السبت , 22 يوليو 2017

الأعياد في النجف.

الأعياد

لكل أمم الدنيا وشعوبها أعياد وقد تشترك بعض الأمم في عيد أو أكثر بدافع التقليد والمحاكاة، أو بدافع الدين، أو الخضوع السياسي. ومع أن تاريخ الأعياد موغل في القدم، فإن الروح الديني ساهم في تركيز فكرة الأعياد عند الأمم سواء كانت تلك الأمم تدين برسالات السماء أو العبادات المختلفة الأخرى حيث أن الحاجة تدعوا إلى خلق مثل تلك المناسبات لأثرها النفسي العميق، ولنشر القيم والمفاهيم التي تؤمن بها المجموعة.

عيد الفطر:

من الأعياد الإسلامية، لا في العراق وحده بل في جميع ربوع دنيا الإسلام، العيد الذي يلي فراغ المسلمين من أداء فريضة صيام شهر رمضان. (وأول ما بدأ به في سنة اثنتين من الهجرة)([1]).

وتسبق العيد أمسية الاستهلال. يخرج الناس إلى الأماكن المكشوفة والمرتفعة لرؤية هلال الفطر، وإذا ثبت الرؤيا وتأيدت عند المراجع الدينية يعلن عن العيد من على المآذن. ويشارك الجمهور بإطلاق الرصاص في الهواء من داخل بيوتهم إعلاناً بحلول عيد الفطر المبارك. (والفطر أعظم أعياد النجف حيث يكون يوم الزينة والأفراح والمقاصف والولائم وميادين السباق والرهان على السباق)([2]).

هذا في الماضي أما اليوم فلا يتعدى تجديد ملابس الصغار والتعطل عن العمل ـ غالباً ـ والتنقل بين بيوت الجيران والأقارب والأصدقاء وتسميعهم تحية العيد وهي لا تعدو مجموعة كلمات تكرر (أيامك سعيدة عيدك مبارك، كل عام وأنتم بخير، إن شاء الله عريس ـ إن كان أعزباً ـ أو حجي ـ إن كان متزوجاً ـ ) هذا عند العامة أما بين طبقة الملائية فهناك ألفاظ أخرى تضاف إلى هذه المجموعة يغلب عليها البلاغة وحسن اختيار الألفاظ.

ويهتم وجهاء البلدة وأعلامها بتهيئة مجالسهم ودواوينهم لاستقبال المهنئين. وتقدم القهوة والشاي والسجائر والحلوى.

وتزدحم المقاهي والأسواق والشوارع بالوافدين لزيارة مرقد الإمام علي عليه السلام وزيارة قبور موتاهم في مقبرة النجف.

ولا يجد أطفال البلدة وصبيانها مجالاً للعب والمرح والإفلات من قيود المنزل حيث لم يتوفر لهم أدوات اللعب واللهو كما هو موجود في بعض المدن الأخرى.

ويقضي الأطفال اليوم الأول من أيام العيد الثلاثة مع أهلهم وذويهم في الانتقال من بيت إلى بيت. وفي اليوم الثاني من أيام العيد تذهب بعض العوائل وأطفالها إلى الكوفة والحلة لقضاء بعض الوقت في التنزه والتمتع بمناظر النهر والبساتين أو في محلات أخرى تتوفر لأطفالهم أسباب اللهو واللعب.

كانت النجف ولا تزال في مثل هذه المناسبات تتسم بطابع سلوكي يغلب عليه الجمود على بعض القيم الموروثة إلا أن بعض المجالات خرج فيها الشباب على المألوف ولكن ضمن حدود. فالأزياء طرأ عليها بعض التبدل والصفات التي يريدها المجتمع النجفي من الشباب قد تغير كثير منها ولكنها لم تصل إلى  حد التمرد العام.

إن ظهور بعض البوادر الجديدة في حياة المجتمع في مثل هذه المناسبات تنم عن تغير حتمي للواقع الاجتماعي وتمرد أعنف مستقبلاً على كثير من الالتزامات التي فقد بعضها مقوماته في ظل التطور الحضاري الذي تواكبه النجف اليوم.

عيد الأضحى:

وهو عيد إسلامي يبتهج به المسلمون بعد فراغ الحجاج من أداء فريضة الحج في بيت الله الحرام.

ويدعى بالعيد الكبير. يبدأ من يوم 10 ذي الحجة ويستمر أربعة أيام.

(وأول عيد ضحى فيه (صلى الله عليه وآله) سنة اثنتين من الهجرة) والأضحى في النجف لا يختلف عن عيد الفطر في المراسيم والتقاليد ولعل الابتهاج بعيد أشد وأكثر حماساً ما في عيد الأظحى.

