Take a fresh look at your lifestyle.

الروعة الإعجازية في التباين الدلالي في التعبير القرآني

0 314
            إذا كان منطق الإعجاز في التعبير القرآني يمكن في لغته الرائقة ـ لكل مُتلقٍ لها ـ وروعة صياغة تلك اللغة وما ينتج عنها من مضامين عالية الدقة والبراعة في التأثير؛ فإنه يمكن ـ والحال هذه ـ أنْ نقول: إنَّ من دواعي تحقق ذلك المعجز النصي هو ورود تناظر نصي في ذلك الخطاب الإلهي يثبت بأحقية ـ لا تقبل الجدل أو التردد ـ بأن هذا الكتاب العظيم لا يصدر إلا من السماء فهو من جنس قدرتها فحسب؛
          لأن البشر وإن برعوا في إبداع أرقى النصوص الكلامية وإنتاج أجلى الفنون المقالية المؤسرة؛ فإنهم غير قادرين البتة على أن يُعيدوا صياغة ذلك الخطاب السماوي بلغتهم وإن علو كعباً في نطاق التفنن في ميدان الأداء اللساني البارع؛ إذ لا يقوون على إنجاز النص الإلهي بمقدرتهم البشرية وإن اتفق ذلك النص ومنطلقاتهم الكلامية وأنماط توظيفهم للأساليب الخطابية في المقال، ذلك بأن العقل البشري المنتج للغة محدود والنص القرآني مطلق بناءً على صفة منشئه (الله تعالى) ولا يسع الـمُقيَّد أن يلتحقَ بالمطلق مهما اجتهد ودنا ومهما قارب وسعى؛ لأن المنطق يقف عائقاً أمام تحقق ذلك فهو إلى المستحيل أقرب منه إلى القبول والتسليم.
           تأسيساً على هذا نقول إنَّ التناظر النصي في التعبير القرآني يعد من سمات إعجازه الخطابي ونقصد به ورود أكثر من نص قرآني على مسار تناظري واحد في حيز تقابل البُنى التركيبية، وسواء كان هذا التحول متحقق النوع في تبدلات أصول المراتب من حيث التقديم والتأخر أم في ذكر ملحوظ في موضع وحذف له في موضع آخر، أو في استعاضة لفظة مكان أُختها على وفق تَملُّك اللفظة لمعنى خاص يتيح لها الإحلال في هذا الموطن دون سواه، أو في روعة ما يحمل النص من أدوات للتعبير، وحروف للمعاني تتناوب فيما بينها من نص لآخر، فإنه لا يؤسس لنا إلا ممارسات دلالية جديدة لها أثرها في توجيه القصد والمعنى مسايرة لنمطية ومقتضى المراد الإلهي المنتخب لكل نص.
            وإذا كان ثمة وجود للتناظر النصي في القرآن الكريم فإنا نتساءل بناءً على ذلك الوجود جملة من التساؤلات:
      أولها: إذا كانت هناك نصوص متناظرة في النص القرآني فما داعي التباين الدلالي الذي يقع فيها،
      أما ثانيها فهو التساؤل: هل لبنيوية النصوص القرآنية المتناظرة صلة دلالية بفواتح سورها وخواتمها،
     وهل لهذا الأخير اسهامات دلالية لها شأنها في توجيه التحولات النصية في الخطاب المقدس،
            وللإجابة عن هذه التساؤلات في حيز البحث القرآني ننتقل من التجريد إلى التطبيق لنستنطق انموذجا قرآنية سعياًُ وراء لملمة إجابات وافية عن هذه الفرضيات أو التساؤلات العلمية؛ وتأسيساً على هذا المنطلق ننظر إلى الفارق ما بين الايتين الكريمتين:
              قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)(1).
            وقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(2).
           عند النظر والتأمل في الآيتين الكريمتين نجد أنه تعالى قد استعمل لفظة (هامدة) في آية الحج وذلك في قوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً)، على حين نلحظ انه قد استعاض عنها بلفظة (خاشعة) في آية فصلت وذلك في قوله: (أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً)، والظاهر أن داعي هذا التغاير اللفظي في العبارتين يعود إلى السياق الداخلي لكل من الآيتين؛
         فسياق آية الحج جاء متظافراً لبيان دلالة قدرته سبحانه وتعالى على الأحياء والتنمية ثم التكامل والانتهاء، فكأنه بهذا يشير إلى سير حياة الإنسان ليربط هذه الفكرة بمضمون البعث والمعاد؛ بناء على أن لكل إنسان نهاية في حياته، ولكن ما يلي هذه النهاية ـ هو موضع الحديث ـ وهو أنه ستكون له كرة اخرى بحياة أخرى، وهذا ما يصطلح عليه بـ(المعاد)،
             فما العرض لمراحل حياة الإنسان في الآية إلا بيان للإنسان نفسه بأن الذي اقتدر على هذا لقادر على أن يعيدك من جديد؛ وما يسند أن دلالة سياق هذه الآية دال على فكرة (المعاد) ومرتبط بها ارتباطاً وثيقاً هي الآية التي تليها؛ إذ يقول سبحانه فيها: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) نقول لما كان السياق دالاً على قدرته تعالى على الإحياء والاماتة ثم قدرته على تحقيق (المعاد) جاءت لفظة (هامدة) حالاً لرؤية الأرض بدلاً من (خاشعة) توافقاً مع هذا السياق؛ لأن لفظة (هامدة) تعني هالكة ميتة يابسة لا زرع فيها البتة(3)،
             فشبه سبحانه الأرض الميتة بحال الإنسان بعد الموت فكما أنه سبحانه يستطيع إحياء هذه الأرض وهي في حال الموت فإنه لقادر على بعث الإنسان من جديد، ولقد استعمل سبحانه لعملية بث الحياة في الأرض تعبيراً جميلاً وهو قوله: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) فهذا يعني أنها (تحركت بالنبات بسبب المطر والمراد بالاهتزاز شدة حركة الزرع في الجهات)(4)
            وهذا مناظر لحال خروج الناس من أجداثهم فهم يبعثون من كل أنحاء الأرض فتهتز الأرض لذلك كما يهزها خروج الزرع من جميع جهاتها فكأن المرحلة الأولى هي (الاهتزاز)، أما الثانية فهي (الربت) وهو الخروج من جميع النواحي، فكان الاهتزاز عملية تمهيدية للربت، أما قوله (زوج بهيج) فهو الحسن الصورة الذي يُمَتِّعُ مَن رآه(5)،
           فنلحظ أن الله تعالى قد وظف الصفة (بهيج) توظيفاً رائعاً في هذا السياق؛ ذلك بأن الرائي قد يخال أن الأرض لن يخرج منها شيء البتة بسبب موتها، فأبان سبحانه أنه ليس بقادر على احياء الأرض بعد موتها فحسب؛ بل انه يُخرِج منها كل ما يمكن أن يُتَلَذَّذ به في النظر وتستطيب له النفس وترتاح، لأن المنظر الحسن يفتح النفس ويزيل الهم، فكان في مضمون هذه الصفة التي وصِف بها النبات الحي قدرةٌ على إبعاد ذهن المتلقي إلى اقصى غايات الإيمان بقدرته تعالى على الإحياء فهو لا يحيي فحسب؛ بل هو مُفِنٌ بالاحياء فاذا كانت قدرته تصل إلى هذا الحد كان إحياء الموتى عليه أيسر.
            ثم إن بداية هذه الآية تؤكد أنها تتمحور على إظهار قدرته سبحانه في الإحياء وتحقيق المعاد وذلك في أمرين هما:
   1- مخاطبته تعالى للناس بقوله: (يا أيها الناس) فكان هذا الخطاب بداية تنبيه على شيء مهم يريد سبحانه الإبلاغ عنه، ونجد أنه تعالى قد ساق هذا الخطاب على صيغة العموم فأورد لفظة (الناس) مما ينبيء بأن الأمر الذي سيتحدث عنه يتسم بسمة الشمولية للناس جميعا بلا استثناء.
   2- استعماله للفظة (ريب) بدلاً من لفظة (شك) في قوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ)؛ ذلك بأن (الريب) هو الشك مع الاتهام، لأن من الناس مَن لا يؤمن بوجود البعث؛ بل يتهم من يقول ذلك بالكذب، على حين ان الشك يعني التردد بين شيئين، ثم إن ذكره للبعث صراحة لدليل قاطع على أن سياق هذه الآية يقوم على هذا المضمون،
            ولابد من الاشارة إلى أن قوله: (يا ايها الناس) لا يخصُّ النداء فيه الناس الذين يرتابون في البعث فحسب؛ بل يشمل النداء الجميع (المرتاب وغير المرتاب) فهو للمرتاب ردٌ واقناع ولغير المرتاب عزة وايمان وتعميق له باليقين،وما يدل على ان النداء هو مصروف للجميع قوله (لنبينَ لكم) فاللام هنا سببية وقد (حذف المفعول إيماءً إلى ان افعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لايحيط به الذكر)(6) فهذه الافعال بيان للجميع لان الجميع يشهدها المرتاب وغيره.
             إن هذا كله أوجب أن ترد لفظة (هامدة) للأرض بدلاً من (خاشعة)، والأظهر لدينا أن الله تعالى قد وشج فكرة البعث للناس بإحيائه للارض الميتة لوجود علة مشتركة بين الاثنين وهي أن أصل خلق الإنسان هو من الأرض (التراب)؛ وذلك بأن النطفة التي يُخلَق منها الإنسان (يجعلها الله من الغذاء والغذاء ينبته من التراب والماء فكان أصلهم كلهم التراب)(7) الذي هو اصل الأرض ويسند هذا قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)(8)،
            ويمكن ان يقال ان الإنسان مخلوق من تراب تأسيساً على الأصل الاول له وهو النبي آدم (عليه السلام)؛ اذ خلقه سبحانه من التراب حيث يقول (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(9) فلما كان آدم (عليه السلام) اصله من تراب وانحدرت منه السلالة البشرية جميعها كان الناس على وفق الاصل الاول لهم مخلوقين من تراب ايضاً (فمن قدر على ان يُصيِّر التراب بشرا سويا حيا في الابتداء قَدِرَ على ان يحي العظام والتراب المُتبدِّل من العظام ويعيد الأموات)(10) إلى الحياة، فاذا كانت العظام تحال إلى تراب ويحيها الله فإن إحياءه للارض التي هي تراب هو ذات العمل الذي يمكن أن ينطبق على إحياء الإنسان في حال البعث؛ فلِمَ الريب اذن؟!.
            إن كلامنا السابق ينحصر جميعه في نطاق التركيب الداخلي لسياق اية الحج، غير أن هذه الآية لها رابط بالدلالة العامة للسورة بأسرها وهذا يعلل لنا أيضاً سرَّ استعماله تعالى للفظة (هامدة) بدلاً من (خاشعة)؛ فاذا ما قرأنا الايات الاولى لسورة الحج لوجدناها تعزز منطقية استعماله تعالى للفظة (هامدة) دون غيرها، اذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(11) فنجد أن سياق هذه الآيات يتحدث عن مشاهد المعاد والبعث وأهوال ذلك اليوم، ذلك بـ(ان البعث يحدث ثورة وتبدلا جادا في عالم الوجود، فالجبال تقع من مكانها، والبحار يصب بعضها في بعض، وتنطبق السماء على الأرض، ثم يبدأ عالم جديد، وحياة جديدة)(12).
          وهذا شبيه بإحياء الأرض بعد موتها واهتزازها وما يقوي الشبه بين المشهدين انه تعالى استعمل لفظة (زلزلة) و (الزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحال الهائلة وكأنه مأخوذ بالاشتقاق الكبير من زلَّ فكُرِّر للمبالغة والاشارة إلى تكرار الزلة)(13)،
           فالزلة تدل على كثرة التحرك والاهتزاز كما الأرض في حال الاحياء، وللدلالة على شدة ذلك اليوم ووثوق تحققه هو انه سبحانه قد صوره تصويرا دقيقا بقوله: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) فالمرأة حينما ترضع ولدها تحرص عليه وتشدة بقوة إلى صدرها لعظَم حنانها وحنوها عليه غير أن الامر مختلف في لحظات قيام الساعة حيث نرى أنها تذهل عنه والذهول هو أقصى غايات فقدان الوعي الحسي مع الاحتفاظ باليقظة الظاهرية،
          وقد ذهب (اكثر اللغويين والمفسرين إلى أن هذه الكلمة تستخدم بصيغة مؤنثة (مرضعة) لتشير على لحظة الأرضاع، أي يطلق على المرأة التي يمكنها ارضاع طفلها كلمة (المرضع)، وكلمة (المرضعة) خاصة بالمرأة التي هي في حالة ارضاع طفلها ولهذا التعبير في الآية اهمية خاصة)(14) في بيان شدة أحداث يوم البعث وما يحدث فيه من انواع الرعب إلى الحد الذي تترك فيه المرضعة رضيعها الذي بين يديها،
          ومن اللافت للنظر أن الله تعالى قد عبَّر عن المرضعة بصيغة العموم؛ اذ استعمل لفظة (كل) وأضافها إلى (المرضعة) فدلت على شمول جميع المرضعات دفعة واحدة وهذا يدل من جهة اخرى على ان الحالة التصويرية التي ذكرها سبحانه هي ليست حالة منفردة وغريبة بل هي حالة عامة تشمل جميع الامهات المرضعات، وهذا يوحي إلى أن الهلع والخوف سيتملك الجميع يومذاك.
           أما نهاية سورة الحج فتؤكد أيضاً فكرة البعث والمعاد وذلك في قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(15)

 

           حيث يؤكد سبحانه في السياقات اللغوية لهذه الايات ان المرجع اليه وحده؛ وذلك باستعماله العدول التركيبي في قوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) حيث قدم المتعلِّق الجار والمجرور (إلى الله) على الفعل ونائب الفاعل (تُرجَعُ الامورُ) والاصل في الخطاب لبناء الجملة نحويا هو تقديم المسند والمسند اليه وإرجاء المتعلقات التوضيحية إلى ما يلي طرفي الاسناد غير أن الملاحظ في هذا التركيب هو العدول عن الاصل، فنجد أن طرفي الاسناد قد تأخراً وتقدم عليهما المتعلِّق،
          والظاهر أن هذا العدول قد وقع لتحقيق مضمون دلالي يُفتَقد بدونه وهو دلالة التخصيص؛ إذ ان تقديم المتعلِّق (الى الله) حقق معنى اختصاص عودة هذه الامور اليه سبحانه وحده دون غيره فكان هو مآل الأمور ومرجعها ثم انه ألحق الالف واللام (الـ) بالجمع (أمور) فافاد معنى العموم ليكون المضمون النهائي للتركيب هو ان جميع الامور بأسرها عائدة اليه حصرا ولا يكون ذلك إلا في يوم القيامة حيث تحصى الامور جميعا لتُعرَض على الناس بغرض محاسبتهم عليها؛ وعند معاودة النظر في التركيب نرصد حذفاً لفاعل حدث الرجوع ونيابة المفعول به (الأمور) عنه والاحرى ان هذا الحذف والنيابة قد وقعا لتحقيق امرين:
    الأول: ان حذف الفاعل يشد ذهن المتلقي للتركيز على حدث الفعل وهو (الرجعة) إلى الله تعالى بغض النظر عن مؤدِّي هذا الفعل أو القائم به، لأن المراد هو توثيق فكرة (المعاد) فهي موضع الطلب واصل المقام.
    الثاني: ان إنابة (الأمور) بدلاً من لفظ الجلالة (الله) الذي هو الفاعل الاصل، يضفي على النص صفة الهيمنة وعظم القدرة له تعالى إلى الحد الذي لا يقوم ـ هو بنفسه ـ بإرجاع الأمور إليه؛ بل الأمور ذاتها هي التي تعود إليه طائعة راغبة وذلك رهبة منه وهيبة اليه ؛ فاسناد فعل الرجوع إلى ما وقع عليه الرجوع نفسه (الأمور) فيه دلالة على العظمة ودعوة إلى الإيمان بأن هذه المسارات إنما هي واقعة بذاتها وهي متحققة بنفسها من دون الحاجة إلى فعل فاعل فكأن المآل يحدث وحده والأمور تسير على سجيتها حتى ليبدو للرائي أن كل شيء يسير على ما كُلِّفَ به من دون مُشيرٍ أو موجِّهٍ وذلك تأسيساً على قدرته سبحانه وسطوته على الأشياء.
          ثم يسترسل سبحانه فيأمر الناس بعبادته وفعل الخير، والجهاد، وأن أوامره هذه توحي إلى ضرورة صقل السلوك للبشر عامة والمسلمين خاصة ليزيد في إيمانهم من أن حُسْنَ عملهم هذا لابد له من يوم يجازون فيه بأحسنَ ما عملوا ألا هو يوم المعاد.
           من هنا كان من الواجب أن ترد لفظة (هامدة) بدلاً من لفظة (خاشعة) لوصف حال الأرض لأن الدلالة الانسيابية للسورة باسرها وللاية التي وردت فيها اللفظة خاصة كلها تعبر عن مضمون فكرة المعاد والبعث ووجوب الايمان به.
           أما قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ* وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
          فنجد فيه ان الله تعالى قد آثر استعمال لفظة (خاشعة) لوصف حال الأرض على لفظة (هامدة)؛ نقول إن هذا الاختيار يرجع إلى مقتضى السياق الذي حلت فيه اللفظة فاذا ما عدنا لنقرأ الآيتين السابقتين على هذه الآية فإنا نجد أن دلالتهما تتموضع على ترسيخ فكرة التوحيد وضرورة عبادة الله تعالى، اذ ذهب غير مُفسِّر إلى أن هذه الآيات تختص بقضايا التوحيد ودلائل النبوة وعظمة القرآن فهاهنا دعوة لعبادته سبحانه متفرداً من خلال عرض مقدرته في خلق هذه الكواكب العظيمة ودقة سيرها واتزانها في المواقيت والحركة(16)،
            ويستند هذا نهيه الصريح عن عبادة هذه الكواكب، لأنها مخلوقة لا خالقة،وأن دلالة النهي عن العبادة في هذا الموضع توحي من طرف خفي إلى عظمة هذه الكواكب وروعة صنعها إلى الحد الذي بهر الناس فراحوا يخالون أنها تستحق العبادة، بيد أنها لما كانت مخلوقة بدلالة قوله: (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) وجب من هنا العدول إلى الخالق الاكمل لا إلى المخلوق التابع، حيث عزز سبحانه دلالة النهي عن عبادتها بالامر الصريح على عبادته بقوله (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ)
           ثم أبان سبحانه عن سمو عظمته بحديثه عن عبادة الملائكة له، فكان بهذا غني عن عبادة من لايريد عبادته، فالملائكة الذين عنده يسبحونه والمقصود بالتسبيح هنا (العبادة) وقد صاغ فعل العبادة بالتسبيح هنا على الفعل المضارع للدلالة على الاستمرارية وتصوير حالة العبادة، ذلك بأن هذا الفعل مُفرَّغ من الزمن فهو مطلق لتحققه في جميع الأوقات والأزمنة؛ إذ لا يُقيِّده زمن ولا يحدُّه وقت ويسند هذا قوله تعالى: (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) فإذا كانت دلالة (الباء) هنا ظرفية فُهِمَ بهذا أن التسبيح ممتدٌّ من الليل متواصل بالنهار و بهذا تكون العبادة التي هي (التسبيح) شاملة لجميع الأزمنة دون انقطاع ويردف دلالة الإطلاق الزمني في الفعل (يسبحون) أيضاً مضمون الحال في الآية الشريفة وذلك في قوله تعالى: (وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)
           فنفي السأم هنا يدل على تواصل العبادة دون فتور او توقف ولو للحظة واحدة؛ يقينا منهم بوجوب عبادته سبحانه وإجلاله على مدار الوقت لانه الخالق الاوحد، إن استعماله تعالى لهذا الفعل بالكيفية التي هو عليها في النص وتقييده بالحال لدليل قاطع على وحدانيته وعظمته ووجوب عبادته باستمرار.
           من هنا نصل إلى حالة من الاطمئنان بأن سياق الآيات السابقة على آية فصلت كلها تدل على الوحدانية والعبادة وهذا يفسر لنا ورود لفظة (خاشعة) بدلاً من (هامدة) في الآية التي تلت هاتين الآيتين؛ لأن الخشوع للأرض يعني التذلل والتضرع(17)، ولقد استعيرت لفظة الخشوع هنا للدلالة على أن الأرض مجدبة يابسة لانبات فيها(18)،
            فاذا ما أنزل سبحانه عليها الماء انبتت فكان هذا الانبات استدلالاً على قدرته تعالى ووجوب عبادته فلما كان السياق كله دالا على العبادة كان مجيء لفظة (خاشعة) هنا مناسبة لهذا السياق؛ لان الخشوع من لوازم العبادة ومقوماتها وهذا يعني أن الأرض تعبد الله ايضا لانه سبحانه يصورها في حالة تضرع وتصاغر له رغبة منها لاحيائها بعد جدبها واقفرارها،
          ثم إن القول بعبادة الأرض له سبحانه يدعونا إلى القول بعبادة الشمس والقمر له أيضاً لأنها خلوقة حالها كحال الأرض ولما كان الجميع مخلوقا فُرِضَ الحضر على الإنسان من عبادة أي منها؛ كما نفهم من هذا ان أي مخلوق يجب عليه عبادة خالقه وهو الله سبحانه فالأرض والشمس والقمر وغيرها كلها تعبده سبحانه؛ لأنه ابتدعها وأنشأها؛ فـ(هذ الأرض الميتة الخالية من الحركة واثارة الحياة، أي قدرةٍ حولتها إلى نبض دائم يمور بالحياة والحركة، إنه الماء، وانه لدليل على قدرة الله الازلية وعلامة على وجود ذاته المقدسة)(19) التي تستحق العبادة من كل مخلوق.
           فكان سياق الآية وما قبلها دالاً على وجوب توحيده سبحانه في العبادة لان السياق قد انطوى على (احتجاج بوحدة التدبير واتصاله بوحدة الرب المُدبِّر وبوحدة الرب على وجوب عبادته وحده)(20).
            ثم ختم سبحانه الآية بقوله: (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكأنه سبحانه بعد ان قدم الحديث عن إحياء الأرض على انها آية من ايات وحدانيته وعظمته ذكر أن هذا الإحياء مشابه لإحياء الموتى وإن هذا الاخير خاص بفكرة المعاد والبعث.

 

            فنجد انه تعالى لما ساق الحديث وبناه في اية الحج على فكرة المعاد والبعث قدم ذكر حياة الإنسان ونهايته ثم شبهها باحياء الأرض فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)
             ولهذا جاء بـ(هامدة)؛ لأن الحديث في هذا الموضع حديث عن الموت والبعث، على حين نجده في فصلت حينما بنى كلامه على فكرة التوحيد والعبادة له سبحانه قدم ذكر الكواكب والامر لعبادته وقدم أيضاً إحياء الأرض لانها آية من آيات وحدانيته ووجوب عبادته، وآخر فكرة البعث والمعاد بذكره لإحياء الموتى فقال سبحانه (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ* وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
            لان قوام الحديث في هذا الموضع أصالة يدور على فكرة التوحيد لا البعث؛وتأسيساً على المدار المضموني لكل آية رفع سبحانه في آية فصلت قوله: (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) في الوقت الذي اثبته في اية الحج؛ إن هذا الاقتضاء يعود إلى أن فكرة المعاد في اية الحج هي التي أوجبت ثبات هذه الجملة لبيان مديات قدرته سبحانه لخق الحياة في الأرض الميتة وتفننه في تصوير المخلوق ليكشف بهذا عن جماليات المقدرة الالهية فضلا عن تعزيز القناعة بالمقدرة الالهية نفسها،
              على حين ان اية فصلت تقوم على فكرة التوحيد ومن ثمة لاداعي لايضاح جماليات المقدرة وانما الحاجة تنصب في هذا الموضع على بيان المقدرة ذاتها فحسب؛ لأن تحقيق المقدرة الالهية تدعو إلى الإقرار بالربوبية والوحدانية في آن معا، لذا وقع الاقصاء هنا.
             وإذا كانت الدعوة إلى التوحيد تستلزم إظهار المقدرة ابتداءً وجب لهذه المقدرة التأكيد والترسيخ لا الاهتمام ببيان تفنن تلك المقدرة وجمال مظاهرها؛ ولهذا نجد تأكيداً للمقدرة في آية فصلت لتحقق هذا المراد وذلك في قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً) حيث استعمل سبحانه حرف المعنى (مِن) في قوله (وَمِنْ آيَاتِهِ) فافاد دلالة البعضية التي أكدت أن آيات الله تعالى كثيرة ومتعددة؛ لأن القول بتبعيض (من) يلزم منه بالحتمية القول بكثرة آياته تعالى ومن تلك الآيات (إحياء الأرض الميتة)، يزاد على هذا توظيفه تعالى للتوكيد الصريح المشدَّد في قوله (أنَّك) لان التشديد في (أنَّ) يفيد توثيق الإخبار وضرورة تحققه اما كاف الخطاب فتحمل دلالة توجيه الكلام إلى المتلقي مباشرة ما يدل على أن آية إحياء الأرض هي حُجةٌ واضحةٌ وبيِّنةٌ سائدةٌ يشهدها كل إنسان،
             على حين ان اية الحج لانشخص فيها تاكيداً في هذه الجملة؛ اذ يقول سبحانه (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) فلا توكيد ولا تسليط تأكيدي للخطاب بالكاف؛ لأن المضمون في أية الحج لا يدعو إلى تأكيد القدرة بقدر ما يدعو إلى بيان مستويات إبداعاتها البعيدة لترسيم فكرة (المعاد)، فإعادة الإنسان بعد موته وصيرورته ترابا وعظاما أمر بعيد عن التصور الذهني والتقبل المنطقي من حيث الملموس والمادة ؛ لذا اوجب منه تعالى أن يبين بعض ابعاد مقدرته وإبداعاته التفننية للإنسان ليستدل بها على صدق فكرة (المعاد) ابتداء، وليتيقن تبعاً بأن (المعاد) امر متحقق يسير المنال سهل الحدوث لله تعالى قياسا إلى روعة مقدرته الجبارة وسموها الإبداعي في نطاقات مناظرة؛ لهذا جاء بلفظة (خاشعة) تناسباً مع صيرورة العبادة وأساسها وشبه إحياء الموتى بإحياء الأرض وليس العكس كما هو الحال في آية الحج حيث شبه إحياء الأرض باحياء الموتى لأن المراد منها هو احياء الموتى أي ذكر (المعاد والبعث)،
              اما اذا ما شئنا ايجاد العلقة الأوسع لايثار لفظة (خاشعة) في هذه الآية على (هامدة) فانا ننظر إلى بداية سورة فصلت وخاتمتها فاما بدايتها فقوله تعالى: (حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ* قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)(21) فنجد أن السورة قد ابتدأت بالحروف المقطعة وهي هنا (حم) فكان في هذا الحروف دعوة إلى العرب لمجاراة النص القرآني، لأن القرآن الكريم مؤلف من حروف كهذه الحروف التي في بداية السور فإن استطعتم أن تأتوا بمثله فافعلوا(22)،
              فكان في هذا تحدٍ لهم وإظهار لمعجزته تعالى وهي (القرآن الكريم) مَن أنه لا أحد يستطيع أن يأتي بمثله فاذا كان الامر كذلك وجبت العبادة له سبحانه لانه المُعجِز والخالق معا، ويقوي هذا قوله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) فلما كان النص الالهي نصا عربيا دل هذا على أنه من جنس لغتهم ومن جنس ما يتقنون فلِمَ لايجاروه ثم إن قوله (فصلت) (معناه ميزت دلائله وإنما وَصَفَهُ بالتفصيل دون الإجمال لأن التفصيل يأتي على وجوه البيان)(23)
               فاذا كان النص القرآني بيِّناً واضحاً في لفظه ومعناه في ترسيم السلوك البشري الذي يجب ان يتبعه الإنسان للالتزام بدينه فلِمَ لا تتمسكون به وتسيرون على نهجه الامثل، واذا كانت من اوليات بيانه وتفصيله هو الامر بعبادته سبحانه وتوحيده كان من الحتمي الالتزام بهذه الاولوية؛ لان عبادته وتوحيده يُعدان اصلا من اصول الدين الاسلامي لامجال للمماراة او الجدل فيهما.
            بهذا العرض يمكن القول ان دلالة السياق لفاتحة سورة فصلت مبني اصالة على فكرة التوحيد والعبادة وذلك بيِّنٌ من المسارات البنائية لاياتها وما يمدنا بالقول الفصل في هذا المنحى هو قوله تعالى صراحة في الآية السادسة من سورة فصلت: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ)، حيث صاغ دلالة الوحدانية وعززها على وجه القطعية بجملة من الامور منها:
   1- استعماله لاداة الحصر (انما) التي حصر بها الربوبية له وحده.
   2- بناؤه الجملة على الاسمية والاسمية اثبت دلالة في المعنى وترسيخه من الفعلية التي تفيد –بحسب أصلها الوضعي- التجدد والانقطاع والحدوث.
   3- استعماله الصفة (واحد) بعد قوله (إله) فلفظة (إله) واضحة من معناها انها تدل على الوحدانية بيد انه أكدها سبحانه بالصفة (واحد) لازالة الشك تماما من نفس المتلقي ففُهِمَ بهذا وجوب عبادته وحده لانه واحد خالق لاشريك له البتة.
              اما خاتمة سورة فصلت فهي تدل على اظهار قدرته سبحانه ووجوب الاقرار بتفرده في العبادة ايضا وذلك في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)(24) فرؤية قدرته تعال في الافاق يُعبِّر عنها حديثه سبحانه عن الشمس والقمر والكواكب في اية فصلت التي هي مدار الحديث، اما رؤية الايات في الأنفس فتكمن في احياء الأرض بعد خشوعها ويبسها فهي شبيهة باحياء الإنسان؛ وان احياء الناس بعد الموت لآية بيِّنة عظيمة تستحق الاقرار والاعتراف من الناس بأن الله هو الواحد الاحد التي تجب عبادته ثم ان قوله تعالى في الآية الاخيرة: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) لدليل على سعة اطلاعه وقدرته على معرفة الاشياء بل دقائق الاشياء التي في الافاق وفي الانفس فمن كان خالقاً ومدبِّراً ومطلعاً على الخفايا لجدير بأن يُعبَد ويوحَّد؛ لانه اهل لذلك بفعل قدرته وبرهنته على ذلك.
              ولهذا جاءت لفظة (خاشعة) في اية فصلت – التي هي مدار الحديث – بدلا من لفظة (هامدة)؛ لان السياق الانسيابي لايات سورة فصلت يكاد ينطبق كليا على اظهار فكرة التوحيد والعبادة له سبحانه، فلما كان الامر بهذا التصور وجب مجيء لفظة (خاشعة) لانها تتناسب مع لوازم العبادة ومقتضياتها فوقع لهذا الداعي التباين الدلالي بين النصين المتناظرين. مما تقدم نصل إلى جملة ثمرات يمكن تلخصلها على النحو الآتي:
   1- اتضح ان أي لفظة في التعبير القرآني قد وضعت بحيثية هندسية دقيقة في موضعها الذي يجب ان تكون فيه، وان أي تعاور للالفاظ في النصوص المتناظرة انما ورد لاثبات دلالة معينة خاصة يتطلبها النص على المستويين الداخلي والخارجي، وهذا يبرهن على ان هذا النص هو نص مُعجِر فهو ليس من صنع البشر ؛ اذ لا يستطيعون ذلك ولا يكادون.
   2- ثبت أن السياق القرآني بأسره يتسم بسمة الاتحاد المنهجي فالناظر في أي سورة قرآنية سيجدها تتموضع على وفق ضابطة سياقية معينة تسعى من خلالها لإظهار دلالة موحَّدة توصِلُها إلى المتلقي أو تمهِّد ذهنيته لها؛ إذ تعمل المسارات اللغوية على انتقاء اللفظ المناسب للمعنى المراد، على حين أن المنظومات النحوية تتولى مَهَمَّة بناء التراكيب الجُملية لإبلاغ التصورات المضمونية للقاريء تأسيساً على نمطية التركيب الجملي نفسه، أما الأساليب البلاغية فتتحمل مسؤولية توظيف فنية الخطاب في النص لإبداء ذلك النص الكلامي المقدس بحيثية تجمع ما بين جمالية الخطاب من جهة وبيان مضمونه الدلالي المطلوب من جهة أخرى، ومن ثمة كانت هذه الكيانات الكلامية تعمل مجتمعةً ومتناغمةً لتقديم المعنى المراد إلى المتلقي مع لحاظ وحدانية المنهج السياقي للسورة.
              من هنا يتثبت أن التناظر النصي هو وجه من وجوه المعجز اللغوي في التعبير القرآني وانه لا قدرة للعقل البشري على ان ينحت مثل هذا النظام المبهر في خطابه إلى الحدِّ الذي يضع فيه خطاباً داخلياً يرتبط بفاتحة كلامه او خاتمته ثم يأتي بخطاب آخر يوازن بينه وبين هذا الخطاب على المقياس النظامي نفسه على الرغم من أن الكلام متنوع الدلالة من موضع إلى آخر؛ فهذا محال على البشر؛
             من هنا ندرك ان القرآن الكريم الذي نزل في شهر رمضان المبارك ليس من عند الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) البتة ـ كما زعم ذلك المشركون والمقتفون أثرهم ضد الاسلام ـ بل هو من عند السماء لأنه لا يقوى على مثل هذا إلا الله الواحد الأحد فسبحانه عما يصفون و(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(25).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحج:5
(2) سورة فصلت: 37- 39
(3) ينظر: الزمخشري: الكشاف: 1/ 769 والطباطبائي: الميزان: 14/ 377 والشيرازي: الامثل: 10/ 257
(4) الحائري: مقتنيات الدرر: 7/ 211 وينظر: الطوسي: التبيان: 7/ 291
(5) ينظر: الطوسي: التبيان: 7/ 291 و الزمخشري: الكشاف: 1/ 769 الحائري: مقتنيات الدرر: 7/ 211
(6) الفيض الكاشاني: الصافي: 3/363 وينظر: الزمخشري:الكشاف: 1/ 769
(7) الطوسي: التبيان: 7/ 291
(8) سورة الروم: 20
(9) سورة آل عمران: 59
(10) الحائري: مقتنيات الدرر: 7/ 211
(11) سورة الحج: 1- 2
(12) الشيرازي: الامثل:10/246
(13) الطباطبائي: الميزان:14/ 370
(14) الشيرازي: الامثل:10/246
(15) سورة فصلت: 37- 39
(16) ينظر: الشيرازي: الامثل: 15/378 ومغنية: الكاشف: 6/494
(17) ينظر: شبر: الجوهر الثمين: 5/380
(18) الزمخشري:الكشاف:1/ 1147
(19) الشيرازي: الامثل:15/381
(20) الطباطبائي: الميزان:14/ 418
(21) سورة فصلت: 1- 6
(22) ينظر: القرطبي: تفسير القرطبي: 1/199 والشوكاني: فتح القدير: 1/43
(23) الطوسي: التبيان: 9/ 104 وينظر: الطبرسي: مجمع البيان: 3/ 23 و الطباطبائي: الميزان: 17/381
(24) سورة فصلت: 53- 54
(25) سورة الحج: 74.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.