الإثنين , 27 فبراير 2017
الرئيسية » تاريخ النجف الأشرف » النجف في الصحف والمجلات » فقهاء النجف والتاريخ السياسي المعاصر

فقهاء النجف والتاريخ السياسي المعاصر

واجهت الحوزة العلمية صراعاً جديداً خلال هذه المرحلة من تاريخها الذي يبدأ بدخول القوات البريطانية إلى العراق بعد الحرب العالمية الأولى عام 1323هـ/1914م. فبالرغم من أن أسلوب الحكم التركي كان متميزاً بالتعصب ضد الشيعة فإن الحوزة الدينية تناست الظلم الذي وقع عليها من قبل العثمانيين، ووجد المجتهدون أنفسهم في مواجهة مع القوات البريطانية حيث صدرت الفتاوى التي تساند العثمانيين.300px-A_battalion_of_Turkish_riflemen
كانت سياسة العثمانيين تجاه الشيعة سياسة عدائية خلال قرنين من الزمن. وكانت العشائر العراقية تشكو من معاملة الدولة، وكثيرً ما تسببت بالقيام المسلح ضد الوجود العثماني، ومن واجهات هذا السياسة احتلال مدينة كربلاء من قبل الوالي نجيب باشا عام 1258هـ/1842م، وكذلك احتلال مدينة النجف على يد سليم باشا عام 1268هـ/1852م، وإحلال الدمار في كلا المدينتين، وبالرغم من التفسيرات التي تبرر هذين الاحتلالين إلا أنهما أصبحا معلمين بارزين على انتهاك المدن المقدسة الشيعية على يد الولاة العثمانيين.
ويمكن إجمال العلاقة الشيعية ـ العثمانية بأنها لم تكن حسنة قبل هذه المرحلة، إلا أن العثمانيين لما أحسوا بالخطر القادم من دخول القوات البريطانية إلى البصرة في 22/11/1914م حاولوا استمالة الفقهاء الشيعة العرب لغرض الاستفادة منهم في تعبئة العشائر العراقية. وقد أرسلت الحكومة العثمانية مندوبين عنها إلى كبار الفقهاء لهذا الغرض للتأكيد على ضرورة الدفاع عن بلاد المسلمين أمام غير المسلمين. وقد أخذ التقارب بين الطرفين مأخذه، حيث لم تقتصر المواجهة ضد الانكليز على الفتاوى فقط، بل انبرى كبار فقهاء العرب إلى تعبئة العشائر والنزول إلى ساحات المواجهة كقوات شبه نظامية.
وقد شملت مناطق التعبئة كلاً من منطقة الفرات الأوسط وبغداد والكاظمية وبقية المناطق الشيعية، كما أكدت بعض فتاوى العلماء على وجوب محاربة الانكليز مرة وعلى الدفاع عن البلاد الإسلامية مرةً أخرى.
وبالفعل فقد تصدى كبار الفقهاء لقيادة العشائر العراقية في مواجهة مسلحة مع القوات البريطانية إلى جانب صفوف الجيش التركي وكان على رأس هؤلاء السيد محمد سعيد الحبوبي (1266ـ 1333هـ/1850ـ1915م).
كانت القبائل الشيعية لا ترغب بمؤازرة العثمانيين أو الانضمام إليهم في حلف مشترك بسبب ما عانوه في فرض الضرائب عليهم، والاصطدام معهم في مواجهات مسلحة. إلا أن المجتهدين العرب بذلوا جهوداً في إقناع هذه العشائر للعدول عن موقفها تجاه العثمانيين، ربما كان ذلك خاضعاً إلى اعتقاد هؤلاء المجتهدين إلى أن مواجهة العثمانيين في حربهم مع البريطانيين، هي مواجهة دينية أولاً، وربما أيضاً كانوا يعتقدون أن دحر القوات العثمانية في مواجهة كهذه من الأمور البعيدة في حساباتهم المنطقية.
إلا أن العلاقة بين العثمانيين والشيعة أخذت تضمحل بعد اندحار الأتراك في 12ـ 15 نيسان 1915 أمام القوات البريطانية بمنطقة الشعيبة حيث تخلت العشائر عن مساندة الجيش التركي، وتحوّلت على طلب الاستقلال الذاتي ومحاولة التخلص من الاحتلال التركي والبريطاني معاً(1).
وقد قامت الحكومة التركية على أثر هذا الفصام بحملات تأديبية في جملة من المدن الشيعية لقمع تمرّد السكان ضد المراكز الحكومية العثمانية، ما سبّب التباعد بين الفريقين أكثر مما كان عليه في السابق. وبذلك انتهت المرحلة الأولى من مراحل الجهاد المتسمة بالمقاومة المسلحة شبه النظامية والتعاون الوثيق بين الشيعة والعثمانيين.
ففي عام 1334هـ/1915م قام العثمانيون بإرسال قوة عسكرية لإخضاع مدينة النجف لسلطتهم، إلا أن المسلحين قاوموا هذه الحملة وتصدوا لها. وبعد حرب استمرت ثلاثة أيام في شوارع المدينة استسلمت القوة التركية وأعلن النجفيون ترؤسهم السلطة الإدارية فيها وطردوا موظفي الحكومة، وأقاموا سلطة تحت إشراف زعماء المدينة المحليين، وقد استمرت حتى قيام ثورة النجف التي حدقت بسبب ضغوط داخلية محضة ضد الانكليز في آذار عام 1336هـ/1918م.Untitled-1
وفي هذا السياق أيضاً في شهر تشرين الثاني عام 1916 انتفض أهالي مدينة الحلة انتفاضة مسلحة، وقد أرسل العثمانيون قوات تقدر أربعة آلاف إلى ستة آلاف شخص بقيادة عاكف باشا، وقد منع الأهالي من دخول القوات عندما عسكرت بالقرب من مدينة الحلة. وقد ادعى قائد الحملة أن هذه القوات تهدف المرور بالحلة إلى (الناصرية). وقد شكلت لجنة من كبار الشخصيات في البلدة لمناقشة هذه التطورات.
وعندما توجه كبار شخصيات الحلة لملاقاة عاكف باشا تمكن هذا القائد من اعتقالهم بهذه الطريقة، والتهديد بقتلهم إذا لم يستسلم الثائرون له. وكان من بين كبار هؤلاء المعتقلين السيد محمد علي القزويني (ت:1356هـ/ 1937م). وبعد قصف المدينة بالمدافع تمكنت القوات العثمانية من الاستيلاء على الحلة. وإحلال القتل والدمار بها، وقد شق العثمانيون عدداً من الثائرين وحملوا الكثير من النساء كأسرى(2).