عيد النوروز:

وهو عيد فارسي([3]) (ويظهر أنه قديم في العراق وقبل الإسلام، ومما يدل على عدم معرفة العرب له: روي من أن علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) يصادف وجوده في البصرة يوم النوروز فيقدّمون له الحلوى ويسأل عن المناسبة فيقولون له أنه النوروز، فقال: نوروزنا في كل يوم يريد انتقاد الاختصاص في ذلك اليوم: والنوروز يخص الشمس التي كانت مقدسة عند الفرس وهو يوم انتقالها من برج إلى برج منهم … وفي العهد العباسي كانت لهذين العيدين (النوروز والمهرجان) احتفالات ومجالس تبريك رسمية وشعبية)([4]).

ويهتم بالنوروز العرب والقبائل الريفية خصوصاً ويجرون في سباق الخيل، ويلبسون الثياب الجديدة، ويزورون المشاهد المشرفة. ويحتفل به الفرس والأكراد أيضاً احتفالاً كبيراً مهماً ويظهرون الأفراح والمسرات ويتبادلون فيه الزيارات والمقابلات ويقدمون فيه ما لذّ وطاب من المآكل والمشارب. أما العرب فيعتبرونه أول يوم من أوائل الربيع ويعتبره الريفيون أول دورة السنة الجديدة ويطلق عليه اسم الدخول)([5]).

ويعتقد البعض أن الأرض محمولة. وفي كل سنة تنتقل إلى حامل جديد وغالباً ما يكون هذا الحامل حيوان. (وكان مفهوم  أولئك عن الأرض أنها محمولة على قرن ثور فإذا ما تعب الثور ـ  وقد يحس بالتعب في رأس كل سنة ـ حوّل الثور الأرض إلى القرن الثاني! وأن هذا الثور يقف على ظهر سمكة وأن هذه السمكة واقفة في البحر…! ويسألهم السيد هبة الدين (الشهرستاني) ـ على ما يروي الرواة ـ وعلى أي شيء يقف البحر؟ فيقول له القائل: إنه يقف بقدرة الله تعالى. فيرد الشهرستاني: ولم لا تكون الأرض قائمة بقدرة الله دون ما حاجة إلى ثور وسمكة وبحر)([6]).

وفي حديث ورد في مجلة الهاتف النجفية عام 1941م ـ 1360هـ: (قيل إن دخول السنة في هذا العام كان على (حية) أما كيف تدخل السنة على الحيوانات فهذا ما لا يعرفه إلا علماء التنجيم. ولكن الذي يجب أن يعرفه الجميع هو أنه كيف يجوز أن تدخل السنة على الفأرة والحية ولا تدخل على الحمار والجمل؟ وكيف يجوز أن تدخل على الدجاجة ولا تدخل على الديك؟!([7]).

والذي ورد في التقويم العربي لسنة 1937ـ 1938م ـ 1356هـ. يفيد (بسم الله الرحمن الرحيم. اعلم أن الحكماء ختاو الترك لهم دور على اثني عشر يسمونه بالدور الاثني عشري وقد سموّا كل سنة من الدور الأثني عشري باسم حيوان  إلا أنهم استنبطوا حالات وحوادث من حالات وطبع ذلك الحيوان الذي سموها باسمه ومبدأ الدور اتخذوه من سنة الفأرة.

بيان أسماء الحيوانات التي تدور عليها السنة.

الفأر والبقر المعروف يتبعه               قمر وأرنب يا هذا وتمساح

وحية قد أتت من بعدها فرس            أغنام قرد دجاج فيه إصلاح

والكلب لما رأى الخنزير قال له         أهلاًً وسهلاً بهذا الخل يا صاح([8])

كان يوم الدخول في النجف يوما ً مشهوداً حافلاً بأعداد  ضخمة من زوار مرقد الإمام علي (عليه السلام) وغالبيتهم من سكان الأرياف والمدن المحيطة بالنجف, وتوزع الحلوى والفواكه على الحاضرين لأجل إهداء ثواب قراءة سورة الفاتحة للموتى.

تبرز في هذه المناسبة صورة سلوكية غير طبيعية تفرضها طبيعة البيئة. فالمجتمع النجفي يعيش اختناقات الجدّيّة والالتزامات العرفية، إلى جانب افتقار البلدة لمجالات اللهو والترفيه. فعندما يجد الشاب النجفي متنفساً تجده ينشد اللهو والتسالي. وليس خافياً وجود الفارق بين ابن البلدة والريفي البسيط الساذج. هنا يجد البعض ضالتهم فيجعلون البسطاء أداة لتساليهم والترويح عن نفوسهم، وكان أولئك السذج عرضة لأصناف الأذى وأنواع المضايقات. ويردد شبان البلدة وصبيانها عبارة (عرّك المعيدي عرّك) عندما يبدأ الزائرون بمغادرة المدينة والعودة إلى ديارهم.

إن الساعة التي يذكرها التقويم لذلك التحويل يكون لها عظيم الاهتمام. تحتفل بها المشاهد وأهل المشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وأكثر المدن والقصبات([9]) وجدير بالذكر أن الريفي يرى في وجوده قرب المراقد المقدسة أثناء لحظات دخول السنة واجباً مقدساً أو حافظاً له من الشرور والنوائب.

ولعيد النوروز أدعية خاصة منها  قولهم (يا محول الحول والأحوال حول حالنا إلى أحسن حال) وقد سمع أحد المتندرين يقول: حول حالنا ويسكت. فقيل له: قل إلى أحسن حال فقال: يكفيني مجرد التحويل([10]).

صينية الدخول:

اعتاد النجفيون على اختلاف قومياتهم على إعداد (صينية الدخول) ويختلف ما تحتويه باختلاف إمكانيات الناس. وأهم ما فيها أكلات معينة لها (سبع سينات)([11]) وهي: سمك، سيلان، سمسم، سبيناغ، سوس (شربت) سويق، سلق.

وفي الصينية أيضاً: خس، فستق، جوز، بيض، كليجة حب بندق  باسورگك، قز وأنواع أخرى من الحلويات والمعجنات وشموع بقدر عدد الموجودين وأباريق فخارية للذكور وشراب فخارية للإناث على قدر العدد أيضاً وقد يصنع للشربة أو الإبريق حاشية تدور حوله يزرع فيها الحنطة والشعير فينبت حولها إطار أخضر جميل. 

يجتمع أفراد العائلة حول الصينية ينتظرون ساعة الدخول، وعند حلولها يوزع ما تحتويه الصينية على الحاضرين وقد ينقل منها إلى الأقارب أما الشموع فتسرج قبل الدخول مسرجة بعد الدخول إلى أن تنتهي وتنطفئ.

وبعد مرور ثلاثة عشر يوماً بعد التحوّل ودخول السنة الجديدة تخرج العائلات على اختلاف طبقاتها إلى الحقول والبساتين الواقعة في ضواحي مدنهم فيلقوا (الشرَّ)  في البيداء والحقول، ويدعى هذا اليوم (سيزده بدر) أي اليوم الثالث عشر من السنة الجديدة، وتسميه العامة (سنزه بدر). والنجفيون يخرجون إلى الحقول والبساتين القريبة من البلدة أو في الكوفة ومعهم أنواع الأطعمة وأدوات الشاي وعلى رأسها (السماور) ويقضون ساعات مليئة بالفرح والحبور.

وعندما حل دخول السنة في هذا العام 1975م ـ 1395هـ، أمَّ مدينة جمع غفير من الزائرين، والذي يلفت النظر أن نسبة الرجال منهم إلى النساء كنسبة 1/10 وجلهم من الأرياف القريبة من هذه المدينة وهم يعتبرون هذا اليوم يوم زيارة إلى مرقد الإمام علي (عليه السلام) وقد دخلت السنة في هذا العام على (أرنب) كما يدعي أهل التقاويم. وتفسير ذلك متروك للعوام كل يفسر حسب ما يتصور الأرنب.

لقد أقلع أغلب الناس عن الاحتفال بهذه المناسبة ويعزا ذلك إلى أسباب منها: ـ موجة التحرر من العادات القديمة بفعل الثقافة الحديثة وانخراط الغالبية العظمى ممن كان يأتي إلى هذه المدينة في هذه المناسبة في الأعمال سواء كانت أعمال حكومية أو غيرها.

وأرى أن السبب الرئيسي في اضمحلال مراسيم هذه المناسبة عند الريفيين: دخول وسائل المدينة الحديثة في الريف وانتشار التعليم ومعرفة الريفي لواقعه ومستقبله.

عيد الغدير:

يراد بالغدير (غدير خم)([12]) وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله) نزله بعد العودة من حجة الوداع وخطب فيمن معه فبيّن جهاده في الله ونصحه للناس. ثم خلّف عليهم الإمام علي (عليه السلام) بقوله (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) وعلى هذا بايعه الناس في ذلك اليوم([13]).

احتفل به احتفالاً رسمياً لأول مرة سنة 963م ـ 352هـ. بأمر معز الدولة البويهي: (وفي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في هذا العام جاء عيد الغدير (غدير خم) فاحتفل به الشيعة ببغداد وزعموا أنه اليوم الذي عهد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) واستخلفه. وفيه أظهر والسرور بأمر معز الدولة … فنصبوا القباب وعلقوا الثياب وأظهروا الزينة، وفي ليلته أشعلت النيران بمجلس الشرطة وضربت الدبادب والبوقات، وفي صبيحته نحروا جملاً وبكروا إلى مقابر قريش)([14]).

(كما فتحت الأسواق ليلاً كما يفعل في ليالي الأعياد كل ذلك فرحاً بعيد الغدير)([15]).

وكان الغدير في النجف يوماً عظيماً تقام فيه الاحتفالات وتلقى الخطب والقصائد وتزين المدارس الدينية ويبتهج طلابها فيعانق بعضهم بعضاً ويرددون عبارات التهنئة (الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة. جعلنا الله من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين).

وفي بعض السنين طبعت بطاقات كبطاقات الأعياد تحمل النص المذكور أعلاه، يستعملها الناس للمراسلة.

وتقام ولائم فخمة في المناسبات وتزدحم الدواوين والمجالس الخاصة للمهنئين كما تعقد احتفالات جماهيرية في بعض المساجد والجوامع، وتلقى لها الكلمات، والقصائد، ويحضرها الأعلام.

وتزدحم المدينة بأفواج الزائرين لمرقد الإمام علي (عليه السلام) من أغلب المدن العراقية، ومن خارج القطر أيضاً، جاء في مجلة الهاتف النجفية عام 1941م ـ 1360هـ، (كان يوم أمس يوم الغدير المعروف، وقد تقاطرت على النجف وفود الزائرين من جميع الأنحاء لأداء الزيارة، فكان عيداً من الأعياد البهية ويوماً من الأيام المشهودة ويقدر عدد الزائرين بما لا يقل عن خمسين ألفاً من النفوس([16]).

كان هذا فيما مضى، أما اليوم فالأمر قد اختلف واقتصر فيه على زيارة المرقد العلوي الشريف وتوزيع الحلوى من قبل بعض على المعارف والأصدقاء، وتسمع بعض ألفاظ التهاني.



[1] القلقشندي/ صبح الأعشى، 2: 417.

[2] علي الشرقي/ الأحلام، 2: ص71.

[3] نوروز كلمة فارسية مركبة من لفظين أولهما (نو) بفتح النون وضمها أ ي الجديد وثانيها (روز) أي اليوم وإذن فكلمة نوروز في اللغة تأتي بمعنى اليوم الجديد الذي يقع في اليوم الأول من شهر فرودين الموافق 21 مارس (آذار) أي أول فصل الربيع (د. فؤاد عبد المعطي الصياد/ النوروز، ص13(.

[4] علي الشرقي/ الأحلام، ص70ـ 71.

[5] ذكر لي ذلك الشيخ عبد المولى الطريحي يوم 26/ 5/ 1974.

[6] جعفر الخليلي/ هكذا عرفتهم 2: 200.

[7] العدد 258 السنة 6 آذار 1941 ص4.

[8] الطهراني المنجم/ التقويم العربي لسنة 1356هـ ، ص3.

[9] علي الشرقي/ الأحلام، ص71

[10] علي الشرقي/ الأحلام، ص71.

[11] حكى بن المقفع أنه كان من عادتهم (ويقصد الفرص) فيه (أي النوروز) أن يأتي الملك رجل ثم يجلس ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة وعليه حنطة وشعير وجلبان وحمص وسمسم وأرز من كل جنس سبع سنابل وسبع حبات وقطعة سكر ودينار ودرهم جديدان أما عامة الفرس فكانت عاداتهم إيقاد النار في ليلته. (محمود شكري الآلوسي/ بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب 1: 349ـ 351).

[12] هو بين مكة والمدينة قبل على ثلاثة أميال من الجحفة وقيل على ميل وهناك مسجد للنبي (صلى الله عليه وآله) (مراصد الاطلاع/ ابن عبدالحق البغدادي 1: 482).

[13] محمد حسين المظفر/ تاريخ الشيعة، ص11 ـ 12.

[14] آدم معتز/ الحضارة الإسلامية 1: 137.

[15] محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان، ص147.

[16] العدد 249، السنة6، ص2.

المصدر: النجف الأشرف عاداتها وتقاليدها- طالب علي الشرقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *