Take a fresh look at your lifestyle.

بلاغة الأسلوب التفسيري عند السيد السبزواري

0 341

السبزواري وآلياته البيانية
لمّا كانت اللغة هي واجهة حضارة كل أمّة، فكيف بها إذا كانت حضارة القرآن، وهو خاتم الكتب والمهيمن عليها، فضلا عن أنّ العربية ليست لغة قوم محدد، بل هي (لغة أمميّة)، وهنا يخطيء من يقول إنّها لغة العرب، لأنها أعدّت منذ الأزل وهيّأت لتكون لغة الكتاب، لذا كانت حصرا لغة أهل الجنة..
وهنا يورد الدكتور محمد محمد أبو موسى ما ذكره ابن جني: (أنّه كلما أمعن في دقائق العربية وما تنطوي عليه من حكمة ودقة ورهافة في سياسة المعاني وحيازتها وتدسسها في غوامض القلوب والنفوس وملامستها لأوابد الخواطر، وشوارد الأفكار، قوي في نفسه أنّ في هذه اللغة أمراَ إلهيا، بمعنى أنّ الله جلت حكمته هيّأ لها أجيالا متلاحقة ذات قوى مبينة مكينة هم (ألطف أذهاناَ وأسرع خواطر وأجرأ جنانا)(1)، وأنّ هذه الأجيال تواكبت على هذا اللسان فأنضجته وأنّه كان يخاطب بذلك علماءنا المستعربين الذين تدربوا بلغاتهم قبل ان يستغرقهم درس العربية الذي كان بدوره ينبههم إلى ما في لغاتهم من دقائق وغوامض وإلى ما بينها وبين العربية من فروق، فلا يجمع أحدهم بين العربية وغيرها، بل لايكاد يقبل السؤال عن ذلك، لبعده في نفسه وتقدّم لطف العربية في رأيه وحسّه…)(2).
إذاً فاللغة موهبة إلهية ممهدة بقافلة كبيرة من أجيال العلماء التي تناقلتها وطورتها وحسّنت دلالاتها، من هنا كان السيد عبد الأعلى على خط هؤلاء العلماء المخلصين الذين كان مهماَ عندهم (أن يظل لسان الأمة جارياً باللغة التي نزل بها القرآن حتّى تخف به ألسنتها وتستجاش به ضمائرها، وهذا مهم ويجب اعتباره في تربية أبناء المسلمين)(3).
ولمّا كانت البلاغة هي فن موروث من سليقة القدماء أو هي علم أسلوب الأقدمين، فقد سخر السيّد المفسّر خصوصيات معانيها في تطبيقاته الأخلاقية والعرفانية، فاستبانت قدرته التأليفية والأسلوبية في بناء العبارة وجمع البحوث المختلفة نحو قصد واضح، وهي بالأصل هكذا، فكل ما في الأمر أن قام باستجلاء هذه على حقيقتها، لأنه يرى لا داعي للنظم وبيانه بين الآيات، لأنّ الجامع القريب في جميعها موجود، وهو تكميل النفس أو الهداية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد استطاع التوفيق بين الآيات والروايات الواردة عند التفسير تحقيقاَ للقصد القرآني.
وقبل هذه وتلك، كان لتفسيره القرآن بالقرآن إسهام قوي لرفد البلاغة القرآنية بعامل تفسيري وتحليلي فعال، لاستبيان النقاط القرآنية منه.

أسلوبه التفسيري
إنّ الأسلوب في العربية مجاز مأخوذ من معنى الطريق الممتد (ويقال: للسطر من النخيل أسلوب، وكل طريق ممتد فهو أسلوب، قال: والأسلوب :الطريق والوجه والمذهب… والأسلوب: الفن، يقال :أخذ فلان في أساليب من القول، أي: أفانين منه…)(4).
وإنّ للأسلوب جذوراَ بيئية ونفسية تمثل انثيالاته عبر التقادم الزمني، فهو اللفظ المنطوق في بعده الشكلي والمعنى الدال في بعده الفني، أو هو الدلالة على النظام والقواعد العامة، أي: هو فكربالدرجة الأولى، وبعدها يتم استحصا ل استقطابي لمنافذه عبر مستوياته أو درجات إرادته القصديّة ليشكل بذلك منظومة تقعيدية متكاملة .
ويعدّ من آليات العمل الموصلة للمقاصد المطلوبة، وهو ينطوي على انطباع ذاتي، فلكل فرد أسلوبه الخاص في التوصل إلى الهدف المعيّن، وفي النص :الأسلوب له طرائق محددة والغاية هي المقصودة.
وأهم صفاته: الصحة والوضوح والدقة(5)..
فصحته تعني: (أنّه يجب الوصول إلى المنطقة البيانية المطلوبة بالمسار الواضح الصحيح) وهو في سلامته وخلوه من الالتواءات المنطقية والتناقضات المعنوية عند إيراده مع الثوابت العقلية.
إذاَ دقة الوصول إلى المقصد من دون اضطراب أو تعقيد في السير، لأنه إذا حدث أي اختلال في هذه سيفقد الأسلوب مصداقيته في تحقيق التفسير الأمثل والاحتمال الأقرب.
أمّا الوضوح فهو من مستلزمات اللغة المبتنى عليها الأسلوب إذ يجب أن تكون مبينة وغير غامضة، بمعنى إنّه (يجب أن يكون الوصول مبينا مشرقا دالا).
والدقة هي التحرّي الأمثل للمقاربات نحو الهدف، إذ إنّ الوصول إلى الهدف بطريقة أبعد ينافيها، وعليه فهي :المحاذاة التقريبية الشديدة للمسالك الأسلوبية الصحيحة للوصول إلى القصد (سلوك أقصر السبل إلى المنطقة الصحيحة)، وعندها يجب أن يكون التقرّب بأقصر المسالك حتى يكون سريعاً، أو بمعنى آخر:هي المقاربة المثلى والمحاذاة المطلوبة للانطلاق نحو أقصر الطرق إيجازا ووضوحا لاستحصال المطلب.أو (محاذاة فضلى للأسلوب الذي يتوخى أيسر المسالك إلى القصد).
وعلى ما تقدم: فبلاغة الأسلوب التفسيري ترتبط مباشرة بالوضوح، لأنّه إبانة، وهذه يجب أن تكون فيها بالمحل الأعلى، لأنها الوضوح وبذلك (لا يكون لها فضل تذكر به إلا اذا أبانت عن معنى فيه سخاء وفيه سعة، لأنه لا يعتوره غموض وخفاء..)(6)، وعليه فالكلام غير المبين هو غير بليغ، أمّا الذوق والصحة فترتبطان بمنطق الأسلوب، وهما صفتان إضافيتان بعد تحصّل النص على بلاغته.
فالأسلوب = منطق صحيح (الصحة والدقة) + بلاغة شائقة (الوضوح).
وهذه تتعاضد في إظها ر البلاغة التفسيرية على أكمل وجه، وهي لوازم نسبية لأنّها تتراوح قوة وضعفاَ بين الأساليب وتشكل المائزة الرئيسة كل بحسبه…
وينطلق الأسلوب الحوزوي من مقدمات منطقية بنسبة عالية، لأنّ نمطيّة دراستهم منطوية على المنطق الأرسطي، ثمّ البلاغة بالمرتبة الثانية، ومن هذه وتلك نخلص بالجهد التفسيري، وهو جماع لمحاسن المجالين المنطقي والبلاغي… لأن البلاغة اللغوية هي قطاع مجتزيء من علم الجمال، وعندها فإنّ فنيّة اللغة هي الجانب الجمالي منها..
ومن مقدرة المفسر أنّه جمع بين أسلوبي الكتابة موفقاَ بين مخاطبة المستويين العام والخاص، إذ يمكن جمعهما بقريحة واحدة وتابعة لأسلوب المؤلف الفذ…
كما نلحظ ذلك على سبيل المثال في تناوله لـ(التيه) في قصة بني إسرائيل(7)، فقد تناوله تاريخاَ سردياَ على نحو يفهمه العامة، ومن ثمّ تناوله على النحو الخاص من حيث الحكمة، وإنّ العذاب النوعي لم يكن نقمة، وإنما لتبدّل الجيل الذي نكث العهد وخروج نسل جديد.
أمّا عند التحليل الأسلوبي فنجد السيد السبزواري ينطوي على دراسة معمقة من حيث اللغة والقصد والجمال الذي هو الجانب الفني من البحث، إذ ينطوي على الخلاصة الفلسفية للأسلوب، لأنّ الجمال من موارد الأسلوب الأولى.فهو يفسّر في قسمه الأوّل الدلالات العابرة.. لأنّ في هذه الناحية تتجه الأسلوبية إلى الألفاظ (باعتبارها ممثلة لجوهر المعنى فاختيار المبدع لألفاظه يتم في ضوء إدراكه لطبيعة اللفظة، وتأثير ذلك على الفكرة كما يتم في ضوء تجاور ألفاظ بعينها تستدعيها هذه المجاورة، أو تستدعيها طبيعة الفكرة)(8).

لأنّ ذلك من أمارات التفوق في الأسلوب وهو: (أن يكون الكلام متماسكاَ أشدّ التماسك مرتبطاَ أقوى ارتباط، كأنّه بناء متين يشدّ بعضه بعضاَ)(9)، وهي بمثابة التمهيد للتحول إلى صلب الموضوع، لأنّ كليهما يتممّ الآخر، ولابدّ لأحدهما من الآخر.فممّا تناوله في دلالاته العابرة (بيانه مشاركة بعض أهل الكتاب(10) للمؤمنين في الإيمان بالله، والسعادة الآخرويّة وعدم اختصاص ذلك بطائفة خاصة).
وتناول في قسمه الثاني: الدلالات المكثفة كما في إشاراته إلى القواعد الكليّة أو البحوث المقارنة، كالتوبة في الأديان السّماوية(11)… أو في الردود، كالردّ على مزاعم من يذهب إلى أنّ الوصول إلى المقامات العالية يكون بالمجاهدة فقط من دون دين أو عقيدة)(12).
والسبزواري بذلك يهيء في المنطقة التمهيدية (ذات الدلالات العابرة)، والمنطقة المكثفة، دخولا في صلب الموضوع وإغناءَ لكلا المنطقتين بما يلائمها من دلالات..
إذاً: فالدلالة العابرة هي الدلالة غير المنشطة، أمّا المكثفة فهي الدلالة الفعالة، فالاولى يوردها في مداخله البنائية، وهي دلالة (مؤقتة)، لذا سميت بالعابرة، لأنّ عبورها يتصل بالزمان، فهي تشبه الخواطرالمتأملة.. لعدم تلبثها بالذهن، في حين نلحظ أنّ المكثفة هي التي تستحق مكوثا نسقيا عاليا بين عناصر النص، لكونها تمتازبالديمومة النسبية مقارنة بأختها …
أمّا تنوّع المضمونا ت عنده فذلك سمة ملحوظة في النصوص القرآنيّة منعكسة على نصوص المفسّر، لذا تموج عباراته التفسيرية بشتى الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية والعرفانية.

عناصر بلاغته
كانت سليقة السيد البيانية هي الجنبة الجمالية في الاستحواذ على التحليل النصي بدءا َبانتخابه للمقطع وطريقة تلخيصه لمضمونه، ومن ثمّ ربطه بسواه من المقاطع ليلخّص ما ورد مجملا مقوّما لأفكارها دالا على الإفادة منها في التهذيب النفسي والاعتبار السلوكي(13)، لانّه يدرك أنّ (من يحكم اختيار ألفاظه وتراكيبه وصوره لابد ّله من ذوق يعينه على ذلك، ومن هنا كان أعرف الناس بطبقات الكلام أقدرهم على صوغه…)(14)..
ومع ذلك فقد توكأ ـ كما يقول الدكتور عبد الرؤوف ـ على (المبادئ البلاغية الموروثة كالاستخدام والالتفات ونحوهما… إلا أنّ تذوقه الفني يتجاوز الدائرة الموروثة ليعبر بها الى تخوم الفن الحديث أحياناَ، وهو ما يهب ـ كما كررنا ـ تفسيره مزيدا َمن القيمة)(15).
وهو في هذه وتلك يسعى لارتفاع شأو الكلام في الحسن والقبول، وذلك بكثرة الاعتبارات، وهي غزارة المعاني التي (تتداخل وتتزاحم في أحوال الأبنية من تعريف وتنكير وتقديم، إلى آخره…لأنّ هذه الأحوال هي وحدها التي تستوعب ما تستوعب من المعنى المبسوط، فإذا لم يكن وراء هذه الأحوال هذا البسط من المعنى، وهذا السخاء انطفأت وبطلت فاعليتها، وكانت أحوالا لغوية فارغة كما في الكلام المعتاد، وهذا مما لا يجوز أن يغيب عنا)(16).
