Take a fresh look at your lifestyle.

فرائد أسلوبية في سورة (المؤمنون)

0 484
                  مما لا شك فيه أن للبحث الأسلوبي موقعاً متميزاً، ومجالاً متفرداً، في تفسير سور القرآن الكريم بما يجعله نافذة معنوية راقية وإنموذجاً دلالياً رفيعاً للاستشراق والتحليل والتنظير،
ومن هذا المنطلق نقف عند سورة (المؤمنون) وهي من السور المكية التي عالجت أصول الدين من التوحيد والرسالة والبعث، وقد جاءت لتوطيد الدعائم والأسس التي قام عليها صرح الإسلام العظيم في إقامة الدلائل والبراهين على وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته وأسرار قدرته الفائقة في خلق الكائنات بما فيها من عجائب وغرائب وما احتوت عليه من آيات باهرة تنطق بعظمة الله وما يؤول إليه حال البشرية حين يرجع الناس لله رب العالمين وهم فريقان، فريق في الجنة، وفريق في السعير.
سميت هذه السورة بسورة (المؤمنون) لأن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها جلائل أوصافهم وكرائم صفاتهم، وعرض فيها للفضائل الإنسانية التي تحلى بها أولئك الصفوة المؤمنون من عباد الله المخلصين، فسميت باسمهم تخليداً لهم وثناء بمآثرهم وفضلهم فسعدوا ونالوا جواز البقاء في الجنة خالدين فيها أبداً(1).
فجوّ السورة هو جوّ بياني يستمد ظلاله من الجدل الهادئ والحوار الهادف وإثارة الفكر والوجدان للوصول إلى حقيقة الإيمان بالله وحده، بدءاً بمطلع السورة الذي جاء ليبرز صفات المؤمنين ثم يعقبه بعرض دلائل الإيمان في الأنفس وفي الآفاق، إذ يلتقي مطلع السورة الكريمة وختامها في تقرير الفلاح للمؤمنين والخسران للكافرين، يقول تعالى: (قد أفلح المؤمنون…)، (…إنه لا يُفلح الكافرون).
وفي تقرير الخشوع في الصلاة في مطلعها لقوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) والتوجيه إلى هذا الخط المتألق بالخشوع في ختامها لقوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)، وعندها يلتقي المطلع والختام في اتساق أسلوبي وتناسق دلالي وبراعة إعجاز بمآل الاستغفار والاسترحام، لأن رحمة الله أزلية لا تتغير.
فمن الظواهر الأسلوبية الواضحة في ثنايا هذه السورة الكريمة أسلوب الاستفهام وهو يتكرر كثيراً بقصد الحث والتنبيه والإيقاظ حتى يدعو إلى التأمل والتدبر والنظر، من ذلك قوله في الآيات الآتية: (أفلا تتقون… أفلا تعقلون… أنؤمن لبشرين مثلنا… أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة… قل لمن الأرض ومن فيها… قل من رب السماوات السبع…فأنى تسحرون… ألم تكن آياتي تُتلى عليكم… كم لبثتم في الأرض عدد سنين… أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) فهذه الاستفهامات المتعددة قصد بها معان بلاغية كالإنكار والتعجب والتقرير وهذه مستمدة أسلوبياً من معاني التنبيه والإيقاظ والإثارة الذي يحمل الاستفهام حتى يرجع المخاطب إلى نفسه ليتأمل ويرتدع ويعي فحوى الخطاب ووقعه ليكف عن الجدال والعناد، ومنها أيضاً أسلوب القصر، وهو أسلوب توكيدي يحقق المبالغة ليلقي المعنى أمام المخاطب واضحاً حتى يرى فيه رأيه وموقفه من ذلك في الآيات الآتية:
(ما لكم من إله غيره… ما هذا إلا بشر مثلكم… إن هو إلا رجل به جنة… إن هذا إلا أساطير الأولين… فإنما حسابه عند ربه… أولئك هم الوارثون… فأولئك هم الفلحون… وقومهما لنا عابدون… وكنتم منهم تضحكون… إنهم هم الفائزون… إليه تُحشرون…).
لقد تنوعت طرائق القصر في هذه الآيات على وفق لطائف وأسرار بيانية وأسلوبية، فعندما قصد التعظيم لإبراز منزلة المخاطبين ومكانتهم جاء القصر بتعريف الطرفين وتوسط ضمير الفصل، كما في قوله (أولئك هم الوارثون) وعندما جاء الحوار عنيفاً والجدل محتدماً شديداً جاء القصر بالنفي والاستثناء كقوله تعالى (ما لكم من إله غيره)، وهذا الأسلوب يُستعمل في المعاني القوية والنبرات الحادة لما يلاقيه من إنكار المخاطب أو ما يقترب منه، في حين نلحظ عند ختام السورة الكريمة وبعدما انتهى الجدل جاء القصر بأسلوب آخر هو بأنما التي تلائم الحوار الهادئ، ولذا لم تستخدم هذه الأداة في وسط السورة بل جاءت عند انتهاء الجدل وندم الكفرة وظهور تحسرهم.
ونجد أيضاً في هذه السورة الكريمة أساليب النداء والأمر والنهي كقوله تعالى: (يا قوم اعبدوا الله… رب انصرني… ولا تخاطبني في الذين ظلموا… وقل رب أنزلني مُنزلاً مباركاً… يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً… فذرهم في غمرتهم… قال رب ارجعون… قال اخسئوا فيها ولا تكلمون… فاسأل العادين… وقل رب اغفر وارحم…).
فهذه الأساليب تراها حينا على المعنى الحقيقي، وحيناً لمقاصد بلاغية ودواع أسلوبية كالحث على الفعل والدعاء والوعيد والتهديد والسخرية والتهكم(2)… وهذه الأساليب لها موقع من النفس كبير، وهي مهيأة يقظة لتحديد خطوطها وتشكيلها واستشراف مواقفها منها.
ونلحظ في هذه السورة أن الأسلوب جاء متلائماً تلاؤماً واضحاً مع مقاصد السورة وأهدافها، حيث تنوع بين الخبر والإنشاء، فتجده خبرياً محضاً في الآيات التي تُقرر الحقائق، وتبرز الصفات، وتُظهر الدلائل، وخبرياً ممتزجاً بالإنشاء في الآيات التي تصور الحوار والمجادلة، فمثلاً جاء في مطلع السورة لتقرير فلاح المؤمنين وإظهار صفاتهم تجسيداً لدلائل الإيمان ومقاصد الأحكام في الأنفس والآفاق، لذا جاء الأسلوب خبرياً محضاً يقرر هذه الحقائق، ويثبت تلك الدلائل حتى يلي صفات المؤمنين، وهذا يبدو جلياً من أول السورة حتى الآية الثانية والعشرين منها، وعندما ينتقل السياق إلى قصص الأنبياء يُظهر الأسلوب الإنشائي الذي يلائم الحوار والجدال بين الرسل(عليهم السلام) وبين أقوامهم كقوله تعالى: (يا قوم اعبدوا الله… أفلا تتقون… فتربصوا به حتى حين…) ويعود الأسلوب خبرياً محضاً في وسط السورة، عندما أخذ السياق في إبراز جملة أخرى من صفات أولئك المؤمنين، لقوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مُشفقون… والذين هم… الآيات…).
ونقرأ ما تنطلق به الآيات الكريمة في أول السورة عن البعث لقوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون) وما تنطق به على لسان الكفرة في وسطها: (أءِذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أءِنا لمبعوثون) نجد الأول إخباراً عن وقع البعث بعد الموت، والثاني إنكاراً لوقوعه، ومرجع ذلك إلى الأسلوب في مطلع السورة وهو يقرر ويخبر بتلك الحقائق الثابتة، فالملائم هو الإخبار، وهنا على لسان الكفرة الأسلوب أسلوب حوار ونقاش وجدال،
وهذا ما يلائمه التساؤل لا الإخبار، لمقاصد بيانية ودواع سياقية اقتضتهما الحالتان
وطلبهما الموقعان في علائق النص وحيثياته… وفي قوله تعالى: (أفلم يتدبروا القول) أي أفعل الكفار ما فعلوه من
الاستكبار والهجر فلم يتدبروا
القرآن ليعرفوا بما فيه من إعجاز النظم والإخبار عن الغيب أنه الحق من ربهم فيؤمنوا به فضلاً عما فعلوه في شأنه من القبائح (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) أي بل جاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين حتى استبعدوه فوقعوا في الكفر والضلال، وتوجيه أسلوبي آخر، قال ابن عباس، وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين، فتركوا الأعز.
وفي قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون) الهمزة للاستفهام الإنكاري، والمعنى أفحسبتم من فرط غفلتكم أنا خلقناكم بغير حكمة، (وإنكم إلينا لا تُرجعون) أي وحسبتم عدم رجوعكم إلينا، حتى تجازوا بأعمالكم… وتُحاسبوا… وجاء بعدها قوله: (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) على نسق تعليلي مفسر، بعلائق بينة، ودلائل مُحكمة، (فتعالى الله) أي ارتفع وتنزه في ذاته وصفاته وأفعاله عن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح و (الملك الحق) هو الذي يحق له الملك على الإطلاق إيجاداً وإعداماً وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكه العظيم و(لا إله إلا هو) فإن كل ما عده عبيده (رب العرش الكريم) وإنما وصف بالعرش الكريم لأنه مقسم فيض كرم الحق، ورحمته منه تنقسم آثار رحمته وكرمه(3).
وبعد هذه الملاحظ الأسلوبية الموجزة في السورة، نخلص إلى القول: إن سور القرآن مفعمة بالظواهر التي تأخذ بك إلى تحليل الأفكار والأحوال والمعاني، لإدراك دقائق الدلالات بين هذه الخصائص يوضح بعضها بعضاً بأصول بنائية راسخة ومزايا أسلوبية عديدة
نشرت في العدد 9

(1) يُنظر: تفسير الكشاف 3/137ـ163، إيجاز البيان في سور القرآن، محمد علي الصابوني، ص79.
(2) يُنظر تفصيل ذلك: من هدى القرآن الكريم، تفسير بلاغي لسورة المؤمنون)، الدكتور بسيوني عبد الفتاح، ص165ـ168، ونظم الدرر، 5/182ـ228.
(3) يُنظر: مختصر تفسير القرطبي، باختصار ودراسة الشيخ محمد علي كريم، الجزء الثالث، ص315ـ337، وتنوير الأذهان من تفسير روح البيان، للشيخ إسماعيل حقي البروسوي، اختصار وتحقيق الشيخ محمد علي الصابوني، المجلد الثالث، ص28ـ46.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.