Take a fresh look at your lifestyle.

الشيخ موسى دعيبل من أساطين الفقه

0 428

  تمهيد

               (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، (العلماء ورثة الأنبياء
            آية من كتاب الله تعالى وحديث عن الرسول الأكرم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله)، إذ يوحي الحديث الشريف إلى أهمية العلم ومكانة العلماء، وكيف أنه لابد على الأمة أن تعي هذا المبدأ وأن تتفاعل معه بكل قوة، إذ من الطبيعي القول إن علاقة الأمة بعلماء الدين تتناسب طردياً مع الواقع الذي تجسده هذه المنظومة العلمائية على المستوى الإسلامي وطبيعة التلاحم على مستوى الواقع الاجتماعي،
            ذلك لأن الدين بطبيعة الحال يمثل قوام الحياة وبدونه تعيش البشرية حياة وحشية قاتلة، ففي الوقت الذي تؤكد فيه المرجعية عنوانها الإسلامي وتعيش لمبدئها ورسالتها، وتحمل أهداف الأمة، فتعيش آلامها وآمالها وتضع الحلول لمشاكلها من وحي عقيدتها ورسالتها الإسلامية فإن الأمة تبادلها ذلك الموقف بالمزيد من الالتفاف والتأييد والتحرك باتجاه تحقيق الأهداف المرسومة من قبل قيادتها الإسلامية.
             وقد عاشت أمتنا هذه التجربة الرائدة في حياتها منذ العصر الإسلامي الأول، حيث تخرج من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) جهابذة العلماء وأساطين العلم ليس في علوم الفقه فحسب بل تعدى الأمر إلى العلوم الأخرى المتنوعة، وقد اتخذت هذه المنظومة مساراً آخر بعد غيبة الإمام القائم بالأمر (عجل الله فرجه) حيث انفتح باب الاجتهاد طبقا لما أكدته الروايات التي نقلت عن أهل بيت العصمة،
              وإذا تصفحنا التاريخ ملياً نجد أن الإسلام اهتم جل الاهتمام بهذه الشريحة المتقدمة في الأمة وقد أشار الكتاب الكريم والسنة الإسلامية إلى ذلك، كما تقدم في بداية الكلام، بيد أن علاقة الأمة بعلمائها متى ما كانت مبنية على أسس رصينة تؤول إلى تأسيس نظام حياتي متكامل يوفر للبشرية الحياة الحرة الكريمة وبلوغ سعادة الدارين الدنيا والآخرة، كما أن مقياس تقدم الأمم ونهوضها يرتبط بالمديات الواسعة لتلك العلاقة ومدى مصداقيتها في أرض الواقع،
          ذلك لأن الشريحة العلمائية تمثل الامتداد الطبيعي لرسالة السماء المتمثلة بخاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الميامين الأطهار(عليهم السلام)، إذ لاريب ان المنظور الاسلامي يؤكد ان موقع هذه المنظومة في قلب الحدث الحياتي وانها هي التي تقود الأمة نحو شاطئ الأمان، إذ لا تتوقف مهام العالم الديني على تبليغ أحكام الشريعة السمحاء فحسب، بل يتعدى الأمر إلى ميادين الحياة كافة، كما أشرنا إليه سلفاً. ومن اساطين العلم والفقه في مدينة أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الشيخ موسى آل دعيبل(قد).

   نبذة مختصرة


ولد شيخنا الجليل موسى ابن الشيخ عمران ابن الحاج أحمد بن محسن الخفاجي من أسرة آل دعيبل التي يرجع نسبها إلى عمران بن شاهين وهو عالم جليل وفقيه متورع وأديب لامع. وأسرة آل دعيبل من الأسر النجفية التي سكنت المدينة المقدسة في القرن الحادي عشر الهجري ولاريب أن مدينة (النجف الأشرف) تمثل كعبة العلم والعلماء إذ أن هذه المدينة المقدسة وبفضل وجود مرقد أمير المؤمنين(عليه السلام) كانت ولا زالت وستبقى منارة العلم والفكر وموئل الثقافة والأدب ومنهل الإبداع والأصالة.

نشأ شيخنا المترجم له وترعرع في هذه المدينة العظيمة وعُني به والده الفقيه الشيخ عمران الذي كان يعد من فقهاء عصره البارزين، فأخذ عنه وعن جملة من علماء عصره وفقهائه منهم: الشيخ محمد رضا شمس الدين والسيد محسن الأمين والشيخ مرتضى كاشف الغطاء والشيخ عبد الهادي شليلة والسيد كاظم اليزدي والشيخ أحمد كاشف الغطاء، حتى صار من الفقهاء وأجيز بالاجتهاد.

وقد حضر عنده جملة من أهل الفقه والفضل وهو يدرس السطوح التي اختص بها لاسيما اللمعتين والشرائع وما إليها أمثال الشيخ عبد الكريم الشرقي والشيخ محمد تقي الفقيه والشيخ عبد المولى الطريحي وآخرون.
 

 

 مكانته العلمية


درس الشيخ موسى دعيبل مرحلة المقدمات على بعض فضلاء ذلك العصر أمثال السيد محسن الأمين، ثم اتصل بفريق من مراجع الدين آنذاك أمثال السيد اليزدي، والشيخ أحمد كاشف الغطاء والإمام السيد محسن الحكيم، وقد حصل على درجة الاجتهاد بكل جدارة، ولكنه أبى أن يتقلد منصب المرجعية الدينية آنذاك،
             فكان شديد الورع من تحمل أعباء المرجعية ومسؤولياتها ـ كما ينقل لنا أحد أبنائه ـ لذا كرس جهده منشغلاً بالتدريس والتأليف والتحقيق، كما أنه كان يؤم المئات من المصلين في إحدى المساجد الرئيسة في مدينة النجف الأشرف.

   مؤلفاته


له مؤلفات لازالت مخطوطة منها حواش كثيرة على كتب الدرس، وكتاب عن الطب الغذائي، كما أن له شعر كثير، ولعل الله تعالى يوفقنا لأن نحقق في ذلك التراث الخالد كي يرى النور إن شاء الله تعالى.

 

    نماذج من شعره


لشيخنا المترجم كثير من الشعر، إذ كان يجيد الشعر ببراعة فضلاً عن كونه عالماً في الفقه كما امتاز شعره بكونه رقيق الحاشية وله مقطوعة بذكرى عيد الغدير الأغر يقول فيها:

  أرى في الحمى برق السرور تألَّقاًً               وبدر هدى الإسلام في الأفق أشرقا
      وأجفان عين المؤمنين قريرة                     ودمع جفون الناصبين تدفقا
      بيوم به أهل الولاء تباشروا                       لنصب إمام نوره الكون طبَّقا
      وجاء به اليوم أكملت دينكم                       وأتممت نعمائي فويلٌ لمن شقى
      وبلّغْ جهاراً في (علي) رسالتي                  ويعصمك الرحمن ممن تزندقا
      فنادى منادي المصطفى باجتماعهم             وكان إذاً حرَّ الظهيرة محرقا
      وقال ألا من كنت مولاه منكم                    فهذا علي الفخر مولاه مطلقا
      ومن قد غدا ميلاده وهو معجزٌ                  بأكرم بيت كان من قبل مغلقا
      ومن خصَّه الرحمن بالطهر فاطمٍ               ولولاه ما قد كان للطهر أليقا
      أخا المصطفى ما خنته يوم مشهدٍ              غداة له أعطيت عهداً وموثقا

أبو ذر الغفاري


امتازت حياة الشيخ موسى والذي لقبه الناس بأبي ذر الغفاري، وذلك لزهده وورعه كما تقدم بطريقة خاصة وفريدة عن أقرانه العلماء في عصره في تدريس طلبة العلم إذ يجمعهم في حلقات طويلة ويثير فيهم أسئلة الحلقة ويجعلهم يجيبون بأنفسهم فالطالب يسأل ويجيب عن سؤاله بطريقة استدلالية وقد سئل عن ذلك فأجاب كي يصحبوا مجادلين لأن المجادل كما في رأيه يحفر عميقاً ويحصد عميقا فعاش المعلم المستنير وكل مؤلفاته كانت كذلك.

    نكات وكرامات


حدثنا العلامة الخطيب الجليل الشيخ شاكر القرشي والذي عاصر الشيخ موسى من أنه(قد) كان قاصاً مجيداً، وكثيرا ما يتحدث في جلساته عن قصص وأثار الماضين وأحداث التاريخ وحكايات وأحوال الناس.

وذكر لنا بعض الثقات ممن عاصروا حياة الشيخ عن كرامات اختص بها وهي عديدة لا تقل شأناً وأهمية وعظمة عن الكرامات العديدة التي حظي بها علماؤنا الأفاضل وفي مقدمتها كان يقضي حاجة المحتاجين رغم عدم امتلاكه ما يلبي لهم حاجاتهم فقد كان يدعو الباري عز وجل طبقاً لقوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
             وفي جانب آخر ذكر لنا نجل الخطيب الشيخ نعمة الساعدي(رحمه الله) نقلاً عن والده من أنه وفي يوم من الأيام كان الشيخ هادي الساعدي والشيخ موسى دعيبل في سفر لزيارة كربلاء المقدسة سيراً على الإقدام، وعند استراحتهما في مكان ما أثناء الطريق عطش كل منهما ولم يجدا ماء، فجلسا ينتظران حتى أقبل عليهما رجل لم يعرفاه وقدم لهما الماء وهو غير متوفر آنذاك، وعندما شربا الماء اختفى ذلك الرجل.

فجأة فاعتقد كل منها من أن الرجل المعني الذي جاء لهما بالماء هو الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أو أحد الأبدال وقد أرسلته الرحمة الإلهية إليهما لقضاء حاجتهما وسد عطشهما، أقول: (إن هذا ليس غريباً على رجل أطاع الله تعالى في علمه وعمله فكان حقاً على الله عز وجل أن يفيض عليه من رحمته التي وسعت كل شيء) ومن أمثال ما ذكرناه كثير.

    قبيل الوداع


أحببنا ان نبين للقارئ الكريم ما ورد على لسان الأستاذ الباحث محمد علي الملحة في مخطوطته من رجالات النجف الأشرف ص 160 جاء فيها:
             (لاقت بعض النفوس هوى في هكذا مستهلات وكانت الأكثرية في النجف الأشرف لأن الوقت آنذاك كان يعيش حالة اقتصادية سيئة فرضتها ظروف سياسية معروفة أسبابها إذ تنفست بعض الشيء مما كانت تعانيه من الكبت والحرمان بينما فئة أخرى من الناس وهي الأقل ما كان يروق لها هذا المنظر الحاشد وقد تجلل بالكبرياء والعظمى وبأبهى صورة من التحدي كما لو كان (أبو ذر) حقيقة حيا وهو يقود الجماهير قبل أكثر من ألف سنة فاندفعت تدافع عن نفسها لتبرر ما كانت تقوم به من مارسات جلبت لها هذا السخط والانتقاد من أغلبية الفقراء، فرحم الله الشيخ موسى وأجزل له العطاء والثواب).

قال الباري عز وجل في محكم كتابه العزيز المجيد:

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(فاطر: 28) صدق الله العلي العظيم
قال(صلى الله عليه وآله): (إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء)(1)، وعن أمير المؤمنين(عليه السلام): (العلماء باقون ما بقي الدهر)(2).

  وفــاته


لبى الشيخ موسى نداء ربه العظيم يوم الخميس 29 ذي القعدة عام 1387 وشيع تشييعاً قلّ له النظير حيث خرجت الناس يعلوها الحزن وهي تلطم الصدور وتصرح على فقدان شيخها المفضال العالم الزاهد (أبي ذر زمانه) ونظمت مواكب العزاء وهي تردد أثناء التشييع كلمات المرحوم فاضل الرادود:

       هذا أبو ذر الغفاري بهالعصر           طلّق الدنيا قصر

فرحمة الله تعالى عليك يا أبا جابر وعوض الإسلام والمسلمين بفقده، ذلك لأن موت العالم يجعل في الإسلام ثلمة كما ورد عن سيد البلغاء والمتكلمين(عليه السلام) قوله (إذا مات العالم انثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف له) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أمالي الشيخ الطوسي ص:521.
(2) مستدرك سفينة البحار ج7.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.