الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

سراديب النجف

sraadeeb-alnajaf1

 

سراديب النجف

بين الواقع والخيال

المقدمة : ((تقع النجف على قمة أرض رملية عالية عريضة، وبسبب الصحاري الشاسعة التي تحيط بالنجف أصبح مناخها لاهبَ الحرِ في الصيف ، ثمة رياح محرقة تهب على النجف من صحارى الجزيرة ، وبسبب هذا المناخ تودلت فكرة إنشاء مساكن تحت سطح الأرض يلوذ بها السكان من الحر اللاهب ، ومن واقع النجف المبدع أبدع المعماريون في بناء هذه المساكن ، بحيث أصبح لها ممرات تصل بعضها بالبعض الأخر ومن ثم تفضي الى خارج مدينة النجف ، واستغلت فيما بعد كوسيلة دفاع ضد الغزاة على مر الحقب الزمنية  التي مرت على هذه المدينة، وأصبحت تعرف هذه المساكن عند النجفيين بـ( سراديب النجف) ))

                                            **********

يذكر التاريخ أن النجف كانت تطل على بحر متلاطم الأمواج مما حدى بالنعمان بن المنذر أن يبني قصر الخورنق المطل على ذلك البحر ، ويتفق المؤرخون أن تحت هذا القصر عدد من السراديب التي استخدمت كمخازن وسجون.

وبعد جفاف بحر الني تحولت النجف الى مدينة صحراوية ، فكيف بها وكيف بقطّانها؟

لقد بات مناخها بسبب احاطتها بالصحاري الشاسعة  مناخاً لاهب الحر  صيفا  مثلج القرِّ شتاء  ، ففي الصيف ثمة رياح محرقة تهب على النجف من صحارى الجزيرة ، مثل ريح السموم وريح اللاهوف وريح الغبرة .

وبسبب هذا المناخ مع شحة المياه , كان من يسكن النجف بحاجة لمكانٍ يلوذ به من الحر اللاهب في الصيف ومن البرد القارص في الشتاء, فتولدت لدى سكان النجف  فكرة إنشاء مساكن تحت أرضية أطلقوا عليها (السراديب).

………………………………………………………………..

عرفت النجف السراديب قبل ظهور الاسلام بوقت طويل, وليست النجف بمحيطها القديم وبسراديبها المشهورة بدعا في ذلك ، بل ثمة قصر الأخيضر القريب منها حذو عين التمر ففيه سراديب, بعضها مخازن اسلحة وبعضها مخازن تحف ونفائس ومنها سجون والبقية مهاجع اي سراديب تقليدية.

………………………………………………………………..

كانت العائلة النجفية تقضي ساعات طويلة من أيام الصيف شديدة الحرارة في السراديب، التي تميزت بسمك جدرانها وانخفاض مستوى أرضيتها عن مستوى أرضية البيت ، إذ يصل عمق السرداب في بعض الأحيان إلى عشرين متراً تحت سطح الارض ، مما يجعله بعيدا عن الحرارة الشديدة في فصل الصيف.

………………………………………………………………..

وبعد ظهور مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بعد أن كان مخفياً لفترة طويلة من الزمن ، كثر سكان النجف رغبة منهم في مجاورة مرقده الطاهر، ونتيجة لكثرة مساكنهم كثرت السراديب أيضاً, وقد تطورت السراديب من حيث العمارة بعد هجرة الشيخ الطوسي اليها آناء القرن الهجري الخامس, حيث أصبح المعماريون يتفننون في بناء السقوف ، والجدران ، وطرق التهوية ، وغيرها من مواصفات السراديب المريحة والضرورية.

………………………………………………………………..

ساعد على برودة السراديب وجود المياه الجوفية تحت أرض النجف بغزارة ، حيث ساهمت هذه المياه في توفير جو رطب و بارد في هذه السراديب.. كما استفاد البعض من قرب المياه الجوفية بحفر الآبار في سراديبهم.

يتمتع السرداب بدرجة حرارة ثابتة صيفاً وشتاءاً ، عكس المفهوم السائد بأن درجة حرارة جو السرداب منخفضة في الصيف ومرتفعة في الشتاء ، وهذا الثبات يكسب السرداب جواً معتدلاً طوال أيام السنة.

………………………………………………………………..

وكانت السراديب تبنى بالطابوق والجص بطريقة تختلف عن بناء الدور، حيث يبنى سقف السرداب على شكل قبة ، أما أرضية السرداب فتغلف بالطابوق الفرشي مما يكسب المكان برودة اضافية.

………………………………………………………………..

ومن أنواع السراديب في النجف, السراديب الأرضية التي يصل عمقها  إلى ستة أمتار، وسرداب (النيم سن) وهو يلي السرداب الاول ويكون اشد برودة  واكثر هدوءا, فليس ثمة صوت يصل اليه, ومن يستطيع صنع سردابا ثالثا يصل فيه الحفار الى السن وهو آخر الطبقات الأرضية الصخرية حيث المياه الجوفية, فقد وصل الى أبرد مكان ممكن أن يصل إليه تحت الأرض, ولا يمكن لأحد النوم فيه دون سرير مرتفع عن الارض ودون غطاء يقيه البرد الشديد وفي هذا السرداب تخزن الفاكهة والخضروات وربما ما يطبخ من غذاء , ولا يقدر ( المصاب بهبوط الضغط او فوبيا المرتفعات) على النزول الى السرداب الأخير, فالهبوط الى العمق مثل الارتفاع الى العلو كلاهما صعب.

………………………………………………………………..

آلية تهوية السراديب تجري بواسطة فتحات صغيرة جانبية تكون على شكل
مجار عمودية للتهوية ، عبارة عن فتحات داخل الجدار وفوهتها في أعلى السطح الدار، ينتقل الهواء من الأعلى عبر هذه الفتحات الى فضاء السرداب، فيساعد الماء الذي يرش على أرضية السرداب على ترطيب الهواء الخارجي الجاف الآتي من السطح عبر هذه الفتحات ، وتسمى هذه الفتحات أو المجاري العمودية بالملقف الهوائي ، ويطلق عليه محلياً ( البادكير ) وهي كلمة فارسية مؤلفة من مقطعين (باد ) أي هواء ، و (كير) بمعنى جالب أو ساحب.

………………………………………………………………..

ويوجد في أكثر السراديب الأرضية شبابيك خاصة بإنارة فضاء السرداب, وتكون أفقية مطروحة بمستوى  أرضية البيت .

………………………………………………………………..

المعماريون الذين ينشئون السراديب في وقتنا الحاضر نادرون جداً, ولم يبق منهم  إلا عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة, وكانت أجورهم تختلف عن أجور باقي البنائين ، وذلك لصعوبة عملهم ، وقد تميز كل واحد منهم بنمط معين من البناء. وللسراديب فوائد أخرى في الشتاء حيث تستعمل كمخازن لحفظ الحبوب والغلال وبعض الحاجيات المنزلية الأخرى.

……………………………………………………………….

وقد أهتم بعض السكان في إبقاء السراديب في دورهم وتعميرها وربما عمد البعض الى بناء سرداب حديث في داره أو في المدارس الدينية المنشرة في مدينة النجف القديمة ، حيث يكون البناء على وفق الطرق الحديثة .

………………………………………………………………..

بعد ظهور الكهرباء في أواسط القرن الماضي انحسر استعمال السراديب في النجف ، حيث بدأت تنتشر أدوات التبريد الحديثة ، وكان من الطبيعي أن تخلو البيوت الحديثة من السراديب , إ لا  إن نظام الحكم السابق وخاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان له دور في إعادة استخدام السراديب ، ولكن لأغراض أخرى غير التبريد وحفظ الغلال.

………………………………………………………………..

فقد كان يلجأ إلى السراديب الملاحقون من قبل الدولة في قضايا سياسية, كما كانت عوائل النجف تعمد إلى إخفاء الكتب الدينية القيمة التي كان نظام البعث يمنع قراءتها أو تداولها مما أدى الى تلف الكثير من الكتب النادرة في النجف.

………………………………………………………………..

الكثير من السراديب في البيوت النجفية يتصل بعضها بالبعض الآخر, ومنها ما يحتوي على آبار تؤدي الى انفاق قد يصل طول احدها العشرين كيلومترا , وكانت هذه محنة العثمانيين والانجليز أيضاً مع أهل النجف ، فبإمكان البعض ان يغيب في بئر نجفي ليظهر في قرية ابو فشيكَة قرب مدينة الجعّارة ( الحيرة ) ، وقد عالجها النظام السابق حين سمم بعضا منها وردم البعض الآخر.

………………………………………………………………..

من طرائف ما روي عن حكايات السراديب, أن رجلاً كان يسمع أصواتاً غريبة مصدرها من داخل البئر الموجود في قاع  سرداب بيته, فظن أن البئر والسرداب قد سكنهم الجن, فقرر بيع البيت, فاشتراه أحدهم بثمن بخس جداً, وقبل أن يأتي بعائلته قرر أن ينزل الى السرداب لعله يجد  اتفاقاً مع  المحترمين من الجن, فأخذ سراجاً, ونزل شيئاً فشيئاً الى القاع وهو يسمع الأصوات التي كانت ترتفع كلما اقترب من البئر, فدقق جيداً بعد أن أدخل رأسه في فتحة البئر فإذا هي أصوات رجال ممزوجة بأصوات سقوط الماء على الأرض عندما يستحم الرجل في الحمام….., نعم هي أصوات قادمة عبر النفق الذي يربط بين بئر البيت وبئر الحمام الذي كان قريباً من البيت.

………………………………………………………………..

وللسراديب أثر بالغ في تاريخ النجف السياسي على مر الحقب الزمنية التي مرت على هذه المدينة, فمثلاً في الفترة التي أكثر الوهابيون غزاة نجد هجماتهم على بلاد المسلمين وخاصة الشيعية منها,وظف الشيخ جعفر كاشف الغطاء المعروف بـ( الشيخ جعفر الكبير )  شيئا من أموال الحوزة لحفر سرداب خارق السعة خارق العمق بمداخل ومخارج سرية لحفظ خزائن الروضة وارواح علماء الدين وزعماء المدينة.

………………………………………………………………..

وكثير من السراديب في النجف احتوت مخلفات الدارسين في الحوزة العلمية والسياسيين وغيرهم, فهذه ذكرياتهم استلقت على أرض السرداب, فذلك جدول دروس حوزوية, وهذه مجلة قديمة نشرت على صفحاتها صور لملوك ورؤساء عرب عفى عليهم الزمن, وذاك اليمين الدستوري الذي أقسمه أول رئيس لجمهورية العراق, ذكريات غادرها أصحابها …وظلت هي في سردابها تحاكي الزمن والتآكل.

………………………………………………………………..

وكان سكان النجف وبحسب أوضاعهم الاقتصادية يهتمون ببناء السراديب كل على حسب مقدرته امادية ، فاذا دخلت البيت النجفي , فان لم يكن فيه سرداب فهذا يعني ان صاحب البيت كان معدماً ، وان امتلك سردابا واحدا فهذا يعني انه متوسط الحال ، اما اذا كان في البيت سردابان واحد للضيوف وآخر للعائلة فهذا يعني ان صاحبه ميسور الحال , أما إذا كان في البيت سردابان براني ودخلاني وفي كل سرداب ثلاث طبقات : سرداب ونصف سن ثم سرداب سن فهذا يعني ان صاحب البيت من اصحاب الثراء.

………………………………………………………………..

يخطيء من يظن ان النجفيين صنعوا السراديب لتقيهم من اللاهوف  والسموم فحسب, بل هي تدرأ ايضا الأيام الباردة حين تصاحبها ريح عاصفة , والليالي قاسية البرودة , واغلب النجفيين يجعل أرضية السرداب من الطابوق الفرشي المربع ثم يفرشها بالبواري وهي حصران مصنوعة من القصب, ويفرش فوق البواري السجاد القطني أو الصوفي او الحريري كل بيت حسب مستواهم المعيشي.

………………………………………………………………..

وقد اشتهرت بعض البيوتات بسراديبها مثل سرداب السيد بحر العلوم وسرداب محسن شلاش وسرداب عطية السيد سلمان وسرداب عطية ابو كلل وسرداب شيخ سلمان الخاقاني وسرداب محمد حسين زيارة البو اصيبع وسرداب قصر النصراوي وسرداب الملا سلمان وسرداب علي كاشف الغطاء وغيرها كثير.

………………………………………………………………..

والآن دارت الحياة دورتها ولكن الى الخلف حيث اضطر النجفيون الى العودة لإستخدام السراديب, فمنذ تسعينيات القرن الماضي أي بعد تدمير البنى التحتية للعراق في حرب الكويت ، عاد النجفيون في المدينة القديمة الى النزول الى السراديب للتخلص من شدة حر الصيف, لأن ساعات إنقطاع التيار الكهربائي وصلت الى ذروتها, فهل أن السراديب قد جعلها القدر لا تنفك عن حياة النجفيين, فهم ينامون فيها أحياء ويدفنون فيها أموات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *