المذهب كذلك الشيخ الطوسي (ت460هـ) ثم عدل عنه إلى القول بالنظم والتأليف.
وقد توج هذه الجهود في التأصيل لفكرة إعجاز القرآن الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) عندما وضع نظريته في النظم في كتابه (دلائل الإعجاز) و(الرسالة الشافية)، إذ أنه وضع الأسس والمفاهيم لنظرية إعجاز القرآن من خلال نظمه العجيب وحسن تأليفه، وإن النظم عنده توخي معاني النحو، فاستشهد بكثير من منثور كلام العرب وشعرهم، ورادعاً من قال بالصرفة مذهباً في الإعجاز.

إن الإعجاز عند الجرجاني يكون بطريقة نظم القرآن لكلماته، إذ إنها تكون على نسق واحد كانتظام حبات اللؤلؤ المنتظمة في سلك، ولكن يجب أن يكون هناك رابط يجمعه على هذا النظام المتسق، قال: (وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق، ولذلك كان عندهم نظيراً للنسيج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك)(14) الذي يبغيه الجرجاني من ذلك إظهار المعنى المطلوب بتمامه من خلال رصف الالفاظ وانتظامها تبعاً لإرادة المعنى (من حيث أن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنا لا محالة نتبع المعاني في مواقعها)(15)، وفق هذه السياقات وإن الخروج عنها يؤدي إلى فساد المطلوب.

بهذا يكون الجرجاني قد توج كل هذه الجهود بنظرية النظم التي تؤصل لفكرة إعجاز القرآن أما الذين جاؤوا من بعد هذه النخبة من العلماء فلا تعدو أفكارهم إلا اجتزاء من آراء من سبقهم في كلا المذهبين (الصرفة والنظم) خصوصاً، فلم يضيفوا شيئاً، ومن هؤلاء، ابن الأثير (ت637هـ) الذي لخص كتاب (دلائل الإعجاز) غير أنه خالف الجرجاني وقال بالصرفة، والزملكاني (ت651هـ) الذي ذهب إلى أن إعجاز القرآن منحصر في جهة ما فيه من الأنباء السالفة واللاحقة، وكذلك نظمه المخصوص، فيما اعتمد يحيى بن حمزة العلوي (ت745هـ) على قول جهابذة العلم من قبله بعدما عولوا على ثلاث خواص هي الوجه في الإعجاز وتتمثل في فصاحة ألفاظ القرآن وجودة النظم وحسن السياق، والزركشي (ت794هـ) فقد اضطرب رأيه في النظم وهو أميل منه إلى الصرفة، وأما السيوطي (ت911هـ) فكان ناقلاً لمجموع هذه الآراء ومعدداً لأوجه الإعجاز فألف لذلك كتابه (معترك الأقران).

أما المحدثون من العلماء فإن الأعم الأغلب منهم يقولون بإعجاز القرآن في نظمه وحسن تأليفه فضلاً عن الأوجه الأخرى، ويعلنون فساد مذهب الصرفة.

نشرت في العدد 17


(1) انظر: د. صبحي الصالح، مباحث علوم القرآن، 314.
(2) انظر: الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، 152.
(3) انظر: الرماني، النكت في إعجاز القرآن، 101 ـ 103.
(4) انظر: الخطابي، بيان إعجاز القرآن، 19.
(5) انظر: نفس المصدر، 20.
(6) انظر: نفس المصدر، 21.
(7) سورة الإسراء، الآية: 88.
(8) الباقلاني، إعجاز القرآن، 33ـ32.
(9) انظر: الجرجاني، الرسالة الشافية، 133.
(10) انظر: القاضي عبد الجبار، المغني (إعجاز القرآن)، 16/198ـ200.
(11) انظر: نفس المصدر، 16/199.
(12) انظر: الشيخ المفيد، أوائل المقالات، 68ـ69.
(13) الشريف المرتضى، الموضح عن جهة إعجاز القرآن، 35ـ36.
(14) الجرجاني، دلائل الإعجاز، 49.
(15) نفس المصدر، 52.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.