ومن هنا فإنّ إشارات السيد إلى النكات الأسلوبية والمجازات البلاغيّة قد أفضت في هذا الصدد إلى بناءاته المنهجية، لأنّ تلكم النكات والأسرارهي بنيته التحتية، وهي تطبيقات لما اعتمده أو ذكره منها، استكمالا لمفادات الموضوع…
كقوله: (الآية تدلّ على معنى دقيق)(17)،
والدقة المعنوية تؤخذ من جزالة التركيب، وهي الوجه الآخر لقوّة البلاغة..أمّا الدقة الدلالية في فحوى الآية لهي من أركان الإعجاز، لأنّها تابعة للقصد البياني، وهو الحقل الموصل إلى الإرادة القصدية المبتغاة من النص، وهذا يمثل المدخل الصحيح للإعجاز، بمعنى أنّه متى ما اتضح القصد على نحو دقيق حصل الإعجاز، وذلك لايتحقق في الذهن البشري الاعتيادي-لأنّه لبّ الإعجاز-، بل عند الراسخين فقط.
ولما كان القصد مركزيا في بلاغة النص فوجب على المفسر أن يقترب أكثر من محيط ذلك المركز كي يستشرف المعنى الاقرب للدقة…
أمّا احترازه فهو ناتج من أنّ كل ّ ما أبهم يصبح موردا َ لتضارب الأقوال وتعدد الإفادات، وخصوصاَ مما أورده كالاحتمالات المتصورة في الحروف المقطعة(18) أو الوجوه المتصورة بسجود الملائكة(19) أو الصاعقة واحتمالاتها(20) في قصة بني إسرائيل.
ومن حقه الاحتراز هنا، أو إيراد ما ظهر عن السابقين لبيان النقطة المطلوب البحث عنها، وهذا من الاسلوب الاحتمالي الذي يتبناه كل مفسر، لعله يصيب في احداها كبد الحقيقة…
أو إيجازه وعدم إخلاله وهو من بنائه الأسلوبي المتماسك الذي زاد في مفاتيحه الإيجازية كقوله ـ على سبيل المثال ـ): والمتحصّل من جميع ذلك :إنّ الآية الشريفة في المقام بضميمة سائر الآيات الكريمة تدل ّ على أنّ جميع أهل الكتاب ، بل جميع أهل الناس سوف يؤمنون بعيسى(عليه السلام) وإنّه حي ّ لم يمت ويعود فيؤمن به الأحياء فتتحد الأديان كلها…)(21).
أو في كشفه للفروق البيانية بين التراكيب الإسنادية للآيات من حيث خصوصيات المعنى، ومستويات الإبانة في شعاب العبارة…من ذلك ما أورده أنّ للتزكية مراتب والسرّ في تقديمها في سورة البقرة لقوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز العليم)(22).
وتأخيره في السورة نفسها لقوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون)(23).
فيقول: (ولعل الوجه في ذلك أن للتزكية مراتب كثيرة منها الإرشاد المحض وإتمام النعمة ومنها التخلي عن الرذائل ومنها التحلي بالفضائل ومنها التجلي بمظاهر الأسماء والصفات الربوبية، ولكل ّ منها درجات فيحمل ما قدمت فيها التزكية على بعض المراتب وما أخرت فيها على البعض الآخر)(24).
فهنا التقديم والتأخير- وهي آلية قصدية قرآنية- سخرها المفسّر لإبانة جوانب النص من عدة جهات كي تترسخ المفهومات المطلوبة من حيث ما كان الإتيان والتناول التعبيري، فهو أسلوب للمقاربة سواء من المورد الأول أو الثاني، حتى يحصل التثبيت والتوكيد لهذا الموضوع بتكراره على وجهين..

توظيفه للعربية
يقصد بالتوظيف أوّلا : أنّها تلقائية مسخّرة للتنزيل والكتاب وليس العكس هو الحاصل أي: أنّ الكتاب يمتاح من اللغة، وإن كان ظاهراَ يتقوّم بها، فلولا نزول القرآن لاندثر ما يسمى باللغة العربية منذ أيام تطورها الفائق، لأنّ انحدارها إلى التشتت اللهجي في عصورها المتأخرة يعد موتا حقيقيا لها… لذا يكون توظيف الدلالات المتشعبة والمستلة من النص في إلقاء الومضة الأولى على النص نفسه بمثابة الكشف الذاتي للنص مع الترابط الدلالي الممتد لمساحات أخرى منه.
فممّا أورده في هذا الباب تناوله للحقول الدلالية كـ(الفراش والبساط والمهاد)(25)،

وهي تمتاز بالسعة اللفظية، أي:أنّ دلالاته لها حقولا واسعة تتحرك نحو هدف معنوي تخترقه من خلال أسلوبه في التجمّع اللفظي، أو بمعنى آخر:إنّ التحول الاسلوبي في هذه الاطلاقات يدل على إمكانية عالية في التصرف اللفظي بما يوائم الدلالة والتداول نسقا وقصداَ..
ولأنّ اللغة أداة لتوظيف المعاني فهي آلية تواصلية مهمتها الارتباط والفهم لأجل التفسير باستعمال مجالاتها الدلالية والمعجمية . وعليه كان القصد الدلالي هو الأساس في بناء النص التفسيري، لأنّه كاشف يتوصل به الى المقاصد الحقيقية المتوخاة في همّة أو نيّة أو عنيّ، آخذين بنظر الاعتبار ما انطوت عليه النظرية الدلالية في استجماع حقولها لإبانة فضاءات النص.
وهذا ما حملته بحوثه من «روائي وفقهي وفلسفي وكلامي وأخلاقي وعلمي وأدبي وعرفاني.. الخ. بمجملها من زبدة المخض للمعرفة القرآنية …وعندها لم يكن مكتفياَ بما لديه من رصيد وإنما لابد له من الارتباط والاتصال بمظان السابقين بما يشبه التفسير المقارن، لاستحصال الوجوه المختلفة في الدرس الأسلوبي، وهذا ما جعل استحصاله لثمار النص ممكناً وغنياً.
أمّا منهجيته القوية المدعمة فكانت جامعة مانعة لتلمّ بالجهد التفسيري للسابقين فقد تكون بصدد الربط المحكم بين المقاطع والآيات من قبيل ترتب العلة والمعلول أو السبب والمناسبة وهو ما نلحظه على سبيل المثال في تناوله لقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم)(26) إذ يقول: في الاية: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل…)
(ترتب هذه الآية الشريفة على الآية السابقة من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة ، فإنّ المؤمن إذا وكل أمره إلى الله تعالى واعتقد انه عز وجل يكفيه ويعطيه الله تعالى الجزاء العظيم .
وقد ذكر عز وجل أمورا أربعة هي:الانقلاب بنعمة من الله، والفضل، وصرف السوء، وإتباع الرضا)(27).
وتعاضدت منهجته بمثل هذه العناصر المرتبطة أساساَ بالنص والكشف عنها مسخرا َعلائقها في رفد تفسيره بطاقة إشراقية، وصولا إلى القصد الأعلى للنص.
أو مما نجده في التنظير والتحليل، من ذلك بحثه ـ على سبيل المثال ـ في (التوكل)(28). ولمّا كان هذا المبحث هو سمة أخلاقية فإنّ ما سيذكره في صدده وفقراته هاد لاستخراج الجنبات المتعلقة به، وكذا في كل سمة أخلاقية أخرى… فهو يورده على النحو الآتي:
ـ (فضل التوكل).
ـ (التوكل في الكتاب الكريم).
ـ (التوكل في السنة النبوية).
ـ (معنى التوكل).
ـ (حقيقة التوكل).
ـ (شروط التوكل).
ـ (درجات التوكل).
ـ (آثار التوكل).
ومن هنا فهذه الفقرات المتمكنة والعالية تدخل في آلياته الأسلوبية، وهي نتاج هذه الآليات لتشكل الأسس الرئيسة لبناء تفسيره، وعندها يحاول أن يحقق المقاربة الأسلوبية مع النص القرآني، كي يكون ناجحاَ في تفسيره معززا لمعانيه، لاسيما وأنّه حافظ له، إذ أعانه في استلهامه التقاربي من محفوظه، أي أنّ حفظه للقرآن ساعده في الاستلهام التفسيري بتأمّل صاف وبصيرة نافذة…
وكان من توظيفه للغة في علوم أدب القرآن والبحث في آفاق التفسير التحليلي والتنظير الدلالي، وهذه تمهيدات مشروعة للولوج إلى التفسير الأقرب، فأصبح بحثه الأدبي يشمل المجالين اللغوي والبلاغي، كالوقوف على المسائل اللغوية مشفوعة بملاحظ أسلوبية، ولطائف فنية، بمعنى أنّ البحث الأدبي قد انطوى على القيمة المستمدة من جذور اللغة وأصولها المعنوية، أو بعبارة أخرى إنّ بحثه قد تكفل في قسمه الأول بالدلالة العامة للنص في حقل البيا ن، وهي تعطي مؤشرات دلالية عامة لمقطعه التفسيري، ثمّ راح يحلل هذا البيان إلى بحوث متصلة تتناول موضوعات محددة، وهي بمجموعها تمثل التفصيل الدلالي لعموم النص، أو البحوث التنظيرية التي تمثل أسلوبه، وقد جمع بينها عن طريق الارتباطات الدلالية من النص إلى المفسر.
ونجد ذلك عنده ـ على سبيل المثال ـ
في أسلوبه (تفكيكا وتفسيراَ مفصلا وتلخيصاَ) بين بحوثه التنظيرية للمقام، كما في سورة الفاتحة، لأنّه العمدة في سياقاته..وهذا ديدنه في مؤلفاته…يقول رحمه الله في بحثه الروائي:
(وفيه ماورد في فضل السورة وامتيازها عن غيرها، وما ورد في تفسير آياتها ووجه تسميتها بالسبع المثاني)(29).
وفي بحثه الدلالي:
(وفيه ما تتضمّن السورة من المعارف وما فيها من أدب العبودية)(30).
وفي بحثه الفقهي:
(وفيه أنّ قوام الصلاة بفاتحة الكتاب، وحكم التأمين بعدها، وهل يجوز قصد الإنشاء بالآية المباركة)(31).
وفي بحثه الفلسفي:
(وفيه نفي السنخية بين العلة والمعلول في الفاعل المختار)(32).
أمّا الفاصل التفسيري أو الحدّ المنطقي بين هذه العنوانات هو أنّه ينهي موضوعة ليفتح موضوعة أخرى بمقولاته وإدلاءاته مع ماله من إحساس بمواقع الكلمات، إذ يفضي هذا الفتح التعاقبي إلى زبده المخض في استخلاص المنافع البيانية التي طابقت مقتضى الحال لأنّ (القدرة على إثارة المعاني وفتح ينابيعها وتدفقها من هذه الينابيع وجريانها في تلك الشعاب اللغوية حتى لايبقى منها شيء إلا وهو يتزاحم في تلك الأبنية…)(33)، بمعنى أن التراصفات اللفظية جريانات معنوية داخل منطقة النص بما يشكل تفاعلات دلالية متعددة يحاول السيد استلال حزمها المتوحدة التي تنضوي تحت قصد واحد بحسب مساق النص في قالب تفسيري منطقي أخلاقي.
ولمّا كان الموضوع انتقائياَ في الانتقال بين هذه وفتح موضوعات متعددة فإنّ ما يجمعها على الدوام هو القصد التفسيري، وهو تابع للمفسر، بل هدفه الرئيس من وجهته في التفسير، ومدى النجاح في هذه المهمة يتعلق بمدى التقارب القصدي بين المفسر والنص والمتلقي، إذ يجب أن يكون لمفسر متقاربا مع قصد النص حتى يكون صادقا في استشرافه…
وتسخّر هذه الدلالات لتلبية الحاجات الأخلاقية والتربوية أو هي بمثابة البناء الجسري الذي يهدف إلى التعديل الأخلاقي والتهذيب، بمعنى أنّه (يحاول إيجاد جسور جديدة بين الكلمة أو الحادثة أو الموقف وبين التعديل للسلوك)(34)، وعندها يكون الأسلوب اللفظي هو المعتمد، فالكلمة جسر دلالي قوي للترابط بين المقاصد وأسس الوصول، وهذا ما يمثل النجاح العملي في المبحث التفسيري، وهو بذلك يحقق أكثر من وظيفة عبادية بحيث يحمل القاريء استيعاب دلالة المقطع ليتحقق له التفاعل مع الأفكار المطروحة وصولا لأن يكون في حالة تثويرية مع النص مؤكدا أن (القرآن حمال ذو وجوه)، والمطلوب عدم الجزم بما ظهر من الاحتمال وإيكال العلم إلى العليم المتعال)(35)، لأنّ هذه الاحتمالات غير قطعية، ومن ذلك لايمكن الجزم بصدورها يقينا: ثبوتا أو إثباتا…
وبما أنّ المقاصد العبادية هي من مستلزمات أسلوبه المبتنى مع المعاطاة، فالوظيفة العبادية تمثل الجانب التطبيقي من تحويل النص للعمل على أرض الواقع، وهذا ما نسمّيه بالنص الناهض أو المتحوّل من القوّة الى الفعل وهو النص الذي يتشخص بأدوات بلاغية عالية (معجزة) بحيث تنهض معربة عن نفسها بشعارات قصدية واضحة وأمارات بيانية هادفة نحو تحقيق ذلك، وأعلى مراتب هذه النصوص المشيرة الى ذاتها: النصوص الإعجازية، فالآية لا تحتاج إلى من يثبت إعجازها لأنّه قائم بذاتها لكونه كلاما لمتكلم أساسا غني بذاته… بمعنى انّ هذا النص قد أكسب المتلقي مهمة تأويلية تثويرية تكمن في قدرته على استنطاقه، وعندها تتفذلك هذه الحيوية النصية بعناصر تأثيرية على واقع المتلقي بما يجعله فعلاَ عبادياَ منضبطاَ بالنصّ.
