Take a fresh look at your lifestyle.

القرآن. . نص خالد متعدد القراءة

0 193

           القراءة مصطلح يفهم في الدرس اللغوي الحديث بعدة وجوه:

           إنها بمعنى الجمع والضم كما في المعجم

           أو التتبع لجزئيات الشيء فقرأت الكتاب أي تتبعت كلماته نظراً ونطقاً،

          وهي لدى قراءة القرآن طريقة أدائه،

         وهي تفسير الأحرف السبعة في الحديث المروي (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف ظهر وبطن)(1)

       رأيت هذا النص للحديث هو الأوثق مما روي بطرق وأقوال مختلفة كثيرة ذكرها الطبري في مقدمة تفسيره وجمعها القرطبي على خمسة وثلاثين قولاً وذكرها الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن)

         وكذا السيوطي في كتاب الإتقان على نحو الأربعين قولاً وكذا عبد العظيم الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان) وغيرها من المصادر التي أدّلت وشرحت وفصلت في مدلول الحديث وفيها كثير من التزيد والأخبار البعيدة حد الوهم،

          وقد أوضحها السيد أبو القاسم الخوئي في كتابه (البيان في تفسير القرآن) كما حدد دلالة القراءات القرآنية تحديداً أوضح فيه سبب خلافاتها ذاكراً قول الزركشي (إن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد(صلى الله عليه وآله) للبيان والإعجاز والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرها. . )(2).

            ليس هذا قصدنا من مصطلح القراءة هنا فلهذا بحث مستقل لا مجال لوضعه هنا.

          فالقراءة التي أريد هنا ما يعنيه مصطلحها الحديث لبيان بعض أسرار هذا النص في خلوده وإعجازه، وهي استيعاب النص وإعادة كتابته كما استوعبه متلقيه وهي الموصوفة بالقراءة الإبداعية(3).

          فهنا يكون بكل متلق قراءة قد تتقارب وقد تتباعد عن قراءة الآخر، وفي القرآن الكريم يُقبل اختلاف القراءات على ألا تتناقض مفاهيمها، فالإطار الدلالي عام ويكون الخلاف في ضمنه، فللغويين قراءة للقرآن الكريم أنتجت التفسير اللغوي في كتب معاني القرآن وإعرابه ومجازه وغريبه ومفرداته، ثم بعد ذلك اتسعت لدى الموسوعيين في تفسيرهم كأبي حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط) والزمخشري في تفسيره (الكشاف عن حقائق التنزيل. . ).

         ولعلماء الأثر قراءة أنتجت التفسير بالمأثور كتفسير الطبري، وللفقهاء والأصوليين قراءة أنتجت التفاسير التي يغلب عليها ذلك، وللفلاسفة والعرفانيين قراءة، وللمتصوفة قراءة ذهبوا بها مذهب التواحد والكشف.

           نبدأ هنا بقراءة اللغويين للقرآن الكريم وظهور التفسير اللغوي. والمعروف أن أكثر من روى عنهم التفسير من الصحابة الإمام علي ـ عليه السلام ـ، ومن أوائل من كثر عنهم التفسير اللغوي عبد الله بن عباس (68هـ) وهو من دعا له الرسول صلى الله عليه وآله. بقوله (اللهم فقهه بالدين وعلمه التأويل) فقد كثرت الرواية عنه حتى كان النصف من الأحاديث في التفسير يسند إليه(4).

         وقد روي له عملان: أحدهما أجوبته لنافع بن الأزرق (65هـ) عن كلمات في القرآن الكريم يطلب معناها والشاهد لورودها في كلام العرب وهي المسماة بـ (مسائل نافع بن الأزرق) وعددها 189 مسألة حققتها الدكتورة بنت الشاطئ ونشرتها في كتابه (الإعجاز البياني للقرآن) ط دار المعارف بمصر.

           والعمل الآخر المروي عنه (اللغات في القرآن) رواية ابن حسون المقرئ بإسناده إلى ابن عباس. حققها الدكتور صلاح الدين المنجد وطبعها في كتاب في بيروت 1972 وقد كان منهجه الاستشهاد بالشعر في تفسيره وهو القائل: (الشعر ديوان العرب فإذا خفي عليهم الحروف من القرآن الذي أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك(5).

           وروي عنه: إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب.

         والتفسير اللغوي هو القسم الأول من أقسام التفاسير التي روي خبرها عن ابن عباس نفسه، وهو ما يرجع فيه إلى لسان العرب وأساليبها، ومرجعه إلى أمرين: أحدهما اللغة ومعاني مفرداتها، والآخر الإعراب.

        وهذا التفسير صار مرجعاً لأصحاب التفاسير بعد ذلك.

       ومن المعلوم أن الإلمام بالمعرفة اللغوية وعلومها ينبغي للمفسر أن يتصف بها لكن التفسير اللغوي في عرف بعض الفقهاء والمحدثين لا يبعد عن تفسير القرآن بالرأي وبخاصة احتجاجه بالشعر، فيرون أن التفسير باعتماده على النص وحده وفق استعمالات العرب لا يصح في القرآن، فقد روي أن أحمد بن حنبل نهى أبا عبيد القاسم بن سلّام (224هـ) أن يتخذ أبا عبيدة (210هـ) والغراء (207هـ) إمامين يحتج بهما في معاني القرآن.

         ولكن هذا الرأي منقود. قال أبو بكر بن الأنباري (328هـ): قد جاء عن الصحابة والتابعين كثير من الاحتجاج عن غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن ـ وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث.

         قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلاً للقرآن بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر(6)، لأن الله تعالى قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) آية 2ـ يوسف، وقال: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً. . . ) آية 113ـ طه، وقال: (…وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) 103 ـ النحل.

          إن هذا النقد والرفض للتفسير اللغوي لا يدل على نظر سليم، فقد قدم هذا التفسير اللغوي دراسات جادة للنص القرآني وهو توثيق له وتحليل لتراكيبه وتوضيح لمبهمه ثم هو كان الباب للتفسير الموسوعي،

        فقد اعتمد عليه المفسرون ولم يستغنوا عن شيء منه حتى قيل فيه: وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن، الغراء والأخفش والزجاج.

           سألقي الضوء على مؤلفات من التفسير اللغوي لاحقاً إن شاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المجازات النبوية ـ الشريف الرضي (ص51) حديث (58).
(2) البرهان للزركشي 1/395 – 396.
(3) ينظر المعجم الوسيط (قرأ)، إشكاليات القراءة وآليات التأويل ـ نصر حامد أبو زيد 6، معجم المصطلحات العربية. مجدي وهم، كامل المهندس (القراءة) 287.
(4) مجمع البيان ـ الطبرسي 1/168 وانظر مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2/14ـ 16.
(5) البرهان للزركشي 1/369، الإتقان للسيوطي 1/255
(6) ينظر الإيضاح في الوقت لابن الأنباري 100ـ109، البرهان في علوم القرآن 2/29، 296.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.