وقد سببت هذه الحوادث صرخة حزن عالية في المجتمع الشيعي مما دعا زعيم الفرات السيد هادي القزويني (ت:1347هـ/1928م) لاستنفار العشائر والزحف على الحلة لمواجهة القوات العثمانية (3).
أما الأتراك فقد استعادوا نشاطهم من جديد بعد حصار القوات البريطانية بمدينة الكوت، من شهر كانون الأول 1915م حتى نهاية نيسان 1916م، واستسلام البريطانيين لهم. وقد فقد البريطانيون سمعتهم الدولية بعد هذه الواقعة ففكروا بحشد قوات جديدة لتحقيق نصر كبير يعيد لهم هيبتهم المفقودة في حصار الكوت.
وقد نجحوا في احتلال بغداد بعد محاصرتها حصاراً شديداً في آذار 1917 أجبر القوات التركية على الانسحاب عنها تحت قيادة الجنرال مود Lieutenant General F.S. Mmude الأمر الذي أنهى الحكم العثماني للعراق.
وبالرغم من تشابك الأحداث وتداخلها، إلا أن موقف المؤسسة الشيعية بقي أقرب ما يكون إلى الاستقلال، كما بقي رافضاً فكرة احتلال العراق من قبل القوات الأجنبية، وتمثل ذلك إبان المواجهة بين الأتراك والانكليز في مساعدة الأتراك بالرغم من الحوادث المؤسفة التي ارتكبها الأتراك بحقهم، كما تمثل ذروة هذا الرفض في ثورة النجف عم 1918م، والثورة العراقية الكبرى عام 1920م المعروفة بثورة العشرين.
وقد ظهر دور الميرزا محمد تقي الشيرازي بعد هجرته من مدينة سامراء إلى مدينة كربلاء كزعيم ملأ الفراغ السياسي الديني في «المرجعية» الشيعية. وكان له دور مؤثر في الإعداد لثورة العراق الكبرى عام 1920م وتصديه لقيادتها. وقد توفي عندما كان سعير الثورة ملتهباً في 17آب 1920م فانتقلت الزعامة إلى الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة. وبالرغم من أن شيخ الشريعة أصبح مشرفاً على الثورة غير أنه لم يبق بعدها إلا قليلا، حيث مات في 18 كانون الأول من العام نفسه، وكان ثلاثة «مجتهدين» مرشحين بعده للمرجعية، وهم: السيد أبو الحسن الأصفهاني (1277ـ 1365هـ/ 1860ـ 1945م) والشيخ حسين النائيني (ت:1355هـ/ 1936م)، والشيخ مهدي الخالصي (1276ـ 1343هـ/ 1859ـ 1924م).
إن الأسباب الرئيسية التي ساهمت في اتساع المقاومة هي فشل سياسة الانكليز في تنفيذ التعهدات التي أطلقوها وقت احتلالهم بغداد عام 1917م من كونهم «محررين لا فاتحين» من جهة، وتفاقم نقمة الأهالي من جرّاء سياسة التعسف التي مارسها بعض الحكام البريطانيين ضدهم من جهة ثانية(4).
ويذكر بعض المؤرخين, أن معظم العراقيين استقبلوا الاحتلال الانكليزي بالترحاب لشدة ما عانوه من الحكومة التركية خلال فترة الحرب من آلام. إلا أنهم تحوّلوا خلال سنتين أو ثلاث إلى مناوئين حقيقيين. وقد أجملت أسباب هذا التحول بما يلي:
1ـ اتبع العثمانيون أسلوب الحكم السائب في العراق ضمن قوانين البداوة، وعند دخول الانكليز وضعوا منظومة قانونية أرادوا تطبيقها على الناس بالقوة هادفين في ذلك الإسراع في تغيير حركة المجتمع العراقي بالاعتماد على بعض الطبقات الاجتماعية غير المقبولة.
2ـ التضخم المالي الحاصل من شراء الأطعمة وبناء الثكنات ومدّ الجسور والسكك الحديدية، سبب ظهور طبقة منتفعة أدت إلى إلحاق الضرر بالطبقة الاجتماعية العامة التي عانت من ارتفاع المواد الغذائية حتى كاد أن يؤدي إلى مجاعة.
3ـ عدم إدراك بعض الحكام السياسيين ومعاونيهم من الانكليز الذي تولّوا الحكم في مناطق متفرقة، لطبيعة المجتمع العشائري العراقي(5).
وبعد إخماد شرارة ثورة العشرين عملت الحكومة البريطانية على إقامة حكم يرتبط بها. وقد أضفى إعلان انتداب البريطاني على العراق شرعية دولية بعد انتدابها من قبل عصبة الأمم من إقامة الحكم الذاتي في العراق الذي لم يعد بعد الحرب العالمية الأولى تابعاً لسيادة الحكومة العثمانية، والتي يعجز سكانها عن إقامة حكومة لهم إلا بمساعدة الدول المتقدمة(6).
وقد أثار موضوع الانتداب وتعيين فيصل بن الحسين (1341 ـ 1352هـ/ 1921ـ 1933م) ملكاً على العراق ردود فعل من جانب العلماء، فبعد تنصيب فيصل ملكاً على العراق عقدت الوزارة المؤقتة الاتفاقية البريطانية ـ العراقية، وأقرت الانتداب البريطاني على العراق حسبما قرر مؤتمر الحلفاء المنعقد في 25نيسان 1920م. ووقف الشيخ مهدي الخالصي ضده، وأفتى بحرمة الدخول في أجهزة الدولة(7)، كما صدر من السيد أبو الحسن الأصفهاني والنائيني والخالصي بيان في تحريم الانتخابات، وقد جرت حرب إعلامية بين الطرفين انتهت بتسفير المراجع الدينيين إلى إيران باعتبارهم غرباء ليسوا عرباً، وليس لهم حق التدخل في سياسة العراق، وكان على رأس هؤلاء السيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ حسين النائيني، وقد أثار تهجير المجتهدين في الوسط الإيراني تهديداً للمصالح البريطانية في إيران، وكوّن تياراً مضاداً للسياسة البريطانية مما دفع البريطانيين لترتيب عودتهم إلى العراق مرة أخرى بعد موافقتهم على عدم التدخل في الشؤون السياسية. وبالفعل فقد عاد العلماء المبعدون في شهر نيسان عام 1924م.
ولم تسجل أي أحداث مهمة إلا بعد ربع قرن من الزمن على يد الإمام السيد محسن الحكيم (1306ـ 1390هـ/ 1889ـ 1970م) الذي يمكن أن يكون عصره منطلقاً جديداً في تحرك المؤسسة الدينية سياسياً من خلال الأحداث الفكرية المستنجدة، وتنامي الأحزاب الإسلامية التي شهدها العراق خلال فترة الخمسينات الميلادية.
ظهور الأحزاب الإسلامية:
بعد التطورات السياسية العنيفة التي عصفت بالعراق خلال الحرب العالمية الأولى بقيت المؤسسة الدينية في النجف يتقاسمها مجتهدون كبار، وكان بعضهم أمثال النائيني قد لعب دوراً مهماً في الأحداث التي شهدتها النجف ابتداءً من صراع الملكيين والدستوريين وانتهاءً بمواجهة قوات الاحتلال البريطاني للعراق. وقد تعرض النائيني وجملة من كبار الفقهاء كالسيد أبو الحسن الأصفهاني إلى النفي والتشريد، إلا أن الظروف اللاحقة التي مرّ بها العراق تحت سلطة الانتداب البريطاني جعلت المجتهدين يؤثرون العمل الثقافي ويبتعدون عن التدخل في الشؤون السياسية.
وكان مجتهدون آخرون قد انصرفوا منذ البداية من الدخول في ميدان العمل السياسي ولم يكن لهم أي موقف من الأحداث المتجددة. فقد انصرف الشيخ ضياء الدين العراقي (ت: 1361هـ/ 1942م) عن الزعامة الدينية وآثر العزلة وسعى فقط إلى التدريس والتوجيه إلى العلوم العقلية(8).
وبعد وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني عام 1365هـ/ 1945م ظهر فقهاء عديدون, ولكن المرحلة لم تسجل نشاطاً سياسياً خلال أكثر من عقد من الزمن. وبعد هذه المرحلة ظهر فقيهان كبيران تصدّرا الزعامة الدينية هما السيد محسن الحكيم في النجف، والسيد حسين البروجردي (1292ـ 1380هـ/ 1785ـ 1961م) في إيران.
وخلال هذه المرحلة نشطت في العراق أحزاب سياسية متعددة الاتجاهات كالحزب الشيوعي العراقي وغيره من الأحزاب القومية.
ومنذ منتصف اقرن العشرين تم تأسيسيي أول حزبين إسلاميين في النجف هما «حركة الشباب المسلم»، و«منظمة المسلمين العقائديين» على يد الشيخ عز الدين الجزائري (المولود سنة 1963م) نجل الشيخ محمد جواد الجزائري، في محاولة توجيه الجهود الشابة وبلورتها في عمل منظم يهدف إلى بعث إسلامي جديد. وقد ذكر لي الأستاذ عز الدين الجزائري في لقاء معه في بيروت صيف عام 1988م أن الخمول الذي عاشته المؤسسة الدينية، في عدم تصديها لمواجهة حركة المجتمع هو الذي حمله على إيجاد طريقة للعمل التنظيمي يقوم بالجهود الشابة من الجيل الجديد. وقد سبب موقف الجزائري من الطبقة الروحانية أو موقفها منه على عدم الاشتراك معاً في عمل واحد، لذلك لم يكتب لهاتين الحركتين التطور المرجو منهما خصوصاً بعد ظهور حزب إسلامي جديد هو (حزب الدعوة الإسلامية) تحت إشراف نخبة من العلماء والمثقفين الشيعة.
وقد اتخذ هذا النشاط الجديد من مرجيعة الإمام محسن الحكيم سنداً له خصوصاً أن هذه المرجعية، على حد تعبير السيد مرتضى العسكري أحد قادة الحركة الإسلامية في العراق، هي أفضل مرجعية يمكن التحرك من خلالها لأنها مرجعية عربية تتفهم حقيقة الصراع السياسي والغزو الفكري للبلاد الإسلامي، وللعراق خاصة(9).
ومن خلال هذا الحماس تأسست (جماعة العلماء) في النجف عام 1958م، أي بعد قيام ثورة 14تموز 1958م التي فوضت الحكم الملكي بالعراق، وأبدلت الحكم الجمهوري به، وقد رأس هذه الجماعة المجتهد مرتضى آل ياسين. ولم يكن هدف عمل «جماعة العلماء» منصباً على تأسيس هيئات ولجان بقدر ما كان يهدف إلى العمل الثقافي المتمثل بإقامة احتفالات بمناسبات دينية مختلفة، وبإصدار مجلة ثقافية هي مجلة الأضواء عام 1960التي تعبر عن آراء هذه الجماعة.
وقد تصدت هذه المجلة إلى الأفكار الماركسية، وكان كتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) اللذان كتبهما السيد محمد باقر الصدر، من إفرازات هذه المرحلة، واللذان نالا شهرة واسعة ليس في العراق فحسب، بل في بعض أقطار البلاد العربية والإسلامية على السواء.
وبالرغم أن السيد محمد باقر الصدر لم يكن عضواً رسمياً في جماعة العلماء يومذاك إلا أنه كان فاعلاً في وسط الجماعة من خلال خاله مرتضى آل ياسين الذي يرأس هذه الجماعة. وكان الصدر يكتب مقالات ومنشورات جماعة العلماء، وأكثر المقالات التي كتبت بعنوان (رسالتنا) في مجلة الأضواء(10).وقد نال الفكر الإسلامي الجديد قبولاً في أوساط الحوزة وكانت كتابات الصدر تعتبر فقرة في الفكر الفقهي السياسي الذي لم يكن له امتداد بعد رسالة النائيني حول شكل الحكومة الإسلامية.
وقد ظهر نشاط الصدر في هذه المرحلة بشكل واسع، ونتيجة لذلك أعلن رسمياً عن تشكيل حزب (الدعوة الإسلامية) عام 1959م. وقد انخرط بعض طلاب الحوزة في صفوف الحزب بفعل تأثيره عليهم.
أما الإمام محسن الحكيم فلم يقاوم العمل الحزبي، وربما كان يعتبره ضرورة من ضرورات المرحلة التي مر بها العراق يومذاك، إلا أنه لم يحبذ أن يكون على رأس هذا العمل، وهو من ينتمي إليه بصلة قربى، لأن رؤيته كانت تعتبر وظيفة المرجع لا تنحصر بقيادة حزب بل تشمل نطاقاً أوسع من ذلك إلى قيادة جميع الحركات الإصلاحية دون التمييز بين العمل الإصلاحي المنظم أو غير المنظم.
أما مظاهر الحركة الإسلامية فقد بدأت تظهر منذ عام 1960م وهي تعتمد في تحركها على اتجاهين:
الأول: مجابهة السلطات السياسية عن طريق إقامة الاحتفالات وإحياء المناسبات الدينية العامة واختيار المتحدثين لعرض الوضع السياسي، ومطاليب المرجعية التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية للمجتمع العراقي.
الثاني: تهيئة (كادر) مثقف لتحقيق الدور القيادي للعمل في الساحة العراقية، وذلك:
1ـ تشجيع الهجرة إلى النجف، والدراسة الدينية فيها.
2ـ إقامة الدورات الثقافية الإسلامية لتخريج طلبة العلوم المزودين بالثقافة الحديثة. وقد أصبح أغلب المتخرجين من هذه الدورات وكلاء عن المرجعية في أغلب المدن العراقية.
3ـ تشجيع الحركة الفكرية بتهيئة وسائل الثقافة كتأسيس المكتبات العامة في أغلب المدن.
4ـ العمل على استحداث مدارس وجامعات رسمية ككلية الفقه بالنجف وكلية أصول الدين ببغداد(11).
مرت مرجعية الحكيم والحركة الإسلامية بمراحل ثلاثة خلال العهد الجمهوري:
1ـ مرحلة حكم عبد الكريم قاسم (1958ـ 1963م) وتميزت بتصاعد الصراع بين الاتجاه القومي والشيوعي. وظهر الشيوعيون كقوة سياسية لم يكن قاسم مؤيداً لها، وقد اتسم حكم قاسم بالضعف لعدم وجود قوة يرتكز عليها حكمه.
وبالرغم من تأييد السيد محسن الحكيم لهذا الحكم بادئ الأمر، إلا أنه عارضه في أمور متعددة خصوصاً بعد تصاعد نشاط الحزب الشيوعي، حيث أصدر فتوى صرح فيها أن (الشيوعية كفر وإلحاد) استغلتها الأوساط المناوئة للحكم وراحت تبشر بها. وذكر المحامي صادق البصام أن الشيوعيين لعبوا دوراً هاماً بعد انقلاب تموز عام 1958، وكان لهم وجود في الشارع العراقي، وأن عبد الكريم قاسم لم يكن قد تولى أمر الحكم بحزم، «وإنما بالانقلاب العسكري لذا لم يكن قادراً على الحد من نشاطهم»(12).
وقد حاول قاسم أن يتجنب الاصطدام مع قوة الحكيم التي تقف خلفها قوى سياسية متنافرة. كانت مجموعها تهدف إلى إسقاط حكمه. إلا أن الحكيم على موقفه المناوئ من الحكم مهاجماً الدولة على سنها القوانين التشريعية المخالفة لقوانين الإسلام حتى سقوط قاسم في 8شباط 1963م.
2ـ مرحلة حكم عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف (1963ـ 1968م): شهدت هذه المرحلة نشاطاً ثقافياً عاماً استفادت منه الحركة الإسلامية بالامتداد الواسع في أوساط الطبقة العراقية المثقفة، خصوصاً في مرحلة حكم عبد الرحمن عارف الذي اتسم حكمه بالحرية المطلقة لكافة الشرائح العراقية.
3ـ مرحلة وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968م حتى وفاة السيد الحكيم عام 1970م بدأت في هذه المرحلة المجابهة بين السلطة الحاكمة، والحوزة الدينية بشكل مباشر وعنيف. وكان من أوليات السلطة الوقوف ضد التيار الديني وضرب المرجعية المتمثلة بالإمام الحكيم. وقد حدثت اعتقالات في صفوف الحركة الإسلامية، كما ألقي القبض على عدد من الشخصيات الشيعية، وزجّ بهم في السجن، ثم إعدام مجموعة منهم تحت أعذار كان على رأسهم عبد الحسين جيته، وعبد الهادي البجاري(13).
وقد تمثلت مظاهر التصدي للحوزة العلمية في النجف بعمليات تهجير لطلبة العلوم الدنية غير العرب، واعتقالات شملت الشخصيات الشيعية المعروفة في العراق.
وفي عام 1969م قرر الإمام السيد الحكيم السفر من مقره في مدينة النجف إلى بغداد العامة في محاولة لإظهار سخطه على ممارسات الدولة التعسفية تجاه الشعب العراقي ، ولإعطاء أولئك القادة في الدولة انطباعاً بقوة معارضته واتساع قاعدته الشعبية.
وقد حشد (وكلاء) الإمام الحكيم، وكبار قادة الأحزاب الإسلامية طاقاتهم في تعبئة قطاعات كبيرة في المجتمع العراقي من مختلف مناطقه لزيارة الإمام الحكيم في منطقة (الكاظمية) وتقديم ولائهم له في محاولة لإظهار القاعدة الشعبية الواسعة أمام الدولة التي تقف المرجعية عليها.
وقد قدم الإمام الحكيم مجموعة من المطالب، كان يهدف منها قيام الدولة بالتفاوض معه ومن تلك المطالب:
1ـ عدم احتجاز أو سجن أي مواطن دون متابعة قانونية صحيحة سليمة.
2ـ إيقاف النشاطات بخصوص أولئك المتحدّرين من أصول إيرانية، الذين هم من طلاب العلوم الدينية.
3ـ إطلاق سراح المسجونين السياسيين.
4ـ التوقف عن القيام بالعقوبات الجسدية والكف عن الإعدامات المتكررة.
غير أن الحكيم لم يصب هدفه بعدم وصول أي مسئول حكومي للتفاوض معه، فاختار أن يقام اجتماع جماهيري كبير يشارك فيه جميع العلماء وممثليهم من المناطق الشيعية المختلفة إظهاراً للقوة، وإجبار الدولة للتسليم بمطاليبه.
إلا أن هذه الخطة أجهضت حيث اتهمت وسائل الإعلام الحكومية السيد مهدي ابن الإمام الحكيم بالتجسس، الأمر الذي سدد ضربة قاصمة للتحرك باختفاء القواعد الشيعية التي اعتمد عليها الحكيم بشكل غير متوقع.
رجع الإمام الحكيم إلى مقره بالنجف مرة أخرى، ولم يكن رجوعه نهاية المطاف فقد كان يحسب للفشل حسابه.
كان الحكيم يعتقد أن تحركه كان ضرورياً في مهاجمة الدولة، التي عزمت على ضرب المرجعية عاجلاً أم آجلاً لأن المرجعية إذا ضربت وهي متحركة أفضل بكثير من ضرب المرجعية وهي ساكنة.

البرنامج السياسي للإمام الحكيم:
اتخذ الإمام محسن الحكيم في تحركه السياسي برنامجاً سياسياً محدداً يقوم على محورين، سياسي وعسكري في آن واحد، وكانت نظريته تعتمد على المحاور:
1ـ تهيئة مجموعة من رجالات الشيعة العسكريين ليكونوا واجهة للتحرك الإسلامي، كان على رأس المجموعة الأولى العميد الركن رشيد الجنابي وهو من الشخصيات الشيعية المعروفة، وله اتصال مع أوساط العشائر الجنوبية بالعراق.
أما المجموعة السياسية فقد كان على رأسها الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي يعد واحداً من أقطاب السياسيين العراقيين.
2ـ قيام مؤسسات أكاديمية وثقافية لتخريج الطليعة الشابة المثقفة، وكان صاحب فكرة تأسيس (جامعة الكوفة)،ودعم كلية الفقه في النجف وأصول الدين ببغداد.
3ـ الاتصال الخارجي بالحكومات والشخصيات الإسلامية والعربية كقوة داعمة لتحركه السياسي في العراق كشاه إيران محمد رضا بهلوي، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، والملك حسين ملك الأردن، والقيادات السياسية في لبنان، والملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية.
وكان من مظاهر هذه الصلة قبول المذهب الجعفري في الأزهر كمذهب إلى جانب المذاهب السنية الأخرى، وتخفيف الضغط العام على الشيعة في السعودية، والضغط على شاه إيران بقبول بالمبادئ التي كانت الجماهير الإيرانية تطمح إليها كإطلاق سراح العلماء المعتقلين في السجون الإيرانية، وتشجيع الحوزة العلمية.
4ـ الاهتمام بالقضايا العربية من خلال إحيائها بالمهرجانات الشعبية في مختلف مدن العراق المتعلقة بفلسطين والجزائر والمغرب وقضية قناة السويس في مصر وغيرها(14).
وحين وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1968م اعتقل رشيد الجنابي وبقي مسجون حتى عام 1970م مع (45) شخصاً(15).
إن فشل الإمام الحكيم في تحركه السياسي ربّما يعزى إلى سببين:
الأول: اختلاف وجهات نظر القياديين الإسلاميين في العمل السياسي ، حيث كان العمل يسير باتجاهات: اتجاه حزب الدعوة، اتجاه المستقلين، الاتجاه الذي يجمع بين التفكير المستقل والحزبي. من هنا لم يتفق على واجهة سياسية محددة في العمل، لأن الفكر الحزبي لم يكن مهيئاً للحكم وكان الاتجاه المستقل يرى أن التحرك يجب أن يكون بعيداً عن استلام السلطة، والاتجاه الوسط هو الذي يرى إمكانية الجمع بين التوعية الجماهيرية العامة والعمل للوصول إلى الحكم.
2ـ استئثار الخط الديني بالعمل السياسي، وعدم فسح المجال لغير الروحانيين بالتصدي للقيادة السياسية، مما سبب حسر الشخصيات العراقية عن هذا التوجه(16).
زعامة الخوئي الدينية:
بعد وفاة الإمام محسن الحكيم سنة 1390هـ/1970م تقاسم المرجعية أكثر من فقيه، وقد ترددت بين السيد محمود الشاهرودي (ت:1396هـ/1976م)، وبين أبو القاسم الخوئي .
إلا أن زعامة الشاهرودي لم تمتد في أوساط العرب بشكل واسع مثلما امتدت زعامة الخوئي. كما لم يحصل على نسبة من المقلدين من غير العرب مثلما حصل الخوئي عليها بفضل الدعاية المنظمة التي رافقت ترشيح الإمام الخوئي للمرجعية.
وقد تميز السيد الخوئي عن بقية الفقهاء بأنه صاحب مدرسة عقلية خرّجت مجموعة كثيرة من المجتهدين ربما لم يجتمع ذلك لفقيه إمامي قبله في تاريخ الزعامة الشيعية. والسبب في ذلك أن الخوئي سعى لتخريج (نخبة) عالية من الطلاب خلال أكثر من نصف قرن، تأثروا بمدرسته الفكرية، وكتبوا تقريرات بحوثة في عملي الفقه والأصول، كما لعبت مجموعة من تلامذته أدواراً سياسية متميزة كالدور الذي لعبه السيد محمد باقر الصدر في العراق، والشيخ محمد سرور واعظ في قيادة الفصائل الأفغانية ضد الاحتلال الروسي(17).
كان الخوئي قبل وصوله إلى زعامة الطائفة يوصف بأنه من «كبار الحوزة العلمية» وبعد تسلمه الزعامة لقب «بزعيم الحوزة العلمية» ثم لقب (بالإمام).images
ويعد عصر الخوئي من عصور الأزدهار العقلي لمدرسة الاجتهاد أيام المحقق الحلي في القرن السابع الهجري/الحادي عشر الميلادي، والأنصاري أواخر القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي، وكانت له قبل توليه الزعامة الروحية مواقف عارض بها سياسة الحكم الملكي الإيراني أيام الشاه محمد رضا بهلوي شاه إيران (ت: 1390هـ/1980م).
عصر الخوئي مرحلة حرجة في تاريخ العراق الحديث منذ بداية السبعينات الميلادية وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام روح الله الخميني (ت: 1409هـ/1989م) وتبدل الأوضاع السياسية في العراق بشكل حاد.
وعند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 سعت الحكومة العراقية إلى استحصال تأييد رسمي من حوزة النجف المتمثلة بالإمام الخوئي ضد القيادة الدينية المتمثلة بالإمام الخميني. إلا أن الخوئي لم يتدخل في الوضع السياسي القائم في كلا الدولتين، وبقي محتفظاً باستقلالية الحوزة العلمية في النجف مجنباً إياها الدخول في صراع كهذا.
وقد تحمل من جراء موقفه هذا ضغوطاً من جانب الحكومة العراقية انتهت بقتل مجموعة من تلامذته. إلا أن موقفه بقي ثابتاً في عدم إدانة الثورة الإسلامية الإيرانية وزعيمها الإمام الخميني، أو حتى إصدار (فتوى) تتعلق بالقتال بين الطرفين.
مرجعية الإمام الصدر:
ظهر الإمام محمد باقر الصدر (1353ـ 1400هـ/1935ـ 1980م) كعالم صغير بدأ يترقى (مقام) المرجعية الدينية بقوة، بالرغم من مرجعية أستاذه الإمام الخوئي المطلقة. وكأن الصدر مؤهلاً في فترة وجيزة لتسلم زعامة العالم الشيعي لولا مقتله عام 1400هـ/1980م. وقد كان هدفه تأسيس مرجعية دينية عليا مواكبة للأحداث السياسية بشكل عام، والتي تعتمد على الدعم الشعبي لها.
إن المرحلة التي عاصرها السيد محمد باقر الصدر تعتبر من المراحل المتميزة في تاريخ المرجعية الدينية التي تبدأ بمواكبة التحرك السياسي الإسلامي في العراق منذ الخمسينات الميلادية وتنتهي بمقتله بعد ظهور الثورة الإسلامية في إيران.
وينصب جهد الصدر على مخطط يهدف إلى قيام (مرجعية رشيدة) مواكبة للأحداث، وخلق طبقة شعبية مساندة تعتمدها المرجعية الدينية في تحركها السياسي.
ومن هنا يمكن تقييم دور الصدر من خلال ثلاث مراحل:
1ـ دوره في ظل مرجعية الحكيم (1960ـ 1970م).
2ـ دوره في ظل مرجعية الخوئي (1970ـ 1978م).
3ـ مرحلة المواجهة مع السلطة السياسية وتصديه للمرجعية الدينية العليا، حتى مقتله عام 1980م.
وقد سبقت الإشارة إلى دوره في ظل مرجعية الحكيم، واعتماده في بنائه على الطبقات المثقفة، ثم المشاركة في مقاومة التيارات الفكرية الوافدة من خلال العمل المشترك لجماعة العلماء في النجف، والتي كانت برئاسة خاله الفقيه الكبير الشيخ مرتضى آل ياسين.
فخلال زعامة الحكيم كان نشاط الصدر محدداً في المشاركة في توجيه الكوادر المثقفة، والوقوف بوجه الأفكار الماركسية. وقد أنتجت هذه المرحلة كتابان مقارنة في الفلسفة والاقتصاد كان لها دور كبير في مقاومة امتداد الأفكار الشيوعية في العراق من جهة، والأفكار الرأسمالية الغربية من جهة أخرى.
دور الصدر في ظل مرجعية الخوئي:
كانت الفترة التي شهدتها زعامة الإمام الخوئي منذ بداية السبعينات الميلادية فترة عصيبة في تاريخ المرجعية العليا، وكان في وسع الخوئي أن ينتهج نهج سلفه الحكيم في انتهاجه موقفاً قوياً من السلطة، إلا أنه آثر عدم المجابهة، ربما كان ذلك يعود إلى فشل تجربة الحكيم في نزاله السياسي مع السلطة، أو خشية بعض المحيطين به من أفراد (الحاشية) من الطرد خارج العراق في حالة القيام بنشاط سياسي معاد للسلطة، لأنهم ليسوا عراقيين.
وكانت الظروف التي تعيشها الحوزة العلمية النجفية حرجة تحتاج إلى رأي، إلا أن الخوئي برهن على أنه رجل (فتوى) وتدريس ليس رجلاً ذا رأي سياسي. لذلك ظهرت منطقة (فراغ) في المرجعية لم تكن تلتئم إلا بوجود (مرجع) يرتفع بمستوى الحدث الذي تشهده تلك المرحلة.
وكان دور السيد محمد باقر الصدر في هذه المرحلة هو (التهيئة) للمرجعية من خلال مواصلة نشاطه العلمي من التأليف والتدريس وحفظ الحوزة العلمية من هجمات التفتيت. لذلك لم يتصد للمرجعية الدينية في السنين الستة الأولى من مرجعية الخوئي بل بقي يماس نشاطه العلمي، فأصدر مجموعة من المؤلفات المهمة في الفقه والأصول، ونشر رسالته الفقيه التي تتضمن الأحكام الشرعية بشكل مبسط، والتي أطلق عليه اسم (الفتاوى الواضحة). كما نشر قبلها تعليقات فقهية على كتاب (منهاج الصالحين) للإمام الحكيم كرسالة فقهية يرجع المقلدون إليها.
أما في المجال السياسي فقد شارك في وعي المثقفين وتوجه كوادر الحزب بعد ازدياد نشاط الحزب الشيوعي وامتداده في طبقات المجتمع بشكل عام، والشيعي بشكل خاص، (وفي مدينة النجف بالذات).
إلا أن نظريته بشأن العمل الحزبي تغيرت، وقد أصدر في عام 1974م فتوى منع طلبة العلوم الدينية من العمل في صفوف الأحزاب الإسلامية.
الثورة الإسلامية في إيران:
بعد نجاح الثورة الإسلامية في شباط 1979م اهتز الوسط العراقي لها بشكل خاص. وكان تأثير النجاح الذي حقه الإمام الخميني كزعيم، روحي قد أعاد الحسابات الخاطئة كان يحملها العراقيون وغيرهم تجاه المؤسسة الدينية وقدرتها على المجابهة السياسية.
بدأ التحرك الشعبي في العراق يعبر عن تأييده ومؤازرته للعلماء وبدأت الجماهير تعكس ذلك على تأييد النجف والإقبال على الصدر باعتباره مرجعاً متجاوزاً مع الطموح العام للحركة الجماهيرية.
وتجاه التغيرات المستجدة في الوضع الداخلي العراقي واجهت الحكومة العراقية مأزقاً حاداً حاولت العمل على احتوائه، فقد سعت إلى إظهار العاطف الدينية عبر وسائل الإعلام، وتعيين أئمة مساجد موالين لها. كما قامت بالالتفاف على العشائر العراقية والمناطق الشيعية واستمالتها بالمشاريع الإصلاحية، وتوزيع الهدايا عليهم. images
إلا أن الأحداث التي أخذت تسير بسرعة لم تفلح الدولة من التربص بالمرجعية المتمثلة بالصدر، والسعي إلى تهميشها.
وكان الوجود القوي في النجف ينحصر في (الصدر) الذي بدأ يحس أنه لا يمكن إلا أن يكون على رأس الأحداث القادمة، وأن النظام العراقي لابد أن يسعى للتخلص منه. لذلك بادر على وفق ما تتطلبه وظيفته الدينية باتخاذ موقف صلب ظهر من خلال فتاواه في تحريم الانتماء إلى حزب البعث (وحزب السلطة الحاكم)، وتحريم الصلاة وراء أئمة المساجد الذين لم يحصلوا على تحويل من (المرجعية) في النجف. كما بادر في ذلك الوقت باستحداث وسائل جديدة للتحرك السياسي تشمل الصعيد (الحوزوي) والتنظيم الإسلامي، وحثّ العناصر الموجودة خارج العراق للعمل على دعم هذا الصراع.
فعلى مستوى (الداخل) أخذ بإرسال (الوكلاء) الروحانيين إلى مناطق مختلفة من العراق، وقام بالاتصال مع المثقفين الإسلاميين والحزبيين والجامعيين خارج العراق. وعلى مستوى (الخارج) فتح قنوات اتصال مع علماء لبنان الشيعة لغرض القيام بالتغطية الإعلامية.
أما لماذا بادر الصدر إلى مواجهة السلطة مع علمه أن إمكانية نجاح المواجهة أبعد ما تكون عنه؟!
فالجواب على ذلك إن مبادرة الصدر تنحصر في نقطتين:
الأولى: ظهوره كقوة مؤثرة تضطر السلطة للتفاوض معه. وكان قد حدد مطالبه قد حددها في البيان الأول الذي وجهه الشعب العراقي في 30 رجب 1399هـ/16حزيران 1979م، والتي تنص على:
1: إطلاق حرية الشعائر الدينية.
2ـ إيقاف حملات الإكراه على الانتساب إلى حزب السلطة الحاكم (حزب البعث).
3ـ الإفراج عن المعتقلين، وإيقاف حملات الاعتقال التي تجري بصورة منفصلة عن القضاء.
4ـ إجراء انتخاب حرّ ينبثق عن مجلس حرّ يمثل الشعب(21).
الثانية: تطبيق نظريته القائلة أن (ضرب المرجعية وهي متحركة أفضل من ضربها وهي ساكنة)، وهو نفس المفهوم الذي انطلق منه الإمام محسن الحكيم في مجابهة السلطة نفسها قبل ما يقرب العقد من الزمن.
وهو بذلك أراد إفهام النظام بوجهة نظره أن المرجعية ما دامت في حالة غير فاعلة فيجب أن لا تواجه أو تتحطم على حالتها هذه، وعلى عكس ذلك فالمرجعية يجب أن تبرهن على فاعليتها، فإن تحطمت فإنها تتحطم وهي في حالة قوة ومنازلة.
ولما أحسّ الصدر أن الشرط الأول لا يمكن أن يتحقق نظراً للعنت الذي تمارسه الدولة في القضاء على خصومها الفكريين والسياسيين سعى إلى المجابهة الشاملة التي كان يعلم مسبقاً أنه أول من سيدفع ثمنها.
وقد اقترن تحركه السياسي على مبررات فكرية (نظرية) وضع أسسها بمحاضرات ألقاها على تلامذته من طلبة العلوم تحت عنوان: «محاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن» حدد من خلالها مبررات الصراع التاريخي وشرائط النصر وقد اختار موضوع «سنن التاريخ في القرآن» سلسلة انتهت في أربع عشرة محاضرة.
بدأ الصدر بإلقاء هذه الدروس بعد شهرين فقط من انتصار الثورة الإسلامية في إيران على طلبة العلوم الدينية في النجف لمدة سبعة أسابيع، وقد تمت في 5 رجب 1399هـ/1حزيران 1979م(22)، وكان عدد الحاضرين لاستماع هذه الدروس يقارب المائة والخمسين طالباً.
وبالرغم من هذه المحاضرات فسرت بأنها جزء من نظرية في تفسير القرآن، إلا أنها شملت أبعاداً كان الصدر نفسه محورها، وكان قد طرح فيها رؤية مستنطقة أحداثاً كان قد انتزعها الصدر من التاريخ الإسلامي ليحكي من خلالها طبيعة المرحلة التي عاصرها.
وقد تقررت في حسابات السلطة حقائق ثلاثة:
1ـ إن نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني قدم الدليل على إمكانية نجاح ثورة مماثلة في العراق يقودها السيد محمد باقر الصدر.
2ـ إن الشارع الإسلامي في العراق مرتبط به.
3ـ إن القوى السياسية تم تصفيتها من قبل السلطة، ولم تبق إلا قوة التيار الديني الذي يتخذ من الصدر رمزاً لتحركه.
لذلك بادرت السلطة إلى اعتقال الصدر في 16/رجب/1399هـ/12خزيران 1979، ونقله إلى معتقلات بغداد.
أثار خبر اعتقال الإمام الصدر موجة غضب، حيث اندلعت مظاهرات في أغلب المدن العراقية، بادرت السلطة على إثرها إلى إطلاق سراحه في اليوم نفسه، والعمل على ترحيل المواجهة معه، حيث بدأت اعتقال رؤساء (الوفود) من العلماء، وعشرات الألوف من الشباب العراقي. وفرضت عليه الإقامة الجبرية في شهر حزيران 1979م إلى شهر نيسان من العام 1980م، وجد النظام العراقي نفسه في موقف حرج، وقرر التعامل مع العناصر التي تؤيد الإسلاميين بقسوة. وقد أصدر قراراً (رقم 461) في 31 آذار 1980م بموجبه يعاقب كل من انتمى إلى حزب الدعوة بالإعدام، وبأثر رجعي.
وبهذا القرار أراد النظام أن يشيد قاعدة صلبة لاتهام الصدر لغرض التخلص منه.
ومنذ فترة احتفال الصدر في 16رجب حتى شهر شعبان كانت هناك بوادر لتسوية النزاع بين السلطة والمرجعية. وقد أبدى مدير الأمن العراقي فاضل البراك في مكالمة هاتفية مع الصدر لإغلاق ملف الخلاف، وكانت الحكومة قبل أيام من هذا الاتصال قد أعدمت مجموعة كبيرة من العلماء والشباب العراقي، وأودعت الآلاف في السجون والمعتقلات. وكأن هذه البادرة هي أحد مطاليبها المتعلقة بسحب فتواه في تحريم الانتماء إلى حزب السلطة الحاكمة (حزب البعث). أو شجب الثورة الإسلامية، في إيران.
ولما كانت هذه الشروط تتنافى مع التصور الذي يحمله الصدر فإنه خير نفسه بين التخلي مبادئه التي دافع عنها طوال سني حياته. وبين (القتل) الذي فرضته الدولة عليه، فاختار الموت.
أصدر الصدر بياناً إلى الشعب العراقي يدعوه للثورة على النظام، جاء فيه: (على كل مسلم في العراق وعلى كل عراقي خارج العراق أن يعمل كل ما بوسعه، ولو كلفه ذلك حياته من أجل إدامة الجهاد والنضال لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق وتحريره من العصابة اللإنسانية وتوفير حكم صالح فذ شريف طيب يقوم على أساس الإسلام). كما ذكر في بيانه تصميمه على الشهادة، وقال: (لعل هذا آخر ما تسمعونه مني)(23).
وكان الصدر بعد إطلاق سراحه قد فرضت عليه الإقامة الجبرية، ولم يسمح بالاتصال معه، وبقي أكثر من ثمانية أشهر يعاني من وضع إرهابي شديد.
وبعد أن شعرت السلطة بزوال خطر القواعد الشعبية نقلت الصدر إلى أحد معتقلات بغداد في 5/نيسان 1980م، وقتلته في 8/نيسان, تحت طائلة التعذيب هو وأخته الكاتبة الإسلامية آمنة الصدر المعروفة ببنت الهدى.
إن مقتل الصدر كان خاضعاً لاعتبارات كثيرة منها: أن وجوده كان عقبة حقيقة من الناحية الفكرية أما أطروحة الدولة (العلمانية). وكان الفرد العراقي قد عانى من التجربتين الماركسية والقومية إحباطاً مستمراً نتيجة الفشل الذي اقترن بتطبيقهما في إيجاد الحلول الناجعة للمجتمع. فبدأ يبحث عن تجربة جديدة وجدها في (الأطروحة) التي قدمها محمد باقر الصدر من خلال كتاباته المجددة.
كما أن الصدر بدوره استطاع أن يقيم علاقة صلة بين المرجعية والجماهير خلافاً على ما اعتاد عليه المراجع الآخرون، وبذلك شكل معادلة متوازنة بين القاعدة والقمة استطاع أن يكسب من خلالها تقدير الطبقة المثقفة من العراقيين.
وكان النظام العراقي يتحين الفرصة للتخلص منه، وقد اتخذ قرار قتله قبل سنوات من نجاح الثورة الإسلامية في إيران، إلا أن الظروف لم تسمح بتنفيذ إلا بعد أن وجد المبرر في نقل المواجهة إلى ذروتها في خضم الصراع الدولي وتصفية المعارضة الدينية الداخلية بشكل واسع.
كما يمكن أن نعتبره الفترة الزمنية القياسية بين مقتل الصدر وإشعال الحرب العراقية الإيرانية، والتي تقدر بخمسة شهور عاملاً آخر من عوامل قتله, لتعلق ذلك بالأمن الداخلي للبلاد، ولعدم إعطاء المعارضة مبرراً للعمل ضد السلطة.

الهامش:
(*) علامة فاضل، محقق ثبت، أديب، متتبع.
1ـ النفيسي: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص82.
2ـ personalities Iraq (Exclusive of Baghdad and kazimain). Confidential. Baghdad. 1920. P. 76
3ـ عطية، ص154، وpersonalities. P. 37.
4ـ ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص344.
5ـ النفيسي، دور الشيعة، ص151ـ 160، والوردي لمحات ج5، ص21.
6ـ شهد إلى الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى بالانتداب على الدول المنتزعة من االامبراطورية العثمانية والألمانية باسم (عصبة الأمم). وقد جعلت الأقطار الموضوعة تحت الانتداب ثلاثة أصناف (أ ـ ب ـ ج) حسب درجة تطورها، وقد اختبرت الأقطار العربية من النصف الأول الذي يكون إشراف الدول المنتدبة إشرافاً مؤقتاً يؤدي بالنتيجة إلى الاستقلال.
7ـ الوردي، لمحات اجتماعية، ج6، ص43.
8ـ حرز الدين، معارف الرجال ج1، ص386.
9ـ لقاء مع السيد مرتضى العسكري، لندن صيف عام 1991م.
10ـ الحكيم، محمد باقر، من نظرات جماعة العلماء ، ص8.
11ـ مذكرات السيد محمد بحر العلوم جمعها جودت القزويني، الورقة (10) ـ مخطوطة.
12ـ حديث مع المحامي صادق هادي البصام (لندن، 1991م).
13ـ مذكرات السيد محمد بحر العلوم مخطوطة.
14ـ مذكرات السيد محمد بحر العلوم ـ مخطوط.
15ـ ذكر في الإسناد صادق البصام: إن الحركة التي كان يتزعمها الجنابي كانت تهدف إلى إعادة الحكم الملكي إلى العراق وكانت تعتبر السيد الحكيم قوة داخلية تسهم في تحريض العشائر العراقية ضد الحكم والاستفادة منها في تحقيق الغرض. وقد نالت الحركة تأييد شاه إيران والملك حسين ودعمهما في بداية الأمر، إلا أن فشلها كان مقترناً بعدم رغبة بريطانيا لإعادة الحكم الملكي في العراق مرة أخرى. (لقاء مع الأستاذ صادق البصام، لندن في 19/3/1991م. وقد توفي البصام في 18/آب/1995م).
16ـ مذكرات السيد محمد بحر العلوم ـ مخطوطة.
17ـ كان من زعماء الثوار في المقاومة الأفغانية اعتقلته السلطات الروسية أول دخوله إلى أفغانستان واختفت أخباره بعد ذلك. كتب تقريرات بحث الأصول لأستاذه الخوئي وطبعت سنة 1367هـ/ 1957م في مجلدين بعنوان (مصباح الأصول).
18ـ يحتفظ كاتب هذه السطور بهذه الرسالة التي كتبها السيد محمد باقر الصدر بحضور أستاذه الإمام أبو القاسم الخوئي رداً على سؤال أملاه هو بنفسه على بعض الجالسين حول العلاقة بينه وبين أستاذه الخوئي وقد أجاب على السؤال بنفسه. وكان ذلك سنة 1396هـ/ 1976م.
19ـ بعد أحداث انتفاضة صفر 1397هـ/ 1977م ضد السلطة على أثر منع المراسيم الشيعية الدينية سمحت الحكومة العراقية مراسلي الصحافة بإجراء لقاء مع الإمام الخوئي، وقد ذكر أن (الشيعة في العراق بخير) وكان انعكاس هذا التصريح مدعاة لأشياء لصدوره من أعلى سلطة دينية عليا. وكان الصدر قد طالته يد التعذيب والاعتداء، كما طالت المحنة العراقيين طبقاتهم وثقافاتهم.
20ـ ذكر الفيلسوف المصري الكبير الدكتور زكي نجيب محمود: (إن الصيغة الثقافية التي قدمها محمد باقر الصدر في كتبه بعد فحص الثقافة العربية يجد أن لنا نحن شيئاً آخر قد يحقق وقد يختلف مع ثقافة الغرب. والرأي عندي هو أن الاتجاه الأصوب هو أن نجدّل (الثقافتين) في جديلة واحدة.
من رسالة كتبها الدكتور زكي نجيب محمود إلى كاتب هذه السطور (جودت القزويني) بتاريخ 21/5/1983م. توفي الدكتور نجيب محمود بالقاهرة في 1413هـ/1993م.
21ـ يراجع نص البيان: نجف، علاء، الشاهد الشهيد، ص127.
22ـ الصدر، محمد باقر، محاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن، (بيروت، 1982م).
23ـ يراجع نص البيان في كتاب الشاهد ص129.

 

المصدر: مجلة آفاق نجفية العدد27

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *