Take a fresh look at your lifestyle.

يصح الوجهان

0 237

              (يصحُّ الوجهان)

           

           باب جديد استحدث في (ينابيع)، ولاقت حلقته الأولى استحسان القرّاء لتقديمه مادة ثقافية لا تنال اهتمامًا يُذكَر في وسائل الإعلام المكتوبة أوالمسموعة أوالمرئية.

           ويضيف هذا الباب أيضًا إلى جهود المتطوعين لصون (العربية) من آفات اللَّحن، نهجًا لا يعتمد تخطئة ما شاع من الأخطاء فيها، بل تصويبَ ما شاع تخطئته، كي يبحبحَ الناطقون بلغة الضاد في استعمال هذه اللغة الجميلة، دون وجلٍ من رقابة لغوية رادعة، أشاعت في أوساطهم ما يمكن وصفه بـ (فوبيا الأخطاء الشائعة)، أو (رهاب الأغلاط اللغوية)، المقترن غالبًا بصيغة الأمر: ( قل) أو (لا تقل).

وبالصلاة على محمد وآله نبدأ الحلقة الثانية في هذه السلسلة:

* * * * * * *

       اللهمَّ صل على محمد وآله

            والصلاة بهذه الكيفية ثمة من يعترض عليها أيضًا، ولا نعني بهمُ النواصبَ على أية حال، بل بعض علماء اللغة مثل الكسائي وغيره الذين يخطِّئون إضافة (الآل) إلى ضمير لأنه يضاف إلى الاسم الظاهر، لكنَّ آخرين يصححون استخدامها مستشهدين بقول عبد المطلب عام الفيل:

        (اللهم إن المرءَ يمنع رحله فامنع رحالك.. وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك)/ بحارالأنوار/ ج15 ص70.

         ومستشهدين بالمعاجم التي لم تمنع إضافة (آل) إلى الضمير، إذ ورد في (النهاية) و(اللسان) و(التاج) وغيرِها نصوص متعددة أضيفت فيها (آل) إلى الضمير. وعليه يصحُّ ( لغةً) أن نصليَ على أئمة الهدى، محمدٍ والآل الكرام بقولنا:

             

             (اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

        أو

                 (اللهمَّ صلِّ على محمد وآله

                       وكلاهما من الفصيح.

 

                                   * * * * * * *

      أئمة الهدى

            وعلى ذكر أَئِمَّة الهدى (عليهم الصلاة السلام) فإن مِن بعض النحاة مَن يضَعِّف هذا القول، لأن الهمزةَ الثانيةَ في (أئِمَّة) مكسورةٌ وما قبلها همزة مفتوحة، ما يوجب قلبَ الهمزة الثانية ياءً (تسهيل الهمزة)، فقد ذكر صاحب القاموس (أيِمَّة)، و(أَئِمَّة) جمعًا لكلمة (إمام)، ووصَفَ الأخيرةَ بالشذوذ، وهذا غير صحيح، إذ ورد الجمع (أَئِمَّة) في القرآن الكريم خمس مرات مثل قوله تعالى :

             (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(الأنبياء:73)،

             وعليه يصحُّ قولُنا (أيِّمة الهدى) وهي فصيحة مهملة،

             كما يصحُّ القول ( أَئِمَّة الهدى ) وهي فصيحة.

                                 * * * * * * *

   أثاب الله الناصبي على نصبه

          أي جازاه. يرفضها بعض اللغويين بحجَّة أن الإثابةَ تستخدم في الخير فقط، ويردُّ آخرون هذا الرفض لأنَّ: الفعل (أثابَ) يستخدم في الخير وفي الشَّرِّ أيضًا،

        إلا أنه في الخير أخصُّ وأكثرُ استعمالًا.

     ة  ففي التاج: (الثواب: الجزاء، مُطلقٌ في الخير والشَّر، لا جزاء الطاعة فقط)،

        ومنه قوله تعالى: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(المطففين:36).

   وعليه يصحُّ قولنا :

                          أثابَ اللهُ الناصبيَّ على نصبه.

   كما يصحُّ القول :

                         جزى اللهُ المؤمنين على إيمانهم.

                                                * * * * * * *

  أكد على وجوب موالاة آل البيت(عليهم السلام)

             يشيع في اللغة المعاصرة استعمال (أكَّدَ على). ويرفض علماء اللغة تعدية فعل (أكَّدَ) بحرف الجر (على)، لأن العرب استعملوا هذا الفعل متعديًا بنفسه، فقالوا: أكَّدَ العهدَ والعقدَ، وقد أكَّدتُ الشيءَ. والتأكيد هو التوثيق والتثبيت، والوارد في المعاجم تعدية هذا الفعل بنفسه.

              ولا صحة لقولهم أكَّدتُ على الأمر والصحيح أكَّدتُ الأمر، ففي نهج البلاغة يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) (مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بهم وبين معرفته). وقال المرزوقي في (شرح الحماسة): (ويؤكد المقرّرَ على المخاطَب). فالمؤكَّد عليه هو الشخص المخاطَب وليس المقرّر.

             وتعدية الفعل (أكَّدَ) بـ(على) انتقلت إلى العربية بفعل الترجمة الرديئة من التركيب الأجنبي، فالفعل الأجنبي في هذا المعنى يتعدى بهذا الحرف. (أكَّدَ على نقاط معينة)، وهو في الفرنسية:

(Il a insiste sur certains points).

وفي الإنكليزية:

(Strained relaitions).

 

          وحاول بعض الباحثين تخريج هذه العبارة بما يلي:

          أنَّ مفعول أكَّدَ محذوف وتقدير الكلام: أكَّدَ الأستاذ التنبيهَ، أو الحثَّ على حضور الطلاب، وأنَّ الفعل (أكَّدَ) يتضمن معنى (نبَّهَ)، يقال: (نبَّهَ) الأستاذُ على الحضور، أي أوقفه عليه، وأعلمه به، وبهذين التخريجين للتعبير المرفوض أخذ مجمع اللغة المصري، وجوّز استخدامه بعد شيوع تعديته بـ(على

 

           وبهذين التقديرين يصحُّ الوجهان في قولنا:

     أكَّدَ القرآنُ الكريمُ على وجوب موالاة آل البيت(عليهم السلام).

وفي قولنا :

     أكَّدَ القرآنُ الكريمُ وجوبَ موالاة آل البيت(عليهم السلام)،

                مع التنويه بفصاحة القول الثاني.

                           * * * * * * *

   أمر (هامُّ)

            أي يسترعي الاهتمام ويدعو إلى اليقظة والتدبّر. ولقد أنكر بعض خبراء اللغة، ومنهم المرحوم مصطفى جواد، هذا القول لأنَّ (الهامّ) مذكَّر (الهامَّة) بمعنى: (الدَّابَّة، وكلِّ ذي سُمٍّ قاتل).

            وفي المعاجم يردُ استعمالُ (هَمَّ) بمعنى (أَهَمَّ)، ففي المصباح: (وأهمَّني الأمرُ، بالألف، أقلقني، وهَمَّني مثلهُ)، كما نقل اللسان عن أبي عبيد في باب قلة اهتمام الرجل بشأن صاحبه: (همُّك ما همَّك، ويقال: همُّك ما أهمَّك). فالتبادل بين الصيغتين وارد، ومن ثَمَّ يجوز استخدام اسم الفاعل من أيهما.

            كما نص ( المصباح ) و( القاموس ) و(التاج) على أن (همَّه) كـ(أهمَّه). وجاء في (اللسان) همَّهُ الأمرُ وأهمَّهُ واهتمَّ به. فالهامُّ اسمُ فاعل من هَمَّ، والمهمُّ اسمُ فاعلٍ من أهمّ،

             وقد أشار الرضيُّ الاستراباذي في شرح الشافية إلى أنه إذا جاء (فَعَلَ) بمعنى (أفعَلَ) ففي المزيد لفظًا، زيادةٌ في المعنى تعني التأكيد والمبالغة. ومن أجل هذا قال العرب (المهمّ) للأمر الشديد، ولم يقولوا (الهامّ) وهذا فرق بينهما

مع جواز الوجهين:

                        (أمر هامٌّ)،

                      و

                        (أمر مهمٌّ).

 

                     وكلاهما من الفصيح.

                          * * * * * * *

  التلميذُ متوسطٌ من حيث ذكائه

              يرفض رأيٌ هذا القول بسبب إضافة (حيث) إلى المفرد، وحقها أن تضاف إلى الجمل الفعلية أو الاسمية. و(حيثُ) ظرفُ مكانٍ مبنيٌّ على الضمِّ، في محل نصبٍ أو جرٍّ، يلزم الإضافة إلى جملة فعلية مثبتة مثل: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ)(البقرة:149). أو منفية مثل:

             (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)(الطلاق:2-3). أو إلى جملة اسميّة مثل:

             (جلستُ حيثُ الجلوسُ مريحٌ).

           لكنها مع ذلك تضاف إلى المفرد (أي ما ليس جملة)، وهذا نادر، فيبقى مرفوعًا بعدها (وهو الفصيح)، ويعرب مبتدأ محذوفَ الخبر: مثل: (مكثنا حيثُ الظلُّ)، أي مكثنا حيث الظِّلُّ ممتدٌّ، أو يُجرُّ بالإضافة (وهو صحيح رغم عدم فصاحته) مثل:

          (أنا مقيمٌ حيثُ الأمانِ، وحيثُ الاطمئنانِ)، استنادًا إلى إجازة بعضِ النُّحاة ـ ومنهم الكسائي ـ الذين احتجوا بأمثلةٍ مسموعة، كقول الشاعر:

     يطعنهم تحت الحُبا بعد ضربهم              بِبِيْضِ المواضي حيثُ ليِّ العمائمِ

            وقولِ شاعر غيره:

     أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعًا

              وقد أجاز مجمع اللغة في القاهرة إضافة (حيث) إلى المفرد، قياسًا على أخواتها من الظروف المكانية، وجرَّ مابعدها.

        وعليه يصحُّ الوجهان في قولنا:

                   (التلميذُ متوسطٌ من حيث ذكاؤُه).

                و

                   (التلميذ متوسّطٌ من حيث ذكائِهِ).

                        * * * * * * *

    حقوق الغير:

             يشيع في لغة العصر الحديث إدخال (أل) على لفظ (غير) ويخطِّئُ كثيرون ذلك استنادًا إلى ما ورد في كتب اللغة والنحو مانعًا من ذلك، لأن (غير) لا تُعَرَّف بـ(أل)، فقد ذهب بعضهم إلى الشكّ في صحة دخول (أل) على (غير)، كما منعوا دخولها على (كلّ) و(بعض)، لأنها لا تتعرف بالإضافة فلا تتعرف باللام، بل منعوا كذلك تثنية (غير) وجمعها.

           ولكن ذهب آخرون إلى جواز تعريف (غير) بـ(أل ) ومنهم من ثنَّاها وجمعها، كالراغب صاحب (المفردات) فقال: (إن الغَيرَيْن قد يكونان متفقَيْن في الجوهر بخلاف المختلفَيْن). وقال الشاطبي: (فعَلَ الغيرُ ذلك). وجَمَعَ الجوهريُّ (غيرًا) على (أغيار). لذا فإن إدخال (أل) على (غير) ليس استعمالًا حديثًا، فقد خطَّأه الحريري، كما أن تصحيح إدخال (أل) عليها ليس رأيًا جديدًا كذلك،

            فقد نادى به الشهاب الخفاجي في (شرح الدرّة): تعليقًا على منع الحريري، وذلك حين قال: (ما ادَّعاه من عدم دخول (أل) على (غير) وإن اشتُهِرَ فلا مانع منه قياسًا).

            وفي (تهذيب الأزهري): (قال ابن أبي الحسن في شامله: عندي أن لا مانع من ذلك لأن اللام ليس فيها للتعريف. وقد يُحمَل (الغير) على معنى (الضِدّ)، فيصحُّ دخولُ اللام عليها بهذا المعنى). وقد أقرَّ ذلك مجمعُ اللغة المصري في القاهرة.

       وعليه يصحُّ القول: 

          (حقوقُ الغير

    أو:

          (حقوقُ غيرنا

     وكلا الوجهين من الفصيح .

                   * * * * * * *

 

     عدد أصحابِ الإمام المهدي (عليه السلام) ثلاثمئةٍ وثلاثة عشرَ رجلاً

          يرفضها بعضهم، بسبب حذف ألف (مائة)، ففي كتب الإملاء أن (الألِف) تزاد وسطًا في كلمة (مئة) مفردةً ومثناةً ومركبةً نحو (مائة) و(مائتين) و(ثلاثمائة) إلى (تسعمائة)، والحكمة في زيادة الألف منع الالتباس بين (مئة) وبين (منه)، حين كانوا يتركون النَّقْط، فيلتبس قولك: (أخذتُ مائة) بقولك: (أخذتُ منه)، لو لم تزد الألف في مئة، كما قال ابن قتيبة.

            ويرجِّح بعض فقهاء اللغة من المعاصرين حذفَ الألِف، لأن الأصل أن تكتب (مئة) كذا، كما تكتب (فئة)، لاسيما وأن زيادة الألف في كتابتها قد أورثت الخطأ في النطق بها. ولأنه لم يبقَ الآن ثمة كتابة بلانَقْطٍ (أي إعجام).

          على أن هؤلاء لا يخطِّئون من يزيد الألف، ففي لغات العالم حروف زائدة تتخلل بعض الألفاظ، وتدل على تاريخ كتابتها، وهي تُرسَم ولا يُنطَق بها، علمًا بأن الأصل في (مئة): مِئْية، وقد حكى أبو الحسن قولهم : (أخذتُ منه مِئْيًّا)، وهو يريد (مئة) كما جاء في (التصريف) لابن جنّي.

           وقد أوصى مجمعُ اللغةِ العربيةِ في القاهرة بحذف ألف (مائة) مراعيًّا في هذا نوعًا من التيسير الإملائي. مع جواز كتابتها منفصلة عن العدد أو متصلة به.

            وعليه، فسواءٌ كتبنا الألف في عبارة:

   {عدد أصحاب الإمام المهدي(عليه السلام) ثلاثُمائةٍ (ثلاثُ مائةٍ) وثلاثةَ عشَر رجلًا

أو حذفناها:

      {عدد أصحاب الإمام المهدي(عليه السلام) ثلاثُمئةٍ (ثلاثُ مئةٍ) وثلاثةَ عشَررجلًا}.

                          فالوجهان صحيحان.

—————————————————————————

المصادر:
(1) النحو والأساليب اللغوية المعاصرة/ تأليف د. مزيد نعيم – د. شوقي المعري- د. محسن العبيد/ منشورات جامعة دمشق 2005.
(2) معجم الصواب اللغوي – دليل المثقف العربي/ د. أحمد مختار عمر- منشورات عالم الكتب – القاهرة 2008.
(3) معجم الأخطاء الشائعة/ محمد العدناني – مكتبة لبنان ناشرون – بيروت 2003.
(4) معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة/ محمد العدناني – مكتبة لبنان – بيروت 2009.
(5) معجم تصحيح لغة الإعلام/ د. وليد النجار – مكتبة لبنان ناشرون – بيروت 2007.
(6) معجم تعدي الأفعال في اللغة العربية/ أنطون قيقانو – دار الراتب الجامعية – بيروت 2005 .
(7) اللغة العربية بين الخطأ والصواب/ أحمد طهطاوي ـ محمد البنا – مركز الإسكندرية للكتاب – إسكندرية 2008.
(8) معجم أخطاء الكتّاب/ صلاح الدين زعبلاوي – دار الثقافة والتراث – دمشق 2006.
(9) أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيّين/د. أحمد مختار عمر /عالم الكتب ـ القاهرة 2006.
(10) معجم الشوارد النحوية والفوائد اللغوية/ محمد محمد حسن شراب – دار المأمون للتراث دمشق 1990.
(11) قل ولا تقل/ د. مصطف ى جواد – دار المدى للثقافة والنشر – دمشق 2001.
(12) 2000 خطأ شائع بين العامة والخاصة/ د. فهد خليل زايد – دار النفائس – عمّان – 2006.
(13) معجم الهمزة/ أدما طربيه ـ مكتبة لبنان ناشرون – بيروت – 2007.
(14) نحو إتقان الكتابة باللغة العربية/ أ.د. مكي الحسني ـ النسخة الإلكترونية.
(15) معجم تصحيح لغة الإعلام العربي/ أ.د. عبد الهادي بوطالب – النسخة الإلكترونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.