ويشهد للمفسر هذا الجهد الفياض لغوياَ وتفسيريا في خدمة القرآن الكريم أنّه ذو باع طويل في الاختصاصات التي عرض لها، محققاَ إفاداته في مجالات اللغة والتشريع والتفسير وعلوم القرآن، وهو مجهود محمود في مجال خصوصيات المعاني، لاستعماله التراكيب المتنوعة للبيان القرآني، وقد أبانت عن حركة لغوية واضحة مجالها استنطاق الآيات القرآنية والكشف عن معانيها..
أمّا مجال التشريع ـ فقهاً وأصولاً ـ فقد أسهم في إثراء مباحث الألفاظ من خلال تخريجاته التفسيرية وإشاراته الدلالية في القصد والاستعمال..
وكان ثالث هذه المجالات هو مجا ل التفسير وعلوم القرآن، وهو جماع الامر بصقل الخبرات لدى المفسّر المحلل للتمكن الموسوعي في بحث النص، وهو مجال ـ بالتأكيد ـ جوهري عنده، لأنّه يمثّل التتويج النهائي لمجهوده اللغوي والأصولي تحقيقا وتدقيقا..

الخاتمة ونتائج البحث
رصد الباحث النتائج الآتية:
* حقق السيد السبزواري مهمّته التفسيرية حريصاَ على كتابة تفسيره بلغة القرآن داعياَ إلى رفدها بالمدد اللغوي الذي يخصبها ويزهرها، لأنّ إحكام بيانها سيأخذ إلى تهذيب السليقة، لأنّ التهذيب السليقي مقدمة على التهذيب الأخلاقي، بدليل إنّ إتقان اللغة ونقائها بحدّ ذاتها هو مدخل حضاري لتهذيب أخلاق القوم، لذا يبقى الراسخون في العلم عند القمة.
* أودع السيد ذلك في جانبين: الأوّل: إيضاحه التفسيري، وهو ديدن كلّ مفسّر وغايته القصوى، وبلغ فيه شأوا بعيدا َإذ استنطق دلالات النص وخصوصياته، والثاني:كشفه التأويلي، وهذا يقع في زاوية الكلام والعرفان، وقد أفرد له السيد جوانب من تفسيره، وهو يتناسب والعرفان الإسلامي.
* لمّا كان الغرض التهذيبي ملمحاً واضحاً في مواهب الرحمن فهذا يدلّ على مقدرته القصدية وتجلياته التي تتمثل في إباناته للآي الشريف في مجالي الهداية والعرفان، بمعنى أنّه يجلي الجانب التربوي عقلا ونقلا بلمسات عرفانية متميزة، وهو يتفاعل معها في مادته المبحوثة، على وفق لغة خاصّة، وإن لم يتمكن أن يفصح عنها إلا بشذرات قليلة تفيض به مواهبه واستعداداته.
* تتوجت مزايا بلاغته بصحة أسلوبه أوّلا، وهي دقة الوصول إلى المقصد، وعندها لم نجد ما يحيل بين النص والوصول إلى تلكم المقاصد.. وبوضوحه ثانياَ، وهو إبانته وكشفه ووصوله إلى القصد من دون إشكالات معنوية أو معجمية كالألفاظ المجازية البعيدة أو الغريبة.. وبدقته ثالثاَ: وهي المقارنة المثلى والمحاذاة المطلوبة للانطلاق نحو أقصر الطرق إيجازاَ ووضوحاَ، لأنّ الدقة هي إتباع أيسرها في استحصال المطلب التفسيري…أمّا علاقة هذه المزايا أو السمات بالمنهجة والتنظير، فإنّ المنهج هو عبارة عن نظام يستند إلى هذه الثلاثة ابتناء ثمّ تستعمل أدواته لاستيفاء المطلب البلاغي، وهذه أصول الأسلوب الأمثل الذي ينبغي اتباعه..
* إنّ اعتماد المفسر على المقطع في تفسيره (تفكيكا أو تفسيراَ مفصّلا أو تلخيصاَ) هو من المداخلات التفسيرية التي ناور بها لتحقيق مهامه القصديّة، تأملات واستنباطات ووجوه ودلالات..وقد خصص لبحث العرفان الحظ الأوفر منها انسجاما مع قصده الذي ألّف به التفسير.
* إنّ تحليل الأسلوب التفسيري عنده قد انطوى على عدة مفاصل مهمة تتمثل في إشراقة اللفظ وإيحاء المعنى وسلامة التركيب، إذ أنتجت هذه جميعا بلاغة فائقة وشحت تفسيره المبدع للقرآن الكريم محاولا استيفاء متطلبات النص البياني بشقيها اللغوي والبلاغي استحصالا للمطالب العالية من إطلاقات النص.
(وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين) .

نشرت في العدد 38


(1) ابن جني : الخصائص 1/ 47.
(2) أبو موسى محمد محمد : الإعجاز البلاغي ص 13 وينظر ابن جنيّ الخصائص 47، 242.
(3) أبو موسى محمد محمد : الإعجاز البلاغي ص22.
(4) ابن منظور : لسان العرب مادة (سَلب) حج 1/473، وينظر : عبد المطلب محمد: البلاغة والأسلوبيَة ص82.
(5) ينظر :هلال / مّحمد غنيمي :النّقد الأدبي الحديث ص 118ـ121.
(6) أبو موسى :مّحمد مّحمد :مدخل الى كتابي عبد القاهر ص55، وينظر :هلال : مّحمد غنيمي : النقد الأدبي الحديث ص119 – 120.
(7) السّبزواري : عبد الأعلى / المواهب الرحمن 11/180 – 191.
(8) عبد المطّلب :محمد : البلاغة والأسلوبية ص207.
(9) أبو موسى : محمد محمد : البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري ص 388.
(10) ينظر : السبزواري : مواهب الرحمن 7/209.
(11) ينظر: السبزواري : مواهب الرحمن 2 / 279ـ220.
(12) ينظر : السبزواري : مواهب الرحمن 9 / 405.
(13) ظ: عبد الغفور / عبد الرؤوف : منهج السيد عبد الأعلى السبزواري في التفسير (بحث) ص 457.
(14) أبو موسى : مّحمد مّحمد : الإعجاز البلاغي ص 16.
(15) عبد الغفور : عبد الرؤوف / منهج السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسير (بحث) ص480.
(16) أبو موسى : محمد محمد : مدخل الى كتابي عبد القاهر ص 221 – 222.
(17) السبزواري : مواهب الرحمن 9 / 288.
(18) السبزواري :مواهب الرحمن 5 / 7.
(19) السبزواري :مواهب الرحمن 1 /167.
(20) السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 245.
(21) السبزواري :مواهب الرحمن 10 / 146.
(22) الآية 129.
(23) الآية 151.
(24) السبزواري :مواهب الرحمن 2 / 146.
(25) السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 107 + 108.
(26) سورة اَل عمران / الأيات 172 + 173.
(27) السبزواري :مواهب الرحمن 7 / 72.
(28) ينظر: السبزواري :مواهب الرحمن 7 / 17ـ31.
(29) ينظر : السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 46.
(30) ينظر : السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 52.
(31) ينظر : السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 53ـ54.
(32) ينظر : السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 54ـ55.
(33) أبو موسى : محمد محمد / مدخل الى كتابي عبد القاهر ص 209.
(34) عبد الغفور : عبد الرؤوف : (منهج السيد عبد الأعلى السبزواري في التفسير ) (بحث) ص493.
(35) السبزواري :مواهب الرحمن 1 / 254.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.