الأحد , 6 ديسمبر 2020
الرئيسية » تاريخ النجف الأشرف » الوقائع » حوادث الشمرت والزقرت

حوادث الشمرت والزقرت

 سنة 1267هـ ـ 1850م …… انتشار الطاعون في العراق
فيها انتشر مرض الطاعون في جمع مدن العراق, نقل ذلك السيد محسن الأمين عن كتاب (مستجاب الدعوة) للسيد أحمد بن حبيب بن أحمد آل زوين الأعرجي.

حوادث الشمرت والزقرت
من الحوادث التي وقعت في أخريات هذه السنة ما ذكره شيخنا الحجة محمد حرز الدين، قال:
إن حكومة النجف الأشرف في العهد العثماني ـ  ويومئذ كان حاكم النجف الملّا يوسف ـ أخرجت الزقرت كافة من النجف، فتحالفوا على أن يدخلوها ليلاً، وأخبر الواشي الحكومة بذلك المحل، فأقبلوا ليلاً ووضعوا السلّم على سور مدينة النجف من برج (قولة حسن يسير)، وهي أحد أبراج السور الشمالية في محلة العمارة، وكان العسكر والحرس فوق السور، فصعد من الزقرت أول رجل، فقتله العسكر وسقط من أعلى السور ميتاً وفرّ الباقون، فتبعهم أصحاب السلطة إلى طريق الكوفة فدخلوا برجاً كان في طريق بين النجف والكوفة، ولما تحصن الزقرت بالبرج المسمى بالمفتول , فاستنفر الملّا يوسف الناس على هؤلاء فأتبعوهم وداروا على البرج من بعيد ورموه بالبنادق, ثم إن المهاجمين تنحّوا عنهم آيسين من القبض عليهم، فاحتال الملّا يوسف للقبض عليهم، ويومئذ كان من رؤساء خزاعة رجل اسمه مانع ضيفاً عند الملّا يوسف، فالتمسه الملّا أن يخرجهم بذمته وليس عليهم شيء، فجاء إليه مانع وأخرجهم بشفاعته، وهي عادة عربية مسلّمة العفو والسلامة، فأخذوا أسلحتهم في الطريق ـ هذا وقد انسل من بينهم حسن العكايشي ونجى نفسه ـ وقيل أخذت أسلحتهم في البلد وهو الأصح، وحبسهم الملّا يوسف، فعتب عليه مانع الخزعلي بذلك، فأجابه الملّا يوسف بأنه الغرض من ذلك تأديبهم وأخذ العهود عليهم ووضع الضوابط لئلا يحدثوا فساداً بعد ذلك، فخرج مانع مغاضباً، وضرب المثل بلهجة الأهالي في النجف، فهم يقولون: (بخت مانع)، وصار يضرب لمن يعطي عهوداً ومواثيقاً ثم ينقضهما.
وقيل: إن هؤلاء الرجال لما صعدوا سور المدينة ودخلوا النجف لم يقدروا على الثبوت فيها لمطاردة رجال الملّا يوسف، فأخرجوهم ولجأوا إلى البرج (المفتول)، ودافعوا، وخاف الملّا يوسف أن يفلتوا منه فاحتال للقبض عليهم بإخراجهم ببخت مانع الخزاعي، وحبسوا في سرداب في دار الملّا يوسف.
وقد بذل العلماء الأعلام لفدائهم مالاً كثيراً. وحدّث البعض إنهم بذلوا لكل رجل مئة شامي، فلم يقبل الملّا أن يفكّهم.
قيل: وتردد الملّا في قتلهم بادئ الأمر، واستشار صاحبه حمّادي الشمرتي ـ وكان من أشد الناس على هؤلاء النفر ـ فأجابه بكلمته: (قص رأس ميّت خبر). وكان مجلسه حاشداً لا يتكلمون إلا في شأن هؤلاء المساجين وإطلاقهم.
ثم قال شيخنا رحمه الله: وسمعت موثوقاً إن بعض الأدباء من آل … كان حاضراً وأخذ يقرأ للملّا القصيدة الغسانية ليوغر صدره، ثم إن الملّا يوسف صغى إلى تلاوة الغسانية فلمّا وصل الأديب إلى قوله:
والعفو إلا عن الأعداء مكرمـــــــــــة          من قال الذي قد قلته كذبـــــــــــا
قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقـــــــــد          رأيت رأياً يجر الويل والحربـــــــــــا
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركـــــــــها          إن كنت شهماً فاتبع رأسها الذنبــا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم له جزراً          وأَضرموا النار فاجعلهم لها حطـــبا
فعند ذلك أخذ الملّا يوسف حاكم النجف يهز برأسه طويلاً وهو يقول: صدق القائل. ولما كملت تلاوة الغسانية عليه أخذت مأخذها منه واشتد غضبه عليهم، فندب قصاباً اسمه (علّاوي جفطة) وكان من أتباعه، فقال له: أدخل هذا السرداب واذبح الأغنام كلها، فأخذ السكين ونزل إلى السرداب فرآهم فرسان النجف مكتوفين بأوثق كتاف، فرمى السكين من يده وولى هارباً من كيد الملّا.
ثم إن الملّا يوسف ندب عبده محبوب وأمره أن ينزل إليهم ويذبحهم مكتوفين، ففعل، فأوجب سخط العلماء ورجال العلم والدين وكلّ من يبغضه، فتضعضع أمره، وكان يوم ذبحهم يوماً عظيماً في النجف، ونشبت الحرب بين الفريقين الزقرت والشمرت.
وحدثني بعض مشايخ الغري: بأن سبب إصرار الملّا يوسف على قتل هؤلاء النفر هو أن المجمع لهم ابن حسن صاحب البرج (القولة الكبيرة) ـ وكان ممن قتلهم الملّا يوسف ـ وابن حسن يسير هو الذي قتل الملّا محمود عم الملّا يوسف.
فقد  دخل ابن يسير يوماً إلى الصحن الحيدري متنكراً مع الزوار المعروفين في النجف بـ (أهل الجريبات) من عرب الحويزة، وكان من عاداتهم أن يدخلوا النجف وإلى الصحن الحيدري في موسم الزيارة بالأراجيز العربية (الهوسة)، وكانت مع ابن يسير بندقية صغيرة تحت ثيابه، فلما بصر بالملّا محمود دعاه من بين أصحابه فحول وجهه في المجلس لينظر مناديه فرماه وقتله، وكان ماهراً في الرمي، وخرج هارباً من الصحن من باب الطوسي إلى محلة المشراق، ثم خرج من باب السور الشمالي ـ الواقع في الربع الشمالي منه،  وفر إلى جهة أودية النجف غرباً، وكان آخر النهار، فتبعه الناس فرمى الأول منهم فخدشه بأذنه وقال له: إن لم ترجع فلقت هامتك، فرجع وأرجع الناس وأخبرهم به.
ولمّا أمر الملّا يوسف عبده محبوب بقتل ابن حسن يسير وجماعته، أخذ ابن يسير يسب الملّا يوسف بأعلى صوته تجلداً. ومحبوب هذا العبد قتله يعقوب أفندي حاكم النجف.

(تاريخ النجف الأشرف- ج 2/محمد حرز الدين )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *